الرئيسية» الرئيسية دفتر الزوار»دفتر الزوار راسلنا»راسلنا شروط»اتفاقية الاستخدام
تويتر فايسبوك
مدير الموقع
موقع فلسفة
لايستهدف جلب الأنصار و إنما تكوين أناس أحرار

موقع فلسفة
قائمة المحتويات
بكالوريا 2017

فلسفة

 
www.000webhost.com

موقع فلسفة موقع خدمي يسعى إلى تقديم نوع من الخدمة المعرفية ، و هو موقع معني بالفلسفة ، وبالاهتمام بالفلسفة بالمعنى العام للكلمة و يتشرف باستقبال كل موضوع ينسجم مع هذه المرجعية و يتم قبول الموضوعات التي ترد إلى الموقع وفقاً لسياسات موضوعية و منهجية معينة من بينها: المحتوى والحجم ، وكذلك مستوى الموضوع ، و الطبيعة الأساسية للموقع . وبعد حصول الموضوع على الموافقة ،يتم إدراجه في الموقع .

هـُنـَا تـُـقـْـبَـلُ أرَاءُ كُمْ النِيّرَة وَ مَوْضُوعَاتُـكُمْ المُـفِيدَة
*** وجهة نظر *** دورية تصدر عن موقع فلسفة/ جميع حقوق الموقع محفوظة،© موقع فلسفة 2016/2004 - ع.فورار
لا تعبر الآراء الواردة في المقالات المنشورة إلا عن وجهة نظر كاتبيها
سيمانطيقا المؤشرات اللفظية والكلام غير المباشر / الدكتور : صلاح عثمان

مقدمة:
1- تتسم المشكلة الفلسفية بسمة فريدة تميزها عن غيرها¡ فهي من جهة: واضحة المعالم¡ ثرية المعطيات¡ بسيطة التناول¡ لدرجة أنها قد لا تمثل أصلاً مشكلة لغير الفيلسوف. وهي من جهة ثانية¡ لا سيما بعد نذرٍ يسيرٍ من تناولها : شديدة المراس¡ صعبة الحل ¡ معقدة الجوانب ¡ بدرجةٍ قد لا تبلغها أية مشكلة أخرى .
¬ ولا غرو¡ فهدف الفلسفة – على حد تعبير » رسل « – هو » البدء بشيء بسيط للغاية بحيث لا يستحق الذكر¡ والانتهاء بشيء غريب للغاية بحيث لا يُصدقه أحد « ! ( ).
ولعل أبرز مجال تتجلى فيه هذه السمة الفريدة هو مجال فلسفة اللغة¡ فمن داخله تُطل علينا مشكلات ضخمة¡ يحمل بعضها عبق الماضي وأريج الحاضر¡ كمشكلات: » أصل اللغة وماهيتها «¡ و » المعنى و سُبل تعيينه «¡ و » الصدق وشروط تحصيله «¡ … الخ. هذه المشكلات – وغيرها – وإن كانت تستأثر بمداد أقلام الفلاسفة منذ زمنٍ طويل¡ إلا أنها تبدو – بمنظار الإنسان العادي – كصفحة نهرٍ هادئة¡ لا يُعكر صفوها إلا قفزات الفلاسفة المتتالية¡ بُغية استكشاف الأعماق واستخراج أصدافها.
نخصص هذا البحث لإحدى روافد مشكلة المعنى Meaning ¡ أو بالأحرى لإحدى مشكلاتها الفرعية التي ألقت بظلالها على معالجات الفلاسفة¡ لا لطبيعة المعنى فحسب ¡ ولكن أيضاً لشروط صدق أية جملة في اللغات الطبيعية Natural Languages¡ وما يتبع ذلك من إشكالات تتعلق باستخدام اللغة في كافة مواقفنا الحياتية تقريباً. تلك هي مشكلة المؤشرات اللفظية Indexicals ذات الدلالة المباشرة ¡ وكيف يمكن أن تؤدى إلى تعيينٍ صحيح للمعنى حين تُنقل عن ألسنة الغير لتتحول إلى منطوقات غير مباشرة Indirect utterances . ومن الطبيعي أن نلتمس في البداية ماهية هذه المؤشرات اللفظية ¡ وكيف يُنقل الكلام أو يتحول ( نحوياً ) من كلام مباشر إلى كلام غير مباشر .
[1 – 1] – تنطوي أية لغة طبيعية على مجموعة من الحدود تـُعرف باسم الحدود المشيرة أو الموجهات Deictics . وترجع هذه التسمية إلى كون الحدود المقصودة حدوداً تُحدد بدقة ما تشير إليه ¡ تماماً كعقارب الساعة Pointers أو مؤشر الميزان ¡ ومن ثم فهي ليست مماثلة للأسماء Names ¡ والتي تُطلق دون تقييد على الأشخاص أو الأماكن أو الأشياء. كما أنها ليست مماثلة للأوصاف المحددة () Definite Descriptions¡ والتي يُحدد الواحد منها ما يشير إليه عن طريق وصف محدد ملازم له¡ ويكون مسبوقاً بالضرورة باسم علم يحمل هذا الوصف.
والحدود المشيرة في الإنجليزية نوعان ( وهو تقسيم يصلح لكافة لغات التعامل اليومي تقريباً ) º فهناك من جهة ما ندعوه بالمؤشرات اللفظية الخالصة Pure Indexicals ¡ وهي حدود تكفي بمفردها لتحديد المشار إليه دون أية مساعدة حركية . وهناك من جهة أخرى أدوات الإشارة غير مكتملة التحديد Demonstratives ¡ وهي حدود تكون مصحوبة عادة بحركة أو إيماءة تكميلية Supplementary gesture لتعيين المشار إليه بدقة ( ). من أمثلة الأولى :
أ – ضمير المتكلم: » أنا « I¡ وهو يكفي بمفرده – وفقاً لحدوثه كمنطوق – لتحديد المشار إليه¡ أي الشخص الناطق به¡ ومن ثم فإن إشارته تختلف من شخص إلى آخر.
