الرئيسية» الرئيسية دفتر الزوار»دفتر الزوار راسلنا»راسلنا شروط»اتفاقية الاستخدام
تويتر فايسبوك
مدير الموقع
موقع فلسفة
لايستهدف جلب الأنصار و إنما تكوين أناس أحرار

موقع فلسفة
قائمة المحتويات

فلسفة

 

موقع فلسفة موقع خدمي يسعى إلى تقديم نوع من الخدمة المعرفية ، و هو موقع معني بالفلسفة ، وبالاهتمام بالفلسفة بالمعنى العام للكلمة و يتشرف باستقبال كل موضوع ينسجم مع هذه المرجعية و يتم قبول الموضوعات التي ترد إلى الموقع وفقاً لسياسات موضوعية و منهجية معينة من بينها: المحتوى والحجم ، وكذلك مستوى الموضوع ، و الطبيعة الأساسية للموقع . وبعد حصول الموضوع على الموافقة ،يتم إدراجه في الموقع .

هـُنـَا تـُـقـْـبَـلُ أرَاءُ كُمْ النِيّرَة وَ مَوْضُوعَاتُـكُمْ المُـفِيدَة
*** وجهة نظر *** دورية تصدر عن موقع فلسفة/ جميع حقوق الموقع محفوظة،© موقع فلسفة 2016/2004 - ع.فورار
لا تعبر الآراء الواردة في المقالات المنشورة إلا عن وجهة نظر كاتبيها
أصل التفاوت ما بين المدن / *أ- مونيس بخضرة- جامعة تلمسان

تقول أسطورة قدموس التي تأسست عليها مدينة طيبة القديمة، أن قدموس قتل ثعبان كبيرا الذي يعني أنه قضى على الغابة و البادية موطن الثعابين، و زرع أسنانه أثلاما على الأرض(بداية الزراعة) بواسطة قطع خشبية صلبة، ثم قذف حجرا كبيرا فخرج رجال مدججون بالسلاح من ثلوم الأرض، ثم قدم قديموس ثعبانه في شكل تنينdragon و منه جاءت سلطة مجالس الشيوخ الأرسطوقراطية، لأن التنين عند الإغريق هو الذي كتب القوانين بالدم، و هذا يعني أن أسطورة قدموس تضمنت ضروبا من التاريخ المدني و تأسيسا لعالم جديد هو عالم المدينة.
إن إستقرار الإنسان في المدينة لحدث بارز في تاريخه، بعدما قطع شوطا كبيرا من الزمن لكي يحقق هذا المكسب الإبداعي، لأن المدينة إكتشاف و إبداع و حياة البراري حالة طبيعية، إبداع يعكس مدى تطور هذا الكائن الخلاق الذي وصل إليه، لأنه الكائن الوحيد الذي يفكر في مستقبله و في محيطه بصورة عقلية و بعناية فائقة و دائم إهتمام بهما، إذن ما أصل المدينة؟، و ما الذي يجب علينا أن نعرفه عن مدننا؟.
أصل المدينة:
المدينة هي فضاء للحقيقة الإنسانية، بأديانها و فنونها و علومها و هوامشها، و لممارسة العلاقات الإجتماعية، التي طالما بحث عنها الإنسان في مراحل تطوره ضمن علاقاته اللامحدودة، فبعدما كان يعيش في البرية بجبالها و سهولها و خلجانها و كهوفها و وديانها، أو ما يعرف بالإنسان البدائي الجوّال الذي كان يعيش على الترحال، كائن يتجسس وعيه اليقظ خلال حياته و هو في ذلك عبارة عن كون صغير لا يخضع لمكان محدد أو مسكن معين، أصبح يعبر عن ذاته و عواطفه في الشوارع و الأزقة و الحدائق الجميلة المحفوفة بالورود و نافورات المياه.
إن أولى التغيرات الجذرية التي طرأت على هذا الإنسان في تاريخه، هي عندما إكتشف عملية الزراعة و الرعي، متخليا بذلك تدريجيا عن الصيد و الجري وراء الحيوانات المتنوعة، حينها بدأ ينبش الأرض و يقلبها، و التي تعتبرمن أولى محاولاته الجادة لتغيير الطبيعة و محاولة السيطرة عليها، أي الإستفادة منها من دون أن يبرح مكانه بعدما كان يستفيد منها متحركا في إتجاهات القطيع المجهولة، هذه التغيرات دلت حقا عن مدى إتساع حلقة نشاطه العقلي بصورة منطقية، تجلت في معاملته في بداية الأمر للطبيعة معاملة مباشرة، من أجل ضمان بقاؤه، من قطف و صيد و كل ما يقع تحت حسه الذاتي، لينتقل بعدها إلى ربط أجزاء الطبيعة ببعضها البعض، كعملية لإستقراء الطبيعة و تأويل صورها و تفسيرها بما يتناسب مع حاجياته البيولوجية، و إلا كيف نفسر تمكنه من فهم عملية الزراعة التي تمر بمراحل متراتبة و متزامنة، أي الإستفادة من الطبيعة بطريقة غير مباشرة، أظهر فيها بداية إنفصاله التدريجي عن باقي المخلوقات التي كانت تتقاسم معه فريسة الصيد و الأعشاب.
و في هذا الموضوع يقدم لنا باتيستا فيكو عرضا شيقا عن بداية الإستقرار المدني للإنسان، الذي حدث في نظره بفعل الخوف،لأن البدائيين كانوا يسقطون طبيعتهم الخاصة على الكون، حيث بدؤوا يفسرون الظواهر الطبيعية بإسقاط ماهيتهم الخاصة على الطبيعة ، أما ظهور الثقافة و تطورها حدث عندما دفعت الضرورة المادية على ذلك، و هكذا تخلى المواطن المدني عن عادته الحيوانية في الغابات تاركا الكهوف و المغارات التي سكنها منذ سنين طويلة، و بعدما أجبرت الطبيعة الإنسان على أن يستقر في المدن غادر كهوفه، و تعلم بناء المنازل و الأكاديميات و الشوارع، و استقر نهائيا في أخصب الأراضي، و يحصر فيكو قيام المدينة في أربعة عوامل هي : الدين و الزواج و بناء المنازل و القانون، و ذلك في نظره حدث بفضل العناية الإلهية التي دفعت الإنسان في مرحلة ما قبل القوانين نحو التحضر و تشييد المدن، نتيجة خوفه من النظام الإلهي الذي إعتقده دوما في السماء.