ب – ظرف الزمان: » الآن « Now¡ ويستخدم للإشارة إلى لحظة النطق به¡ وبالتالي تتغير إشارته أيضاً من لحظة إلى أخرى.
جـ – ظرف المكان: » هنا « Here¡ وتحدد إشارته مكان النطق به¡ وهي بدورها إشارة مختلفة من موضع إلى آخر.
ورغم تعدد إشارات هذه الألفاظ بتعدد سياقات النطق بها ( الأشخاص¡ الأزمنة¡ الأماكن)¡ إلا أن لكل منها معنى ثابت تماماً. ولنا أن نتخيل مدى صعوبة وغموض كلمة مثل » أنا « لو كان لها معنى مختلف بالنسبة لكل شخص ينطق بها ( ).
تنبغي الإشارة أيضاً إلى أن بعض المؤشرات اللفظية الخالصة ¡ مثل » أمس « Yesterday و » غداً « Tomorrow ¡ تنطوي ضمنياً على معلومات وصفية بالإضافة إلى وظيفتها الإشارية ¡ فـ » أمس « يمكن أن تعنى مثلاً » اليوم السابق لحدوث المنطوق أمس « ¡ و » غداً « يمكن أن تعنى » اليوم التالي لحدوث المنطوق غداً « وهكذا ( ).
أما أدوات الإشارة المفتقرة إلى حركة أو إيماءة تكميلية غير لغوية¡ فمن أمثلتها:
أ- ألفاظ الإشارة: » هذا «¡ » هذه « This & » هذان «¡ » هاتان «¡ »هـــــؤلاء« These & » ذاك «¡ » تلك « That & » أولئك « Those.
ب- ضمير الغائب: » هو « He ¡ » هي « She ¡ و » It « في الإنجليزية لغير العاقل .
جـ- ضمير المخاطب: » أنت « You.
ومن الملاحظ أن بعض هذه الأدوات يمكن أن تتحول في بعض السياقات إلى مؤشرات لفظية خالصة¡ كأن يكون المُخَاطَب مثلاً حاضراً بمفرده أمام المتكلم¡ أو كأن نرى أمامنا رجلاً بعينه يجرى فاراً من شئ ما ¡ فينطق أحدنا بالجملة » أوقفوا ذاك الرجل « ¡ فالإشارة هنا واضحة ولا تحتاج إلى حركة أو إيماءة تكميلية. هذا فضلاً عن أن الحدود المشيرة (وسوف نطلق عليها – بنوعيها – من الآن مجازاً اسم » المؤشرات اللفظية « ) قد تكون لها في اللغة استخدامات غير إشارية¡ كأن ينطق المرء بجملة عامة قائلاً: » كل إنسان يعتقد أنه مميز في عمله « ¡ فالضمير هنا* غير مُحدد الإشارة ¡ وإنما يؤخذ بمعناه الثابت والعام ( ).
[1-2] – الشق الثاني لمشكلتنا يتعلق بتحويل منقولات الكلام – لا سيما تلك التي تنطوي على مؤشرات لفظية – من كلام مباشر إلى كلام غير مباشر. والكلام المباشر Direct speech ( Oratio Recta ) هو إعطاء كلام المتكلم نفسه دون تغيير¡ مع وضعه بين علامتي تنصيص (» « ) ¡ مثل : زيد قال » سوف أقضي العُطلة بالإسكندرية «. فالجملة التي بين علامتي التنصيص هي عين الكلام الذي قاله » زيد «.
أما الكلام غير المباشر Indirect speec ( Oratio obliqua ) فهو الكلام المنقول دون علامتي التنصيص مع التغييرات الضرورية في الضمائر Pronouns والأزمنة Tenses والظروف Adverbs ( )¡ ومن ثم يُصبح المنطوق السابق: زيد قال أنه سوف يقضى العُطلة بالإسكندرية.
ومن المعروف في الإنجليزية أنه إذا كان فعل القول في الماضي Past ¡ فمن الضروري تحويل بعض الألفاظ إلى تعبيرات مكافئة بعد عبارة » قال أن « Said that ¡ فعلى سبيل المثال : Will –Shall تتحول إلى Would – Should¡ و Can إلى Could¡ وNow إلى Then ¡ و Today إلى That day ¡ و Here إلى There ¡ وThis إلى That ¡ … وهكذا.
وقبل أن نعمد إلى تحليل مشكلتنا¡ دعنا نلقى نظرة سريعة على مشكلتي المعنى والصدق¡ مع التركيز بالطبع على علاقة المعنى بالإشارة.
أولاً: المعنى والصدق والإشارة:
Meaning, Truth and Reference
2- تهتم السيمانطيقا – وهي إحدى ثلاثة مباحث رئيسة لفلسفة اللغة * – بموضوع المعنى. والمعنى في اللغة مصطلح غامض وفضفاض¡ وذلك نظراً لتعدد سياقات استخدام كلمة » يعنى « Mean في منطوقات الحياة اليومية ¡ وهي سياقات يخرج العديد منها عن اهتمامات فلاسفة اللغة. خذ مثلاً الجمل التالية ( ) :–
أ – ذاك لا يعنى إنجازاً ( أي لا يُعتد به ).
ب – سوف يعنى هذا نهاية الحكم ( أي سوف يؤدى إلى نهاية الحكم ).
جـ – أنا أعنى مساعدتك إن استطعت ( أي أقصد مساعدتك ).
د – لا تقتلع الزهور ! إنه يعنيك ( أي يشير إليك ) .
هـ – إن فقده لوظيفته يعنى أنه يجب أن يعيد النظر في سلوكياته ( أي يلزم عنه أنه يجب أن يعيد النظر ).
و– إن احترام إشارات المرور يعنى سلوكاً حضارياً ( أي يدل على سلوك حضاري ) .
ز– تلك الغيوم تعنى المطر ( أي هي علامة على المطر ).