إن الزراعة و أشكالها هي عملية إنتاج بالأساس، بها أصبح إنسان الطبيعة يعير للزمن قيمة خاصة جعلته يرتبط مع الأرض على طول الزمن إلى يومنا هذا في بعض المجتمعات، و هنا أصبحت الطبيعة بعدما كانت معادية للإنسان صديقة له و أمست الأرض الأم المبجلة له، و عليه بدأت تظهر الأشكال الرمزية للبيوت و الأكواخ الريفية كتعبير عن حياة جديدة دخلها الإنسان.
إن الكوخ الريفي البسيط الذي كان المنتشرا في باديتنا لرمز عظيم على الإستقرار و الإستطان، فالأرواح البشرية في هذه المرحلة الجديدة بدأت تستأنس المواقد و المضاجع و الأبواب الخشبية و قطع القش المتراصة بإحكام فوق سطوحها، أرواح قد إستقرت أخيرا.
لقد كانت مرحلة الطبيعية في نظر بعض المهتمين بالإنسان و بمصيره من أبناء القرن الثامن عشر بمثابة العصر الذهبي الذي فقده الإنسان، نظرا لما حظي فيها من عدالة و مساواة و وحدة متجانسة بها تماهى الإنسان الأول مع أمه الطبيعة، و التي لعبت دورا حاسما في بناء صرح الإنسانية المجيد، و مشكّلة في نفس الوقت فراغا تاما للمواطنة التي سيتراجع الإنسان على مبادئها إلى الوراء، حيث التذمر و التفاوت و الضياع، و هذا حينما اعتبروها أيضا جزءا رئيسيا من الذاكرة التاريخية للإنسانية في بداياتها الأولى، و لكن برغم ما تعرضت إليه من هجمات فكرية و إقتصادية لتعرية جوانب فقرها،إلا أننا نعتبرها بمثابة القاعدة الصلبة لبناء هرم الإنسانية المتطلعة، فهي بالنسبة لنا بمثابة الشرط المتقدم لميلاد المدينة، حيث تنمو أواصر الألفة بين الفرد و الآخر و بينه و بين الأرض.
فالكوخ الذي بناه الفلاح أصبح بمثابة المدينة بالنسبة للدولة و للحضارة، و بما أن لكل بيت وعي يعتني به، كذلك للمدينة و الدولة أرواح تسهر عليها، فيها بدأ الإنسان يتنفس فنا و دينا و فلسفتا، فبعدما كان الإنسان بدويا أصبح الآن متمدنا،هذا الإنتقال ولّد فينا إيمانا مفاده أن جميع الدول و الحضارات خرجت من رحم المدينة، و المدينة هي الأخرى خرجت من رحم الطبيعة.
الإنسان الممتاز هو إنسان المدينة، و هنا كما يقول أزوا لد شبنغلر ساعدت الإنسان على التمييز بين تاريخ العالم و تاريخ الإنسان، فتاريخ العالم هو تاريخ الإنسان المتمدن، حيث أن الدول و السياسات و الفنون و الأديان و جميع العلوم ظهرت نتيجة تفاعل المدينة مع أهلها، لأنها إستلزمت ذلك لكي تخصب نفسها و تهذب روحها العامة، فجل المفكرين الذين برزوا في تاريخ المعرفة إنحدروا من المدينة و حتى و إن كان بعضهم يقطن البادية جسديا، حيث بدأت المدينة تتنفس بتنفس أبنائها لتنشأ من مجموع الأرياف و البوادي التي كان لكل منها تاريخها الخاص، وهنا نجد أنفسنا مجبرين على التمييز بين البادية و المدينة ليس فقط من الناحية العمرانية، و إنما من ناحية الروح و هذا هو الأهم في نظرنا، فما علاقة الريف بالمدينة؟
صراع البادية و المدينة:
الصراع ضرورة تاريخية فرض على المدينة منذ أن وجدت، لا مفر منه من أجل حماية نفسها من همجية الريف، إنه صراع التمدن للبربرية الطائشة، و هي بذلك قد تعودت عليه لأنه دخل في تركيبتها الحضارية ممتزجا بطينتها الصافية، رغم أن هناك مدن كثيرة إستسلمت لقبضته و هي تعيش الآن بدويته خاذلة أبناءها الطيبين، تعكر صفاء أيامها من إجرام و فوضى و ضياع، بعدما توسع الريف على حسابها إنه أمر مأساوي تعيشه مدننا في هذه المرحلة.
هناك الكثير من الحواضر المنتشرة في المعمورة و على الخصوص في العالم المتخلف، و منها حواضرنا، رغم ضخامتها إلا أنها فاقدة للمقاس الحقيقي للمدينة، بحجة أنها عبارة عن تجمعات ريفية تفتقر لروح العامة التي تنفرد وتتميز بها ، فذاك الذي ينشأ عن قرية أو بادية ليس هو بمدينة و إنما هو مركز إلتقاء الناس و الإخوة، ففي بعض الأحيان نجد بين أبناء البادية نفوسا متميزة ماهرة و عالمة لكنها تفكر تفكيرا بدويا، لأن البادية تشكلت فيهم منذ آمد طويل، لها حياة واحدة ألا و هي الحياة الباطنية، أما المدينة فتقوم على حياتين حياة باطنية و حياة ظاهرية، فالبدوي و المدني يعيشان حياة مختلفة تماما، و كل واحد منهما له حياته الخاصة، و عليه لا يستطيع أحدهما أن يفهم الأخر، و مثال ذلك فلاح من مدينة ما يستطيع فقط أن يتجاوب مع الفلاح الذي ينحدر من ريف مدينة أخرى،و نفس المقاس يشمل أبناء المدينة.
لقد تحدث الشعراء كثيرا و منذ القدم عن جحيم المدن، بينما الماركسيون تحدثوا بإسهاب عن الحياة الهجينة للريف، حيث أن الإحتجاج على المدينة و البادية كان منذ أمد طويل، فإنسان الطبيعة لديه فرصة كبيرة للتمتع بالسماء المرصعة بالنجوم و الحقول الخضراء و الزهور و الأنهار و الحيوانات، يعيش متصلا بالطبيعة و بعناصرها المتنوعة إلى درجة التقديس، أما إنسان المدينة فإنه يعيش في مدينة مزدحمة بالأدوات المتحركة و الساكنة فقط.