ح – إنها لا تعنى ما قالت ( أي لا تعتقد بما قالت ).
في هذه الحالات نحن نتحدث عن أُناس¡ وأفعال¡ وحوادث¡ أكثر مما نتحدث عن كلمات Words¡ وعبارات Phrases¡ أو جمل Sentences. ولذا يحصر الفلاسفة وعلماء اللغة اهتماماتهم في نمطين مختلفين عما سبق من أنماط المعنى¡ وهما: المعنى اللغوي Linguistic Meaning أو الحرفي Literal للكلمات¡ كأن نقول مثلاً أن » البيروقراطية « تعنى » التسويف في إنجاز المهام «. والمعنى الذي يرمى إليه المتكلم بمنطوقه Speaker meaning º فلو أنك مثلاً وجهت الكلام إلى شخص ما فقلت له: » الباب على يمينك «. فإن نطقك بهذه الجملة يعنى أنك تريد من هذا الشخص أن يرحل ¡ مع أن كلماتك الفعلية لا تعبر عن شئ أكثر من موضع الباب . فالمعنى هنا لا يعكس المدلول الحرفي المعجمي للكلمات – لأنك تعنى شيئاً مختلفاً تماماً عما تعنيه كلماتك – وإنما يدخل في نطاق الاستخدامات التهكمية Sarcastical أو الاستعارية Metaphorical التي تخرج بالمعنى عن حرفية الكلمات ( ).
3- هذا عن أنماط المعنى في السياقات اللغوية المختلفة¡ أما عن طبيعته – أو ماهيته – فلا نجد اتفاقاً بشأنها بين الفلاسفة على مر العصور¡ وإنما تتعدد نظريات المعنى بتعدد التوجهات والمنطلقات البحثية واختلافها من فيلسوف إلى آخر. ولأغراض هذا البحث يكفي التنويه بالتصنيف التقليدي لنظريات المعنى¡ والذي يحصرها في ثلاث نظريات¡ لكلٍ منها عدة أشكال¡ ولكلٍ منها أيضاً – على تعدد أشكالها – صعوباتها التي تحول دون قبولها كليةً¡ وهي على الترتيب: النظرية الإشارية Reference theory¡ والنظرية الفكرية Ideational theory ¡ والنظرية السلوكية Behavioral theory ( أو نظرية المنبه والاستجابة – Stimulus response)( ).
تنطلق هذه النظريات جميعاً من مبدأ واحد¡ ألا وهو السعي إلى تحقيق هوية المعنى للكلمة – أو للتعبير اللغوي أياً كان – بكيانٍ آخر¡ سواء أكان هذا الكيان عينياً أو مجرداً. وهكذا فالنظرية الإشارية تحقق هوية المعنى لتعبير ما بما يشير إليه¡ أي بموضوع فعلى نصطلح على الإشارة إليه بهذا التعبير¡ ولذا تُعرف أيضاً بالنظرية الماصدقية Extensional (Denotational) ¡ أو بنظرية الإشارة السيمانطيقية Semantic eference( ). أما النظرية الفكرية فتحقق هوية المعنى لتعبير ما بالفكرة ( أو الأفكار) التي تصاحبه في الذهن. وأما النظرية السلوكية فبالباعث إلى المنطوق والاستجابة له من قبل السامع( ).
ولا شك أن المدخل الطبيعي لدراسة المؤشرات اللفظية هو النظرية الإشارية¡ ولذا ننظر فيها بشيء من التفصيل.
4- يمكننا التمييز بين شكلين أساسيين للنظرية الإشارية¡ أحدهما أكثر بساطة من الآخر¡ وإن كانا يشتركان معاً في الربط بين المعنى والإشارة. يذهب القائلون بالشكل الأبسط إلى أن معنى تعبير ما هو ذلك الكيان الفعلي الذي يشير إليه. وفي ذلك يقول » رسل « : » إن جميع الألفاظ ذات معانٍ من جهة أنها رموز تدل على أشياء غير ذاتها… فحين يرد لفظ » إنسان « في قضية ¡ مثل قولك : » قابلت إنساناً في الشارع « فإن القضية ليست حول التصور إنسان ¡ ولكنها حول شئ مختلف تماماً ¡ حول شئ بالفعل ذي قدمين يدل التصور عليه « ( ).
وعلى الرغم من جاذبية هذا الشكل ¡ من حيث تأكيده على أننا نستخدم اللغة كمرآة للعالم ¡ إلا أنه يواجه مشكلات هامة فيما يتعلق بتحقيق هوية المعنى كماصدق ( أي كموضوع فعلى يُشبع معنى – ومن ثم صدق – تعبير ما )( ) ¡ ذلك أنه يعنى من جهة أنه إذا كان لتعبير ما معنى¡ فسوف يلزم عن ذلك بالضرورة أن له ما صدق¡ ويعنى من جهة أخرى أنه إذا كان لتعبيرين نفس الماصدق¡ فسوف يكون لهما بالضرورة نفس المعنى¡ وهو ما لا تشهد به الوقائع اللغوية المختلفة( ). خذ القضية الأولى القائلة بأن كل تعبير ذي معنى له بالضرورة ماصدق. هذه القضية يثبت كذبها إذا ما تأملنا كلمات مثل » الحصان الطائر « ¡ » فارغ « ¡ » جداً « ¡ » إذا « … الخ ¡ أو تعبيرات كتلك التي استشهد بها » فريجه « ¡ مثل » أبعد جُرم سماوي عن الأرض « ¡ » المتسلسلة المتقاربة بأقل سرعة « ( ) * ¡ فهل هذه الكلمات والتعبيرات تشير إلى موضوعات فعلية تحقق هوية المعنى ¿. الإجابة بالطبع هي النفي .
خذ أيضاً القضية الثانية القائلة بأنه إذا كان لتعبيرين إشارة واحدة – أو ما صدق واحد¡ فإن لهما نفس المعنى¡ وهو ما نسميه » الترادف « Synonymy. هذه القضية يثبت بالمثل كذبها إزاء تعبيرات مثل » النجم الصباحي « ¡ و » النجم المسائي « ¡ و» فينوس « Venus¡ فهذه جميعاً تشير إلى نفس الشيء : كوكب الزهرة ¡ لكنها ليست مترادفة¡ وإنما لكل منها معناه المستقل . كذلك » نيل أرمسترونج « ¡ و » أول شخص يمشى على القمر « ¡ تعبيران يشيران إلى نفس الشخص ¡ لكنهما ليسا مترادفين( ). ويثبت كذب القضية أيضاً بالظاهرة العكسية ¡ أعنى تلك التي يكون فيها لمنطوقٍ ما إشارات مختلفة رغم ثبات معناه ¡ وهو ما يتجلى بصورة واضحة في حالة المؤشرات اللفظية مثل » أنا « ¡ » أنت « ¡ » هذا « ¡ » الآن « … الخ ¡ حيث تتعدد إشارات الواحد منها – كما أسلفنا ( ف 1 – 1 ) – مع ثبات المعنى. وفضلاً عن ذلك يصعب في الغالب تحديد موضوع جزئي بعينه – بوصفه المشار إليه – لكثرة من الأسماء ( مثل » قلم رصاص « ) ¡ والصفات ( مثل » شجاع « ) ¡ والأفعال ( مثل » يجرى« ) ¡ فالمنطوق الأول مثلا لا يشير إلى قلم جزئي بعينه ¡ وإنما إلى أي قلم رصاص ¡ وكذلك الحال بالنسبة للصفة » شجاع « والفعل » يجرى « ¡ اللهم إلا إذا كان المنطوق مسبوقاً بمؤشر لفظي مثل » هذا « أو » ذاك « ¡ وهما من ذوى الإشارات الجزئية المختلفة من سياقٍ إلى آخر . وحتى لو حاولنا التغلب على هذه الصعوبة بقولنا أن الاسم » قلم رصاص « يشير إلى فئة أقلام الرصاص ¡ والصفة » شجاع « تشير إلى فئة كل من يتسم بالشجاعة ¡ والفعل » يجرى « يشير إلى فئة كل أفعال الجري …¡ فسوف نخرج بذلك من مجال الموضوعات العينية إلى مجال المجردات( ).
إزاء هذه الصعوبات اتجه بعض الفلاسفة إلى الأخذ بالشكل الثاني – الأقل بساطة – للنظرية الإشارية¡ والذي به تتحقق هوية المعنى¡ لا بالمشار إليه¡ وإنما بالعلاقة بين التعبير وإشارته¡ أو ما يُعرف بالترابط الإشاري Referential connection ¡ وهو ما عبر عنه » رسل « في » تحليل العقل « بقوله : » حين نسأل عما يُكوّن المعنى ¡ … فإننا نسأل¡ ليس عمن هو الفرد المَعْنِى ¡ وإنما عما تكونه علاقة اللفظ بالفرد¡ تلك التي تجعل أحدهما يعنى الآخر « ( ). ومثال » رسل « الكلاسيكي في ذلك هو » سكوت « و » مؤلف ويفرلي « ¡ فعلى الرغم من أنهما يشيران إلى نفس الشخص ¡ إلا أنهما لا يتعلقان بذلك المشار إليه بنفس الطريقة. ومع ذلك يصعب في الواقع تحديد ماهية أو كنه تلك العلاقة التي يشير إليها » رسل «. فإذا أضفنا لذلك أن هذا الشكل الثاني للنظرية¡ مثله في ذلك مثل الشكل الأول¡ يفترض مسبقاً أن كافة التعبيرات اللغوية كاملة المعنى لا بد وأن تشير إلى شئ ما ¡ وهو ما تم دحضه من قبل¡ أمكننا القول في النهاية أن الإشارة ليست سوى واحدة فقط من وظائف التعبيرات اللغوية( ).
حقاً أن اللغة تسمى أشياء ¡ وأننا نتعلم معاني بعض الكلمات حين نشير بالكلمات إلى أشياء بعينها ¡ لكن ليست كل الكلمات – كما لاحظ » فتجنشتين « في مرحلة فكره المتأخرة – تؤدى هذه الوظيفة ¡ وإنما للغة وظائف أخرى لا حصر لها( ).
5- ولا يخرج تصور » الصدق « عن هذه الصعوبات¡ طالما كانت قيمة الصدق Truth – value لأية جملة – فيما يشير » فريجه « – هي ما تعنيه ( حيث قيمة الصدق لجملة ما هي حالة كونها صادقة أو كاذبة )( ). فإذا كان هذا الافتراض صحيحاً¡ أي أن معنى جملة ما هو قيمة صدقها – وبالمنظور الإشاري هو مدى وجود أو عدم وجود المشار إليه – فإن هذه القيمة يجب أن تظل ثابتة إذا أحللنا محل جزء من الجملة تعبيراً له نفس المعنى( ).
ومن الضروري حين ننظر في الصدق أن نميز أولاً – بين شروط الصدق الصورية من جهة¡ وبين طبيعته من جهة أخرى. فمن الجهة الأولى يمكننا القول عن جملة ما – أو قضية ما*– أنها إما أن تكون صادقة لغوياً Linguistically true أو تحليلياً Analytically¡ وإما أن تكون كاذبة لغوياً L. false أو متناقضة Contradictory . وتكون الجملة صادقة لغوياً أو متناقضة إذا كان صدقها – أو كذبها – يعتمد فقط على التركيب النحوي والمنطقي السليم لمكوناتها ¡ دون أن يستلزم ذاك مراجعة أية وقائع غير لغوية في العالم الفعلي ¡ أي حين تكون صورة الجملة كافية بمفردها لتحديد صدقها أو كذبها ومن أمثلة ذلك ( ) :
أ – إما أنها تُمطر الآن أو لا تُمطر ( صادقة ).
ب – إنها تُمطر الآن ولا تُمطر ( كاذبة ) .