إن ازدهار أية دولة يعود في الأصل إلى ازدهار مدنها، و لكن ما هو قائم في مدننا هو أن أريافنا و بوادينا لم تستطيع أن تعترف بمدنها و لا زالت أريافنا متفوقة على مدننا، و هذا هو الذي ولّد نوعا من الإضطراب العام في المجتمع، فبقايا بعض المدن العريقة من أثار حتما عكست روحا أبدية لا زالت متجلية عليها، لا تخبوا إلا مع زوال تلك الشواهد القاسية و الحزينة إلا أنها غير كافية، بعدما حولتها إلى مدن ماضوية جاهلة لمستقبلها، و حينما إستقر الفرد في المدينة مبتعدا عن حياة الطبيعة، و أصبح يسير على أرصفة شوارعها الذي بدأ شيئا فشيئا يزداد إرهافا و قوتا، حرا و واعيا على ضرورة التخلي عن خجله و ضيق أفقه، و كلما زاد تعقلنا ازدادت غرابته عن ماضيه، و أصبح فنانا و عالما و متدينا، لأن أصوله التي كانت غارقة في الطبيعة بدأت تجف شيئا فشيئا دون حرج أو خوف.
و السؤال الذي يطرح هنا كيف إستقبل الإنسان الحياة المدنية بقوانينها و مؤسساتها و ضيق مجال حرياتها؟ و هل كان يرى في هذا المولود الجديد ضرورة لا مفر منه، و جب أن يعمل على التكيف مع روحه؟.
لا يمكن أن ننكر الرأي الذي يعتبر المدينة ضرورة تاريخية للإنسان ولا مفر منها، دون البحث عن الطرق و كيفية ظهورها، سواء عن طريق التعاقد أو عن طريق الحروب أو عن طريق الإخضاع و الولاء، المهم هو أن الإنسان في يوم ما، وجد نفسه ينام في شوارعها و يقاد به إلى سجونها بغرفها المليئة بالخوف و الرعب، و أحبال الشنق في كل زاوية ، و ربما هذا ما يؤخذ على فلاسفة العقد الإجتماعي، بعدما إنكبوا على دراسة الحالة الطبيعية التي فقدها الإنسان بالتحليل في صورة فلسفة تاريخ الإنسان الطبيعي، و إختلافاتهم حول كيفية تعاقد الأفراد فيما بينهم، و عملية التنازل عن أملاكهم لشخص معين، التي كانت في صورتها التخلي عن بعض الحقوق مقابل توفير شيئا من السلام و الآمن، و هذا ما يشير في لحظات ميلادها أنها كانت مرتبطة بالأساس بالآمن، نتيجة لما كان يشعر به الإنسان الطبيعي من خوف شديد في ظل شح الغذاء الذي كانت توفره الطبيعة الأم، و الاهتمام بالحالة الطبيعة مع فلاسفة العقد الإجتماعي في نظرنا مرده إلى محاولة تأصيل تلك المراحل و فهمها، عن الكيفية التي كان أبائنا يعيشون عليها، و هذا ما جعل كل إنتاجهم الفلسفي عبارة عن فرضيات فكرية لا جدوى منها، بينما الأهم هو تحليل المدينة منذ ميلادها إلى صورتها المعاصرة الشابة، بحجة أن كل التحولات الهامة التي طرأت على الإنسان، حدثت في مرحلة المدينة و هذا ما خولها إلى أن تكتسي أهمية خاصة في تاريخ البشرية، لأنها مرحلة ولاّّدة و خلاقة، و التي من خلالها دخل الإنسان مرحلة النظام و الإستقرار في مقابل العبودية و القلق، مثلما ما كانت عليه مدن الشرق القديمة(مجتمعات المدينة)، حدود المدينة تنتهي بأسوارها العظيمة، حيث كان الخوف معششا في دورها و قصورها و حقولها كا ( سبأ و أنطاكية و أصفهان و بغداد ودمشق....)، و كأنما أفراد المدينة اتفقوا على أن يتخلوا عن أشياء مقدسة للتضافر و التعاون لتبادل الحماية فيما بينهم، أو بمعنى آخر نتنازل عن أشيائنا فيما بيننا مقابل الإهتمام بما هو خارجي، و هذا دليل قطعي على مدى شعور أبائنا في تلك الأوقات العصيبة بالضعف و العجز.
المدينة هي إعلان الإتحاد و التعاون بين الأفراد، و هذا ما كان ينبغي لهؤلاء الفلاسفة أن ينبهوننا إليه، و أن يتجاهلوا حالات الطبيعة التي لا تستدعي التحليل و القراءة، لأن تحليل تلك المرحلة و البحث فيها مصاحب للحظات الصراعات المأسوية التي عاشها الإنسان، أو ربما لما كانت تتسم به مدنهم الحديثة من عنف و قمع و إرهاب سواء من السلطة الدينية المسيحية أو السلطة السياسية، و على الخصوص الملكية منها اللتان كانتا وراء إندلاع ثورات تحررية في قلب أوربا، جعلتهم يعتبرونها عصر ظلام الذي غرق فيه إنسان المدينة، و كيان غريب عن طبيعة الإنسان، و التي سيعيش فيها في حالة إغتراب، و هذا الكيان الدخيل لا يدوم طويلا في نظرهم، بل هو فقط مرحلة مؤقتة من تاريخ إنسان تحتمت على البشرية المرور به، لأنها في الأساس قامت على جملة من التناقضات التي ستكون سببا في زوالها في مرحلة معينة من مستقبل البشرية، ليعود الإنسان من جديد لأمه الطبيعة و هو كله إليها شوق و حنين، و عليه فالمدينة بمثابة مأزق حلّ بالإنسان لا يمكن الإستهانة به نتيجة عمل التاريخ و تحولاته. و نحن لا نتوقف عند هذه الصورة الضيقة و المأساوية للمدينة الشبح كما كان يدعي أبناء القرن الثامن عشر، بل هناك روح جديدة بدأت تشيع في المدينة سرعان ما أصبحت في صلب الدولة، زودتها بلغة جديدة تتناسب مع معطياتها الحضارية لا تفهمها البادية.