جـ – إذا كان زيد أعزباً فإنه ليس متزوجاً ( صادقة ).
د – زيد أعزب لكنه متزوج ( كاذبة ).
أما من الجهة الثانية ( طبيعة الصدق ) فقد تعددت نظريات الفلاسفة بشأنها قديماً وحديثاً¡ ولا زالت هذه النظريات في اطراد حتى الآن ما بين تطوير وتجديد ( ) ¡ وإن كانت أشهرها وأهمها ثلاثة¡ وهي : نظرية التناظر Correspondence ¡ ونظرية الاتساق Coherence ¡ والنظرية البرجماتية Pragmatic . تقول النظرية الأولى أن القضية تصدق إذا كانت توجد واقعة تطابقها أو تناظرها ¡ وتكذب إذا لم تكن توجد هذه الواقعة . وتقول النظرية الثانية أن القضية تصدق إذا لم تتعارض مع مجموعة القضايا الأخرى التي ترتبط بها في نسق. وتذهب النظرية الثالثة إلى أن القضية تصدق بدرجة كونها »تعمل«¡ أي بقدر ما يترتب عليها من نتائج عملية ¡ وتكذب فيما عدا ذلك ( ).
ومن الواضح أن نظرية الاتساق أقرب إلى تحديد شروط الصدق الصورية منها إلى تحديد طبيعته أو مدى ارتباطه بالواقع الفعلي¡ وهو ما يعنى ضرورة اللجوء إلى الواقع غير اللغوي إذا ما أردنا المفاضلة بين نسق وآخر.
أما النظرية البرجماتية فهي بمثابة صورة ذاتية لنظرية التناظر ¡ إذ تربط صدق القضية بالنتائج العملية للفكرة التي تعبر عنها هذه القضية . والأفكار – كما أوضح » فريجه « – ذاتية وعابرة ¡ أما المعنى – ومن ثم الصدق أو الكذب – فموضوعي وثابت نسبياً( ). لم تبق إذن إلا نظرية التناظر ¡ فهي ألصقهم جميعاً بمشكلة المؤشرات اللفظية : معناها وشروط صدق الجمل التي تنطوي عليها ¡ لا سيما في صورتها المتطورة الحديثة ¡ والتي بدأت بأبحاث المنطقي البولندي » ألفرد تارسكى « ¡ خصوصاً مقاله المنشور عام 1931 بعنوان » تصور الصدق في اللغات الصورية « ( ).
6- نوجز في هذه الفقرة تصور » تارسكى « السيمانطيقى للصدق ¡ على أن نعود إليه في الجزء الثاني من هذا البحث لننظر في مدى ملاءمته لجمل اللغات الطبيعية المنطوية على مؤشرات لفظية .
بدايةً يؤكد » تارسكى « أن تصوره للصدق لا يخرج عن التصور الكلاسيكي لنظرية التناظر ¡ فصدق الجملة عنده يعنى مناظرتها أو مطابقتها للواقع True – Corresponding with Reality ( ) . والهدف الأساسي لتارسكى من تحليله هذا للصدق هو إقامة ما يُسميه » السيمانطيقا العلمية « Scientific semantics ¡ تلك التي يجب – على غرار العلم الفيزيائي ¡ ووفقاً لمبادئ حركة الوضعية المنطقية Logical positivism – ألا تفترض مسبقاً أية كيانات ميتافيزيقية مجردة لا تقبل التحقيق ¡ وهو ما يعنى ضرورة رد كافة التصورات السيمانطيقية إلى تصورات فيزيائية و/ أو رياضية منطقية( )¡ ولذا ينطوي تصور الصدق عنده على ما يطلق عليه » شرط التطابق المادي « Material adequacy condition (AMC) ( ).
هل يمكن تحقيق هذا الهدف بإقامة نظرية لصدق أية جملة في اللغات الطبيعية ¿. يجيب » تارسكى « بالنفي ¡ لأن هذه الأخيرة ¡ فضلاً عن عموميتها وغموض معاني كلماتها ¡ تؤدى إلى مفارقات سيمانطيقية من قبيل مفارقة الكذاب The liar paradox *. فإذا ما أردنا تجنب هذا الغموض وتلك المفارقات ¡ فعلينا اللجوء إلى لغة أخرى صناعية صورية ¡ لا تتألف إلا من رموز ( ثوابت ومتغيرات ) ¡ بحيث يكون لكل تعبير فيها – ولكل قضية – معنى واحداً وثابتاً مهما تعددت السياقات **. هنا فقط يمكننا صياغة تصور سيمانطيقى علمي للصدق ( ) . ولكن كيف نتعامل مع هذه اللغة الرمزية – أياً كانت – من حيث الصدق أو الكذب ¿. عن طريق لغة أخرى شارحه لتلك اللغة الصورية موضع الحكم . واللغة الشارحة metalanguage عند » تارسكى « قوامها فكرتان : دالة القضية – وهي قضية تحوى متغيرات يمكن التعويض عنها بقيم معينة ¡ وشرط الإشباع Satisfaction أو التطابق المادي ¡ أي ضرورة إعطاء المتغير قيمة تجريبية ( شئ أو واقعة ) ( ).
وعلى هذا النحو يصل » تارسكى « إلى صياغة تعريفه للصدق ¡ وهي الصياغة التي يُطلق عليها » الشكل ص « Form T ¡ أو » الخطـــــــة ص « Schema T ¡ أو » المواضـــــــــعة ص « Convention T . وتأخذ هذه الصياغة شكل القضية الشرطية المزدوجة Biconditional التالية ( ) :
ق صادقة ↔ ل
أو ( ق) صادقة إذا وإذا فقط كانت ( ل)
حيث تحل (ل) محل أية جملة من جمل اللغة تشير إليها كلمة » صادق « ¡ ومن ثم فهي تعنى الواقعة التجريبية التي تحقق شرط التطابق المادي ¡ أما ( ق ) فتحل محل اسم لهذه الجملة. فعلى سبيل المثال يمكننا القول تجاوزاً :
» الجليد أبيض « إذا وإذا فقط كان الجليد أبيضاً.
ومن المعروف أن القضية الشرطيـة المزدوجة تُعـبر عن التكافؤ في المعنى بين شقيها¡ لأنهـا تجمع في الحقيقة بيـن قضيتين شرطيتين لتصبح مجرد تحصيل حاصل ¡ أي أن
( ق ↔ ل) = ( ق ← ل ) . ( ل ← ق )
ولذا يُسميها البعض » تكافؤ الشكل ص« Equivalence of the form T ( ).
هذا الإيجاز المخل لنظرية » تارسكى « في الصدق ¡ والتي عبر عنها بصياغته للجملة ص المحددة لشروط صدق أية جملة في اللغات الصورية ¡ كافٍ لأغراض بحثنا¡ أعنى لطرح السؤال : هل يمكن تطبيق هذه النظرية – بشيء من التعديل – على جُمل اللغات الطبيعية¡ لاسيما تلك التي تنطوي على مؤشرات لفظية ¿. هذا ما سعى إليه الفلاسفة بعد » تارسكى « رغم صعوبة المحاولة وعناد الكلمات.
ثانيا : المؤشرات اللفظية غير المباشرة والإحالة النحوية .
Reported indexicals and anaphora
أ – المنطوقات غير المباشرة والمعنى:
Reported utterances and meaning
7- إذا كنت أفهم منطوقا ما¡ به يقول شخص ما شيئا ما ¡ فإنني حينئذ أعرف ما قيل ¡ وأستطيع من ثم أن أعبر عن هذه المعرفة بمنطوق غير مباشر . وإذا كان فهمي للمنطوق الأصلي يستلزم بالضرورة تعيين معناه ¡ فمن الممكن إذن أن يكون الكلام غير المباشر – وما أكثره في حياتنا العادية والعلمية – دليلاً جيداً للمعنى .
هذا فرضُُ طبيعي . ولكن هل يسهل نقل الكلام بطريقه غير مباشرة (ف1 – 2) بحيث يمتلك الناقل والسامع ناصية المعنى الصحيح للمنطوق الأصلي ¿ لعلنا نستطيع الإجابة عن هذا السؤال بالإيجاب لو أن لغاتنا الطبيعية كانت على قدر من البساطة ¡ يحول دون الاختلافات الغامضة والفعلية أو الممكنة للكلمات ¡ سواء داخل اللغة الواحدة ¡ أو من لغة إلى أخرى ¡ ويحول أيضاً دون أن يكون المعنى معتمداً بالضرورة على سياق المنطوق . ففي هذا الحالة لن يفعل الناقل شيئاً أكثر من تكرار كلمات المتحدث الأصلي بعد عبارة : » فلان الفلاني قال أن « So-and So said that ¡ تماما كما في حالة المشتركات الصوتية Homophones* ولكن لما كانت لغاتنا الطبيعية ليست بهذه البساطة ¡ فمن الضروري إذن أن تكون هناك قيود سيما نطقية مفروضة على الكلام غير المباشر كيما يكون دليلاً جيداً للمعنى ¡ لا سيما في حالة الجمل التي تنطوي على مؤشرات لفظية ( ) ¡ ولنضرب مثالاً مبدئياً :
هب أنك قد خاطبتني في إحدى المناسبات فنطقت بالكلمات : » أنت أحمق« You are a fool . ربما يبدو لي أنني أستطيع أن أنقل عنك على نحو صحيح بأن ما قلته هو أنني أحمق I am a fool . ولكن هل أكون بذلك قد نقلت بدقة ما تعنيه كلماتك ¿. الحق أن قليلاً من التأمل يدفعنا إلى الإجابة بالنفي ¡ سواء أكنا نأخذ المعنى بالمنظور الإشاري ¡ أو بالمنظور الفكري¡ أو بمنظور الباعث إلى المنطوق والاستجابة له (ف3) . فمن الجهة الأولى ¡ إذا كان معنى منطوق ما هو ما يشير إليه ¡ فقد أفترض أن كلا من » أنت « و » أنا« لهما نفس المعنى ¡ طالما كان لهما نفس الماصدق ¡ لكنهما في الحقيقة ليسا إلا مترادفين فحسب في الإشارة¡ والإشارة – كما أسلفنا – غير المعنى (ف 4) . ومن الجهة الثانية ¡ إذا كان معنى المنطوق هو الفكرة المصاحبة له في الذهن ¡ فقد أفترض بالمثل أن كلاً من »أنت« و » أنا« علامتان لنفس الفكرة¡ ومن ثم فإن لهما نفس المعنى . إلا أنه من غير المقبول أن أفترض أن حدوث » أنت« في فمك مترادف فكرياً مع حدوث » أنا« في فمي ¡ ذلك إن فكرتك عنى تختلف عن فكرتي عن نفسي ¡ وإلا كان في مقدوري أن أترجم » أنت« في منطوقك إلى عبارة » كاتب هذا المقال« – بدلاً من » أنا « – في منطوقي ¡ مع أنك قد ترفض هذا المعنى كمناظر لفكرتك عنى. ومن الجهة الثالثة ¡ فإن منطوقي السابق لا يتضمن شيئاً عن الباعث السلوكي للمنطوق لديك ¡ ولا عن استجابتي له¡ هذا إذا اعتبرنا أن المعنى هو المنبه الذي يثير استجابة لدى السامع( ). وعلى الإجمال ¡ فإن الجملة غير المباشرة التي وردت على لساني لا تقدم وصفاً للموقف الزمكاني للمنطوق الأصلي¡ والذي من شأنه أن يحقق التطابق في المعنى بين منطوقك ومنطوقي¡ بأي منظور أخذنا هذا المعنى¡ مع الأخذ في الاعتبار ضرورة التركيب النحوي والمنطقي السليم للمنطوق غير المباشر.