إن شعوب الحضارات القديمة تحولت مع مرور الزمن إلى شعوب مدن كبيرة، كل مدينة لها طابعها الخاص النابع من تراثها. فمظاهر الفن و المعرفة أنتجت داخل المدن و حتى الأحداث السياسية الهامة كانت منبعثة منها، و هذا لا يخفي أبدا العلاقة الخالصة على سبيل المثال التي كانت تربط مدننا بالريف الجزائري معا لتحرير أراضيها من الإستعمار و تطهيرها، إنها لحظة جياشة في تاريخ المدينة الجزائرية، اللحظة التي تقاسما فيها الريف و المدينة الهم المشترك، الريف يخطط و المدينة تستقبل و تنفذ، معا تقاسما أعباء التحرر، إنها خدمة الصادقة العامة للروح الجزائرية، حيث كان شعر الفنان الملحمي و البطولي يؤلف في الأرياف و الجبال و يلحن في المدن مع الأغاني الشعبية الصادقة، إنها الملحمة التي قادت العبودية إلى نهايتها، و لكن بعد الإنتهاء من هذا الواجب أصبحت المدينة تتحدى الريف مناقضة لطبيعته و متنكرتا له، فهي بهذا أرادت أن تكون شيئا مختلفا عنه و أرقى منه، بسقوفها و بأبراجها و بجسورها و مسلاتها و مداخنها و شوارعها العريضة، لتصير عالما مستقلا بطريقة غير مباشرة، في شكل عملية إستلاب لجميع مقومات الريف الطبيعية، و التي وقعت ضحيته أيضا بعض المدن الصغرى الناشئة بفعل هيمنة المدن الكبرى الضاربة في التاريخ عليها، و هنا نؤكد على أنه لا يمكن أن نفهم التاريخ السياسي و الإقتصادي و الثقافي لمدننا، إلا إذا أدركنا أن المدينة بعد إنفصالها عن الريف، وجب عليها أن تعيش في حالة مساواة مع غيرها من المدن، ضمن توافق عام،لأن تاريخ الدولة في جوهره هو تاريخ المدينة، و مثال ذلك تاريخ تلمسان و تيهرت و الأوراس ...هو تاريخ الجزائر بصفة عامة ، إنها روح التاريخ المتجسد في الدولة، فتاريخ الدول يصنع داخل مدنها.
إن جل النظم السياسية من ملكية و ديمقراطية و غيرها، ليست سوى شكل سياسي يسلكه الفرد اتجاه مدينته التي هي متنفسه الأخير، تقود تاريخه و تجسد ابدعاته و انجازاته، هذا من ناحية التحليل الفكري السوسيولوجي، أما من الناحية الإقتصادية تمثل المدينة فضاء إقتصادي حيوي و بؤرة لجلب المال، و هذه الخاصية هي التي جعلت البادية تدخل في صراع طويل مع المدينة بعدما تجاهلتها إقتصاديا، لتجد نفسها مهمشة لم يعد يكفيها إنتاجها الفلاحي و أن تستطيع تأمين غذائها بمفردها خاصة بعد التغيرات الكبرى التي حصلت في المناخ العالمي، و هذا راجع للفارق التكنولوجي و المؤسساتي و الخدماتي و الأداتي فيما بينهما، فالمال ضروري لهما لكي ينتعشا، كونه قوة و مظهر من مظاهر المدينة الفعلية، قوة نتيجة الوعي اليقظ لأرواح نشطة إقتصاديا، قوة تجعل أبناء المدن يعتمدون عليها كإعتماد الإنسان الطبيعي على الطبيعة ، و هذا ما يتضح لنا من قوله تعالى>فابعثوا أحدكم بورقكم هذا إلى المدينة لينظر أيها أزكى طعاما فالياتيكم برزق منه و ليتلطف و لا يشعرن بكم أحد < آية 20 من سورة الكهف.
و لكن إذا كان ظهور المدينة مشروطا بتوفير الأمن و السلام، فهل حققت مدننا هذا الشرط خلال مراحل تطورها إلى غاية يومنا هذا؟.
للإجابة على هذا السؤال و جب أن نستقرأ تاريخ بعض المدن التي إعتبرناها في يوم ما المنبع الرئيسي للديمقراطية وللمساواة و لفنون السياسة، و أشهرها مدينة أثينا التي تأسست على أنقاض الإنتصارات التي حققها أبناءها في القرن السادس قبل الميلاد لما شهدته من نضج مدني كبير، أدى بها إلى خلق فضاءات إنسانية فريدة من نوعها، و لكن رغم هذه الإنجازات المشهودة لها، إلا أنها قامت أيضا على النزاعات و التطاحن و الحروب و الدمار بغض النظر عن الأسباب التي كانت وراء حدوثها، كمدينة طروادة التي إخترقتها حروب الحيلة و الغدر من أجل هيلانا الجميلة، و هذا ما يدلي إلى أن المدينة خلال مراحل تطورها تخلت عن وظيفتها التي وجدت من أجلها، ألا و هي الحماية و توفير الأمن كبديل عن وحدانية الفرد و ضعفه في الطبيعة، و عليه نقول أن المدينة بأحداثها هذه إتجهت نحو الإنحطاط، خاذلتا أفرادها عن ما كانوا ينتظرونه منها، و في بعض الأحيان كانت ملهمه و مجده، فيها وصل الإنسان إلى أقصى حدوده التي جسدتها تعبيراته الرمزية من نحت و رسم و موسيقى، في البندقية و روما و فيينا، و الإكتشافات و الإختراعات في لندن و أوسلو و إلى التأمل و التفلسف في برلين و يينا و شتوتغارت، و التأصيل الإجتماعي و المنهجي في باريس.
إن أقدم المدن العالمية من بابل و طيبة و بغداد في الشرق و روما و غرناطة في الغرب و مدينة أوكمال، التي تأسست عام 950م في حضارة المايا كأقاليم كبرى - و مفهوم الإقليم تاريخيا أول ما ظهر كمفهوم دستوري أطلقه الرومان على جزيرة صقلية- قد تحولت إلى مدينة فعلية، فمدننا إذا وفرنا لها الشروط المعقولة و الفعلية يمكن أن ترتقي إلى مصاف المدن العالمية الفعلية، و أن نعمل جاهدين على تفعيلها بشكل صحيح و منطقي ، فالإنسان في تاريخه صنعته الطبيعة و شكلته الحقول، قد أمس اليوم ملكا على المدن، فهي العقل الكلي الذي توحدت فيه عقول مواطنيها، تذهل ناظريها كما أذهلت بابل قديما هيرودوت و مدن الشرق أفلاطون و الإسكندر، و هذا ما حدث أيضا لكورتيز و هو يشاهد مدينة مينوشتشلان، لأنها شيدت وفق مخططات هندسية رائعة، و لقد قام المهندسون المسلمون ببناء مدينة بغداد عام 762م و تشييد مدينة السمراء العملاقة بعد ذلك بقرن من الزمن بطرق قل نظيرها، أما في العالم الغربي فإن شكل مدينة واشنطن الهندسي مثال على دقة التخطيط و الإهتمام، لكن مدننا لا زالت بعيدة كل البعد عن ذروة تطورها، بينما نرى مدننا منتشرة في العالم قد إمتلكت نازع لا نهائي لا يمكن كبح جماحه المتوسع على حساب أريافها، أما أرواح أريافنا نراها تنزح ليلا و نهارا إلى داخل المدن الجينية التي هي في طور النمو ، و كأن هذا النازح أراد أن يسكن وسط المدينة و في أشد أحيائها كثافة، الأمر الذي حوّل جميع مدننا إلى قرى باطنية.
فإذا كانت المرحلة الأولى تميزت بولادة المدينة من رحم الريف، فإن المرحلة الحالية تتميز بالصراع بين المدينة و الريف الذي لا زلنا نعيش إنعكاساته السلبية، و على هذا فنحن تواقين إلى مرحلة المدينة الفعلية التي تتمثل في إنتصار المدينة على الريف لكي تحرر نفسها من قبضته، كونها لا زالت تقف موقفا ميتا إتجاه الريف ، فالمدينة في نظرنا تمر بثلاث مراحل، المرحلة الأولى مرحلة التحرر من الطبيعة و من البوادي، و المرحلة الثانية هي مرحلة النشوء و التميز بمعالمها، و المرحلة الأخيرة هي مرحلة المدينة الفعلية، التي فيها تدخل في تفاعل متبادل مع أبنائها متمظهرا في الروح الذي يجمعهما، و عليه فإن أغلب مدننا لا زالت في المرحلة الأولى تصارع البداوة، و عندما تحقق معالمها تحقيقا كاملا عندئذ تنتقل إلى المرحلة النهائية، التي تتميز بها عبر الزمن بوصفها تعبر عن حالة الإكتمال.
إن المدينة المعاصرة هي الأخرى لم تستطيع أن تصحح مساراتها و أخطاؤها، لتعود و تتمسك بوظيفتها الأولى السامية، فبعدما كان الصراع متفشيا في الطبيعة أصبح الآن منتشرا في المدن، حيث أصبحت المدينة تمتص العنف بجميع تجلياته المنتشرة في الطبيعة الشاسعة بأريافها و قراها، ليحدث العكس تقريبا، البادية تنعم بالإستقرار و الهدوء في مقابل المدن التي تتخبط في الجريمة و العنف و التشرد، و كأنه حدثت عملية تبادل الوظائف بين البادية و المدينة، بينما الحقيقة عكس هذا من الوجهة التاريخية و الطبيعية، لأن العنف عندما وجد في الأصل وجد في الطبيعة، بغرض الحفاظ على بقاء منتهجه، من صراع عن الطعام و النزوع نحو الإمتلاك، الذي كان وراء إنتقال الإنسان من البرية إلى المدينة، هروبا من الفناء المخيم على الطبيعة القاسية، و هذا التبادل لم يكن أبدا وليد ظروف تاريخية أو ضرورة وجودية، و إنما نتيجة تراجع الفكر و المعرفة و الثقافة و القيم.
- علاقة المدينة بالمعرفة و بالدولة و بالإنسان:
للمعرفة علاقة وثيقة بالمدينة، لأن المعرفة غايتها الأساسية تحقيق السلام و تبسيط الحياة و تسهيلها على الإنسان و تحقيق أكبر قدر من الحرية له، و هكذا فإن المعرفة و المدينة يشتركان في نفس الغاية ألا و هي توفير السلام و الأمن، و هذا ما جعل المعرفة مصاحبة في تاريخ تطورها للمدينة، فالشتات التي تعيشه المدينة المعاصرة، ما هو إلا دليل قاطع على الإنفصال الرهيب الذي حدث بين المدينة و المعرفة، و هي الآن تعيش عقبات ذلك ، لتصاب المدينة بالخواء السحيق و الجفاف المعرفي الواضح، فالمعرفة الآن تبحث عن موطن لها لتفرخ فيه، و نحن هنا مطالبين بإعادة قراءة المدينة و إصلاحها من الداخل لإعادتها إلى الغاية التي وجدت من أجلها ألا و هي مدينة السلام و الرقي، حيث المستقر الأخير للإنسان، الإنسان الطموح ، الإنسان المدني المهذب، هذا من ناحية ، و من ناحية أخرى نجد المدينة المعاصرة الآن و ما أنتجته من قوانين و سنن لتنظيم نفسها، بدأت تفرض قوانينها و سياساتها على البادية من أجل تنظيمه و إخضاعه لسلطة القانون، و نست ذاتها لتجد نفسها مهملة مثل المجنون الذي فقد عقله و بصيرته، فالبادية ليست بحاجة لتلك القوانين و السياسات الترقوية، بل هي في غنى عن النظام و الرقي لأنهما ليسا من طبيعتها الذاتية، فالريف لا يجب أن يرقى، فهو دوما يسعى للحفاظ على عذريته التي وجد بها، و لو حصل ذلك فلا يمنكن أن نقول عنه ريف، الريف دوما متماهي في ذاته مع البساطة و الفوضى و التيه، لا يمكن أن نفرض عليه القوانين و المؤسسات، لأن هذا بمثابة موت حقيقي للريف، و إنما ما ينبغي أن يحصل هو أن المدينة تبقى مهتمة بذاتها و أن تراقب على الدوام ما تنتجه و ما تسلكه، فهي بذلك أشبه بالمرأة الجميلة التي لا تبرح من أمام مرآتها العملاقة، تراقب مظهرها و مقاسها على الدوام، و بهذا لا يمكن أن نصف المدينة على أنها ريف متقدم و متطور ، أما العلاقة الفعلية الموجودة بين المدينة و الدولة، و بين المدينة و الإنسان، فهي علاقة ضرورية للحفاظ على النسيج العام للدولة، فهي كمفهوم نتاج إزدهار العلاقة التي تربط المدينة بأفرادها الذين يعيشون في كنفها، و تحقيق الإزدهار و القوة للدولة مرهون بالدرجة الأولى بإزدهار المدينة، بإعتبارها المتنفس الحقيقي اللإنسان و بإعتبارها أيضا المساحة التي تسن عليها الدولة قوانينها، فتطور الدولة هو في الأصل تطور المدينة، لأن الدولة بمثابة الروح المتعالية ككيان ميتافيزيقي نتواصل معه عن طريق المدينة، و التي هي بمثابة الجسد بجميع أعضائه، و الروح كما هو معروف هي التي تجمع أعضاء الجسد من التشتت، فالدولة هي تلك الروح التي تربط مجموعة من المدن في نسق واحد بعدما حصرناها في مجموعة من المدن الفعلية، و هذا يعني أن المدينة بنية صلبة و قاعدة أساسية للدولة، و كل محاولة للتقدم و التطور وجب أن يبدأ من المدن لينتهي في الدولة، فهي فقط إنعكاس لوضعية المدينة و ليس للريف – الدولة إبنة مدنها- لأن وظيفة الدولة لا تتعدى مراقبة مدنها بأفرادها، و هذا يشير إلى أن الدولة كيان معنوي و المدينة كيان فعلي، و إن صح القول نقول أن رئيس الدولة، ما هو إلا رئيس مجموعة من المدن التي تنطوي تحت كيان واحد يسمى بالدولة، و هنا الروح هي الأهم و عليه تأخذ الدولة تاج المدن مجتمعتا، و بهذا تصبح الدولة نتاج المدينة.