وفضلاً عن ذلك يجب ألا نغفل عن الاستخدامات الاستعارية أو الضمنية للغة¡ بالإضافة إلى مدى قدرة الناقل على فهم المعاني المختلفة للكلمات أو ترجمتها من لغة إلى أخرى ¡ إذ قد تحول هذه العوامل – مجتمعة أو منفردة – دون الوضوح الكامل لمعنى المنطوق . وهكذا فإذا كان المنطوق الأصلي لشخص ما هو الجملة : » لقد أمطرت طوال أيام عطلتي « ¡ فقد لا ينبغي أن نعد ما قاله كاذباً إذا انطوت عطلته على يوم واحد كثير الضباب ولا ينقصه إلا المطر¡ أما إذا أخذنا منطوقه بدقة ¡ فسوف نحكم عليه في هذه الحالة بالكذب . كذلك الحال إذا نطق شخص ما بالكلمات : » إن السفر إلى إيطاليا سوف يكلفك ذراعاً ورجلاً« . فلقد قال مجازاً أن السفر إلى إيطاليا سوف يكلفك الكثير ¡ لكن المعنى الحرفي لكلماته مختلف تماماً عما يعنيه بالفعل . ولكي نستبعد مثل هذه الحالات ¡ يقترح » مارك سينسبرى « M. Sainsbury* أن تكون كلمة » قال « Said في المنطوق غير المباشر اختصارا للجملة : » قال بدقة ¡ وحرفيا ً¡ وبوضوح كامل « ( ) . والمدخل الأساسي عنده لتحصل معنى وصدق الكلام غير المباشر هو ما يسميه » الإحالة النحوية« Anaphora للمؤشرات اللفظية في المنطوق .
ب- الإحالة النحوية وبنية الجملة.
Anaphora and sentence structure
8- تشكل دراسة الإحالة النحوية ( الأنا فورا) مبحثاً هاماً من مباحث الدراسات اللغوية المعاصرة ¡ لاسيما علم التراكيب Syntax . ويمكن تعريف الإحالة النحوية في أبسط صورها وأكثرها استخداما ً¡ بأنها تلك العلاقة بين ضمير Pronoun – يأتي لاحقاً في إحدى الجمل – وعبارة اسمية Noun phrase تسبقه ¡ بحيث يشير الاثنان معاً بموجب هذه العلاقة إلى نفس الشيء. فإذا قلنا مثلا ً: » ندى ترى نفسها« ¡ فهمنا بالعلاقة المذكورة أن الشخص الرائي – أي » ندى« – هو بعينه الشخص المرئي . وحيث أن الاسم في الجملة السابقة يسبق الضمير¡ فإن الأول يعرف بالمقدم Antecedent ¡ أما الأخير (و هو الضمير البارز المتصل » هاء الغيبة « ) فيسمى ضميراً عائداً على المقدم بالإحالة النحوية ( أو ضميراً أنافورياً) Anaphoric pronoun ( ).
يهتم علم التراكيب بوصف الأنماط المختلفة لهذه العلاقة ¡ لاسيما وأن دراسة البني المختلفة للجمل تكشف عن استثناءات للتعريف السابق¡ فقد تنتفي مثلا هذه العلاقة رغم احتواء الجملة على كل من الاسم والضمير ¡ أو قد يأتي الضمير سابقاً على الاسم ¡ وهو ما يتضح من خلال المقارنة التالية :
محمد غادر المكان بعد أن وجد الدراجة ( أي وجد » هو « ).
لقد غادر المكان بعد أو وجد محمد الدراجة ( أي غادر » هو « ).
بعد أن وجدت الدراجة ¡ غادرت نهي المكان ( أي وجدت » هي « ).
ففي الجملة الأولى تبدو الإحالة النحوية واضحة ¡حيث يعود الضمير المستتر » هو « على الاسم المقدم » محمد « . أما في الجملة الثانية فمن الواضح أن كلا من الضمير المستتر والاسم يشيران إلى شخصين مختلفين ¡ وبالتالي تنتفي الإحالة النحوية . وأما في الجملة الثالثة فالضمير المستتر » هي « يسبق الاسم » نهي « ومع ذلك يعود الضمير على الاسم بالإحالة النحوية( ).
من جهة أخرى قد يأتي الاسم – أو العبارة الاسمية المقدمة – في صورة ضمير يماثل الضمير اللاحق في الإشارة ¡ كأن نقول مثلاً : » بالإشارة إليك ¡ هو قال أنك سخي « . هنا تنطوي الجملة على حدوثين لـ » أنت « (» You « في الإنجليزية » وكاف الخطاب « في العربية ) لهما نفس الإشارة ¡ سواء لأن الحدوث الثاني يعود بالإحالة النحوية على الأول ¡ أو لأنك تظهر بوضوح مقترناً بكل حدوث ( ).
وبغض النظر عن تعدد أنماط الإحالة النحوية ¡ فإن ما يعنينا هو دقة تحديد الضمير العائد لذات الشخص أو الشيء الذي تتحدث عنه الجملة ¡ وهي دقة تعظم الحاجة إليها – كما سنرى – إذا ما أردنا أن يكون الكلام غير المباشر دليلاً جيداً للمعنى .
9– على أن الإحالة النحوية لن تؤدى دورها السيمانطيقى في الكلام غير المباشر ما لم ينطوي هذا الأخير على وصفٍ دقيق للموقف الذاتي لمنطوق المتحدث الأصلي. ولن يتحقق هذا الوصف الدقيق للموقف الذاتي ما لم يتألف المنطوق غير المباشر من جزئين لا منفصلين Undetached ¡ بل وغير قابلين للانفصال Undetachable : جزءُُ يعنى بتحديد البعد الزماني أو المكاني ( أو كليهما ) لمقولة المتحدث الأصلي ¡ وجزءُُ يعنى بالمقولة ذاتها مع إجراء التغييرات النحوية اللازمة.