إن التخلف الذي يصيب دولا ما، هو في الحقيقة يعود إلى تخلف مدنها، و تطور الدولة يعود إلى تطور مدنها، و هذا القول يجعل المدينة مفتاح الدولة و مصيرها، وهو ما كان متجسدا في المدن اليونانية القديمة أو بما يسمى دولة المدينة، حدودها تنتهي بحدود مدنها، و هو سر قوتها و عظمتها، حيث أن دولة فيها تمثل الطبقة الفوقية المعنوية و المدينة تمثل الطبقة التحتية، فالطبقة الفوقية تتحدد بالطبقة التحتية، و من هذا التحليل نستنتج أن الدولة كمفهوم ناتج عن المدينة و عن الوضعية التي توجد عليها المدينة تنعكس على وضعية الدولة، و هي بهذا المعطى تمثل الوهم و المدينة تمثل الحقيقة، كالدخان المنبعث من النار، فحجم النار يحدد كثافة الدخان المنبعث منها، و الفرد الذي يعيش في الدولة، في حقيقة الأمر يعيش في إحدى مدنها، و مثلا ذلك نقول أن فلان جزائري، إنما هو في الحقيقة يقطن في إحدى مدن الجزائر، و هذا لا يحيل إلى نهاية الدولة على مستوى الطرح الفلسفي و إنما ينبغي أن نسمي الأشياء بأسمائها، لتحرير الوعي من قبضة التجريد، فكل الأنظمة القديمة و الحديثة و القوانين و الأعراف من فقه و آداب و المراسم المتعلقة بالدولة و بالإنسان، كلها فرضت من الفوق على المدينة، بمعنى أن الدولة فرضتها على المدينة، و هذا ما جعل المدينة تعيش في تاريخها الضياع و الوهم ، فكلما إزدهرت و تقدمت إلا و إصطدمت بتلك الأعراف الفوقية الأشبه بمواضيع الميتافيزيقا المستعصية على المعرفة تحد نشاطها و إنفتاحها، و إنما كان بالأحرى أن تلك التشريعات و القوانين أن تولد من رحم المدينة في شكل تجارب، لكي تأخذ طابعها المدني، و لكي تواصل تقدمها و وجودها بشكل منطقي و صحيح خالي من التناقضات، لتنعكس في النهاية على حيز الدولة، مثلما حدث في المدن الغربية من تأصيل، و مثال ذلك أن الديمقراطية نبعت من أعماق مدينة أثينا كممارسة و تجربة قبل أن تصير منظومة فكرية مقننة، في شكل تكوّن تاريخي لهذا النظام، لتعمّم على باقي المدن التي تشترك في نفس الخصائص، و هذا يعنى أن الديمقراطية كنظام على سبيل المثال لا ينجح تطبيقه إلا في المجتمعات التي لها نفس المعطيات الإجتماعية و الثقافية للمجتمع الأثيني الذي ولد به كالمجتمعات الغربية مثلا، و هنا تتأكد أهمية المدينة في تحديد حالة الدولة، فكثيرا ما نسمع أن هناك دولا فعلية قوية و متميزة، و هناك دولا ضعيفة، فهذا التصنيف فيه نوع من المغالطة و المجازفة فلسفيا، إذ لا يمكن أن نقول أن هناك دولا قوية و هناك دولا ضعيفة أو غير ناضجة، بل الدول الموجودة وجودا حقيقيا هي تلك الدول القوية فقط، لأن الموجود يتحدد بالتعين الكامل إجتماعيا و إقتصاديا و ثقافيا و غيرها، أما ما يقال بالدول الضعيفة فلا يمكن أن نقول عنها دولة موجودة لأن وجودها لم يكتمل، و معيار الإكتمال هو مدى تحقيق الإنسجام بينها و بين النفوس التي تسكنها، و بما أن مدنها لم تنضج بعد لا زالت في مرحلة النشوء، فهي بذلك تعيش لحظة المخاض بألامه، فإذا كانت المدن التي تشكل حيز الدولة هي في لحظة النشوء و التكون فكيف توجد الدولة ؟ ما الذي يجعلها توجد و أعضائها لم تتشكل، و كأنه وجود سبق ميلاده و هذا غير ممكن، الدولة توجد بعد وجود مدينة قوية التي تؤدي جميع وظائفها خدمة لمواطنيها، و عليه فالدولة التي يقال عنها ضعيفة و جب أن تعمل على تقوية مدنها إن أرادت أن توجد فعلا، لأنها كما قلنا على أنها عبارة عن إنعكاس للمدينة ، و الشيء الضعيف لا يعكس الأشياء أبدا، إلا إذا إكتمل ليبدو واضحا و بارزا كالدول القوية في هذا العالم، و على ضوء هذه الرؤية برر ماركس رفضه للدولة كآداة أوجدها أناس جشعون لقضاء حاجياتهم باسم الحس العام، و هذا ما جعله لا يؤمن بها، لأنها في نظره ضرب ميتافيزيقي لا وجود له أصلا، بعدما تراكمت سلبيات هذا الكيان على البنية التحتية، و هذا نتيجة تدخلّها الدائم في شؤون الأفراد و الجماعات كوسيلة نهب و إستغلال،هذا من ناحية علاقة المدينة بالدولة.
أما علاقة المدينة بالإنسان التي نراها أكثر أهمية مقارنة بعلاقة المدينة بالدولة، لأن هذه الأخيرة عبارة عن علاقة تلازمية كالفعل الذي يحدث صوتا، أي الصوت لزم عن الفعل، و الإرادة هنا تكون منكبة على الفعل لا الصوت، أما علاقة المدينة بالفرد فهي علاقة تستدعي الإيضاح، لأنها علاقة تماهي و تداخل، لا يعرف أحد أطرافها إلا بمعرفة الطرف الأخر.
إستقرار الإنسان في المدينة حدث مفصلي عبّر الإنسان من خلاله عن تطوره و تحضره، و جوهر هذا الحدث هو قبوله أن يعيش مع أخرين لا يعرفهم ، لأن البشر في مرحلة الطبيعة كانوا كالقطيع ينحدرون من جلدة واحدة، يجمعهم رابط القرابة و الهموم المشتركة، أما في المدينة أصبح أكثر تقبلا للأخر دون أدنى ضغينة، و هذا دليل على أن الحلقة الإنسانية قد إتسعت داخل المدينة التي كانت عاملا حاسما للإستقرار الإنسان داخلها و التي كانت بمثابة حلمه الضائع في الطبيعة، حيث أصبح يعامل باحترام من الطرف الأخر، الكل من أجل خدمة الكل في المدينة، هذا السلوك قد ساعد على تطور السريع و المفاجئ لها، و إذا إفترضنا أن هذه الروح الجديدة التي توصل إليها الإنسان في المدينة، أنه كان يتمتع بها في حالة الطبيعة حتما لما إنتقل إلى المدينة و لا هي ظهرت أو تشكلت أصلا، لأن كل المعطيات الموجودة في المدينة كانت متوفرة في الطبيعة من غذاء و جنس إلا الأمن و السلام اللذين كانا مفقودين و هما الأهم، أصبح أبناء مدن الآن تربطهم مؤسسات و قوانين مادية و فعلية بعدما كانت تربطهم القرابة و الدم، عليها إنتقل الإنسان من عصر تحكمه علاقات ذات طابع وجداني كالقرابة القائمة علة البطركية و الأحادية و القمع القريبة من التعصب و العنف،إلى عصر تحكمه علاقات ذات طابع مادي و مدني المبنية على ثقافة الحوار و الإختلاف دون النظر إلى المرجعيات و الإعتقادات و اللون،، في هذه المرحلة دخل الإنسان عصر التفاعلات الجادة مشيدا مؤسسات تصهر على حمايته، أصبح الناس فيها أكثر إطمئنانا و إسترخاءا و فتورا، بعدما وجد فيها غذاءا أكثر تنوعا و حركة يومية دءوبة، عنها تولدت حلاقات جديدة أثارت إهتمام الإنسان إليها، لتزدحم إنشغلاته و إهتماماته حيث الشغل و التمتع و التعلم و الترفيه، كلها معطيات خلقت فضاءا مدنيا منظما و رائعا يسوده الانضباط،، و هذا ما وجده الإنسان في المدينة العريقة ، و بدأت المواطنة تتسع شيئا فشيئا لتصل إلى صورتها الموجودة في المدن الفعلية المنتشرة في هذا العالم، و كلما فقدت هذه المدن وظيفتها التي وجدت من أجلها من أمن و ترفيه، هجرها أهلها عائدين إلى الطبيعة بصفة مؤقتة، أو ما يسمى بالنزوح الجماعي بعدما كان إتجاههم من الريف إلى المدينة، أصبح إتجاههم الآن من المدينة إلى الريف في لحظات الحروب و الصراعات و أيام التهديد، و الأمثلة كثيرة على ذلك، إذ يجب على المدينة أن لا تتخلى أبدا عن مهمتها السامية لتضمن إستقرار الإنسان بها، هذا الإستقرار هو الذي يضمن بقاءها و يبعث فيها روحه لتتحرك بتحركه و تتنفس بتنفسه، فالإنسان شرط لازم للمدينة كما هي شرط للدولة، لا يمكن أن نفترض مدينة خالية من الناس، و لكن هناك أناس عاشوا بدون مدينة في مرحلة معينة من تاريخهم، و هنا بضبط تشكلت علاقة قوية بين الإنسان و المدينة، فبعدما كانت الطبيعة هي الأم أصبحت الآن المدينة هي الأم لما تتوفر عليه من عدالة و عمل و أمن ، و السؤال الذي يطرح هنا من جديد هل إستطاعت المدينة أن تحافظ على هذه الغايات، و هل تقدم الإنسان فعلا في ظلها؟.
- المدينة الفعلية و نهاية التفاوت:
لا يمكن أن نخفي مدى الإنحطاط الذي أصاب أغلب مدن عالمنا المعاصر خاصة منها مدن العالم المتخلف، الذي أعاق إزدهارها و تطورها، فلا زالت جلها ميتة بعدما عاشت الإحتضار طويلا، لأنها فقدت كل مؤهلاتها و شروط بقائها و غاياتها و أصبحت مرجعا لليأس و التذمر، حاملة كل رموز التخلف و الإنحطاط، كمركز لتجمع الناس للتطاحن و التقاتل، ووجهة للتفاوت و الإستغلال و العبودية، و الجمود و البيروقراطية في كل صوب فيها، فقد فيها الإنسان مكتسباته العظيمة من مواطنة و ديمقراطية، لا عمل و لا رفاهية و لا أمن، بل الضياع و الخوف و القلق، إنها مدن الظلام و اليأس، و هذه التحولات كلها إنعكست سلبا عليه، جعلته يعيش أسيرا داخلها.
مدن لا زالت تعيش المرض و السقم وجب علاجها مما هي عليه، و يحدد طبيعة مرضها و الإسراع لإخراجها مما هي عليه، فهي بحاجة إلى رعاية شاملة و إلى إلتفاتة أبنائها المخلصين، فليعمل أبنائها على صناعة المدينة و الحضارة وفق المقاس العالمي، و ليعيدون لها جمالها و نشاطها و بريقها، و يبعثوا فيها من جديد عطائها و حركتها و يجعلوها قبلتا للجميع.
كما أشرنا في السابق أن إحدى أهم الغايات التي وجدت من أجلها المدينة في البداية هي توفير الآمن و الرفاهية من عمل و حرية و ثقافة و إقتصاد مرن….هل لا زالت تلك المدن تحافظ على هذه المكاسب؟ طبعا لا، إذن العلاج هنا يتحدد فقط في إعادة إحياء هذه الغايات التي فقدتها تلك المدن، إذا أردنا فعلا أن تعود لها الحياة، لأن هناك تفاوت رهيب بين المدن الذي زاد من حدة أزماتها، من خلال الإحتكار البشع للمؤسسات الحيوية في بعض المدن على حساب مدن أخرى، أفقد التوازن العام بين المدن و الذي إنعكس سلبا على إستقرار و توازن دولها، و هناك فرص كبيرة تتاح لمدن على حساب مدن الأخرى، هذا التفاوت هو الذي مزق النسيج العام لمجتمعاتها، و إذا كنا قد سلمنا أن علاج أصل التفاوت بين الناس، يظهر في إتاحة العدالة للجميع و المشاركة العامة في صنع القرار، لكي يكونوا قادرين على تحمل مصيرهم دون خوف أو لوم، و الإشتراك في نفس الحقوق و الواجبات بالتساوي، الذي يساعد حتما على توفير الآمن و السلام كما قال جان جاك روسو، فنفس الكلام ينطبق على المدن، لأنالمدن هي الأخرى بحاجة ماسة للمساواة بينها، من حقوق وواجبات تتيح الفرص للجميع لكي تزدهر، و الذي يؤدي منطقيا إلى إزدهار الدولة، هذا التفاوت القائم بين المدن هو الذي دفع البوادي إلى غزو المدينة و تتوسع على حسابها كمّد جارف يغرق المدن في معطياتها و سلوكاتها الطبيعية، و أعرافها الإجتماعية و الأخلاقية، مدن أصيبت بالبداوة بشكل سريع، لأنها لم تلبي طلبات أبناء البادية، التي حصرناها في الغايات السابق ذكرها ، بعدما رأوا أن أبناء المدن التي إستفادت من المؤسسات الكبرى بما توفره من حركة إقتصادية دءوبة على حساب بادياتها، و أيضا على حساب المدن الصغرى، أكثر حضا منها استفادتا من التنمية وعمل و ترفيه و تعليم و حياة رغدة، حيث أصبحت هذه المدن تتآكل من الداخل، لأنها لم تستطيع أن تستوعب غزو باديتها و حتى تلك المدن الصغرى إليها، لتتقاسم معها ما لم تحضى به من حقوق، و هنا أصاب الخواء و الجفاف المدن الكبرى و الصغرى على سواء، بعدما سقطت في أحضان الفوضى و البيروقراطية و التخلف و الإحتيال و الجريمة، حيث أصبحت عبارة عن حواضر رعب و خوف. فبعدما شخصنا الداء الذي كان وراء إختفاء صور المدن بشكلها الصحيح، الآن الأمر يتطلب جعل جميع المدن تحضى بنفس الحقوق و الواجبات مع إحترام الفارق السكاني بينهما، مع العلم أن ما يساعد على إرتقاء المدينة هو الجانب الإقتصادي من تجارة و خدمات و سياحة، و الجانب الثقافي من تبادل الأراء و التمازج الثقافي و التشجيع على إنتاجه، لأن بعض المدن الكبرى التي تنفرد بهذه الطاقات إستنزفت طاقات المدن الصغرى الضعيفة، بعدما هجرها مواطنوها متجهين إلى المدن الكبرى لتلبية حاجياتهم، نظرا لما تملكه من مؤسسات كبرى كانت سببا في جلبهم إليها، و هذا يعني أن كل شخص أثناء أداء حاجته في تلك المدن يستهلك قسطا من المال فيها، بعدما تنقل في حافلاتها و آكل في مطاعمها و نام في فنادقها، و الذي ينجر عنه دون شك حركة إقتصادية فعالة تلعب دورا في توفير السيولة المالية و على امتصاص البطالة و غيرها من الإيجابيات، و هذا بفضل وجود تلك المؤسسات بها بمعنى أن هذه المدن تسلب المدن الصغرى بطريقة غير مباشرة كالفطر، فيجب أن تتجاوز هذا الإستلاب لكي يعاد التوازن بينها.
أما أبناء تلك المدن السالبة ( المدن الكبرى) نجدهم لا يعرفون أصلا المدن المسلوبة ( المدن الصغرى)، حتى و لو تعلق الأمر بمواقعها الجغرافية و لا يتواصلون مع أبنائها، لأنهم طبعا في غنى عنهم، بحجة أن مدنهم تفتقر إلى ما يجلبهم إليها من مؤسسات و مصانع و فضاءات، وهذا ما وّلد حدوث شرخ كبير بين المدن و الذي إنجر عنه التضمر و الفوضى، و عليه يستلزم إعادة التوازن بينها لبلوغ التوازن و الوحدة لتحقيق التنمية الشاملة لها و للمواطن و للدولة ضمن خطة محكمة و هي كالتالي على سبيل المثال:
ضرورة توزيع جميع المؤسسات الكبرى و الحساسة بين المدن، توزيعا عادلا بما يتناسب خصوصيات كل مدينة، من مستشفيات متخصصة في علاج مرض واحد لا غير، حتى تصير كل مدينة معرفة بذلك التخصص و الذي يحتم على المريض العلاج به مهما كانت تلك المدن و مهما كان موقعا، و نفس الأمر بنسبة للجامعات المتخصصة في تخصص واحد، و المقرات الكبرى و المصانع ، و المؤسسات الإستثمارية و الأسواق الكبرى، و المؤسسات السياسية و غيرها من الهياكل.....
فهذا المخطط على سبيل المثال بما يحمله من حلول التي حتما توفر للمدن و لمواطنيها و لدولها التنمية الشاملة، من الشمال إلى الجنوب و من الشرق إلى الغرب بنفس الحركة و الوتيرة لتنال حقوقها الإقتصادية و الإجتماعية و الثقافية، ولكي تتحول إلى قوة موّلدة و فعّالة تعتمد على ذاتها و على مداخليها مع الإستفادة من جميع الإمتيازات، و تصبح مدنا فعلية قادرة على التفعيل جميع أجزائها في حدود أفاقها و تطلعاتها، كما يساعد على إتساع لحمة أبناء البلد الواحد بعد تعرفهم على جميع مدنهم بطريقة غير مباشرة، من خلال قضاء حاجياتهم بها عبر الوطن، و تصبح مدن الجنوب تشهد نفس الحركة مع مدن الشمال كلها تنبض بنبض الحياة، و حركة ليس لها نظير، إنها الحركة الشاملة التي تعيد السلام و الإستقرار لجميع المدن من دون إستثناء، واضعة حدا للتفاوت المصطنع بينها إنها مدن المستقبل.
و بهذا النمط تتقوى دولتنا بقوة حركات مدنها و أعضائها و يزول التفاوت الذي ظهر بظهورها منذ البداية، و تبقى مدننا في حلة تمازج الثقافات و تبادل الأعراف، بعدما تبادلت الزيارات أثناء قيامنا بمهامنا المعتادة بها، حيث تصبح السياحة تحصيل حاصل أثناء أدائنا لمهامنا، و يعود مجتمعنا كله سائحا و كله جوالا، عليها تتضح صورة الدولة بشكل واضح، على أنها نتاج العلاقات الفعلية التي تربط المواطن بمدينته في شكل عمودي و بين مدينة و مدينة أخرى في شكل أفقي ضمن حيز جغرافي واضح المعالم.
إذن هذا هو في النهاية، مطاف تاريخ المدينة الفعلية المجيد ، كلنا نريدها أن تكون فعلية لا باطنية ، إنها الآن تنموا من مركز مخالف لما كانت عليه في الماضي، و تصبح مدينة الحضارة و التاريخ لتمسي أخيرا مدينة عالمية، و تشبع نفوس مواطنيها بالضروريات، و أخيرا تقطف آخر زهرة من ذلك النماء لتقدمها لروح الجماعة، الروح النامية بأطر غير محدودة.


كل الحقوق محفوظة لموقع فلسفة 2017/2004

لا تعبر الآراء الواردة في موقع فلسفة إلا عن وجهة نظر كاتبيها