نوضح هذا التركيب بثلاثة أمثلة مختلفة لمنطوقات غير مباشرة تتجلى فيها خاصية اللاإنفصالية Non – detachability بين جزئي المنطوق¡ والتي يتحقق من خلالها وضوح معنى المؤشر اللفظي في المنطوق الأصلي عن طريق الإحالة النحوية فقط في التركيب الجديد :
[9 – 1] – ( في 12 مايو 1968¡ قال القائد الثوري أن ذاك اليوم وسم فجراً جديداً ) حيث المنطوق الأصلي هو : » اليوم وسم فجراً جديداً « .
هذا المنطوق يتألف فيما نلاحظ من جزئين¡ فهناك أولاً المشهد Scene المقرر بالكلمات: » في 12 مايو 1968¡ قال القائد الثوري أن « ¡ وهناك ثانياً المحتوى Content المتمثل في الكلمات: » ذاك اليوم وسم فجراً جديداً « . نلاحظ أيضاً أن المنطوق ككل يتجاوز كثرة من التفصيلات¡ فهو لا يخبرنا مثلاً بظروف الأحوال التي صاحبت النطق بكلمات المحتوى ( أي أسباب نطق القائد بها ) ¡ ولا يخبرنا كذلك بماهية اللغة التي استخدمها المتحدث الأصلي ¡ فلربما استخدام القائد مثلاً كلمة aujourd 'hui * إذا كان فرنسيا ً. لكن تحديد البعد الزماني للمنطوق الأصلي كافٍ سيمانطيقياً لتحديد ما صدق المؤشر اللفظي » اليوم « ¡ ومن ثم لتحقيق التطابق في المعنى بين كلمات القائد وكلمات الناقل عنه. ولا نستطيع ببساطة أن نفصل الجزء المُقرِر للمشهد عن الجزء الخاص بالمحتوى ¡ لأن كلمة » ذاك « تعود بالإحالة النحوية على المنظور الزماني الذي عبرنا عنه بالكلمات » في 12 مايو 1968« . وبدون خلفية سياقية خاصة – من النوع الذي يزودنا به ما ورد بالمشهد – لن يستطيع الناقل أن يتمثل الموقف الذاتي للقائد بنطقه للكلمات » ذاك اليوم وسم فجراً جديداً « ¡ إذ يُصبح السياق حينئذ سياقاً خاصاً بالناقل لا سياقاً خاصاً بالقائد ¡ ومن ثم يفقد المنطوق الأصلي معناه وقيمة صدقة الفعلية. وحتى لو نطق الناقل بالكلمات » 12 مايو 1968 وسم فجراً جديداً « ¡ أو » اليوم رقم كذا قبل اليوم الحالي وسم فجراً جديداً « ¡ فإنه لا ينقل أيضاً بدقة مقولة القائد إذا استخدم مثلاً كلمة anjourd’hui¡ ذلك أن فهم كلمات الناقل يستلزم معرفة تاريخ نطقه هو بهذه الكلمات ¡ أو معرفة كم عدد الأيام التي مرت قبل أن ينطق بها¡ في حين أن فهم كلمات القائد لا يستلزم ذلك . ومن ثم فإن هذه الكلمات المقترحة لا تعنى ما عنته كلمات القائد ( ).
[9 – 2] – (» فراو لاوبن « Frau lauben * قالت للدكتور » لاوبن « في وجهه أنه جرح ) .
إن عبارة » في وجهه « هنا تؤكد أنها تعاملت معه كمخاطب باستخدام كلمة مثل » Du « ** ¡ لكنى بقولي لك هذا لا أستطيع أن أخاطب د. لاوبن. فلو أنني نطقت بالكلمات » د. لاوبن جُرح « ¡ فإنني حينئذ لا أتمثل الموقف الذاتي لها ¡ والذي من شأنه أن يحقق التطابق في المعنى بين منطوقي ومنطوقها . وبالمثل ¡ إذا كنت أنقل عنها أنها قالت أن د. لاوبن جرح ¡ فإن منطوقي حينئذ يفتقد الدقة الكاملة ¡ لأني لا أوضح الكيفية التي تحدثت بها إليه ¡ أي منظورها الخاص ¡ وهو ما يعنى ضرورة الالتزام بالشكل ذي الجزئين ¡ متضمناً المشهد من جهة ¡ والمحتوى المرتبط به عن طريق الإحالة النحوية من جهة أخرى ( ).
[9 – 3] – إننا نسير في الغابة ¡ وقد لمحت أنت على نحوٍ عابر ما هو في الواقع » أرنب« . إنني أراه أيضاً ¡ وأعرف أنه الشيء الذي تشير إليه أنت بقولك : » ذاك كان دباً «. إنني أستطيع أن أنقل عنك هذا المنطوق العرضي بقولي : » برؤيته لأرنب¡ قال أنه كان دباً « *** لكنى حينئذ لا أستطيع أن أفصل بين جزئي منطوقي فأقول مثلاً: » لقد كان دباً « ¡ أو » ذاك كان دباً « ¡ لأني بذلك أنقل المنطوق إلى سياقي الخاص¡ وهذا الأخير إما ألا يزودنا بإشارة¡ أو في أفضل الأحوال يزودنا بإشارة خاطئة. وفضلاً عن ذلك فإن محاولات من قبيل : » الأرنب الذي رآه كان دباً « تشوش تفكيرك¡ ولا تنقل معنى المنطوق الأصلي على نحوٍ دقيق . لا مناص إذن من اللجوء إلى الشكل ذي الجزئين : المشهد والمحتوى( ).
10– تخلص من ذلك إلى أن كلاً من المنطوق الأصلي والمنطوق غير المباشر يرتبطان سيمانطيقياً على النحو التالي :
ضمير الإشارة ( مثل » أنا « و » أنت « ¡ … الخ ) – أو المؤشر اللفظي بصفة عامة – في المنطوق الأصلي ¡ يتم رده إلى ضمير – أو تعبير مشير – يعود بالإحالة النحوية في المنطوق غير المباشر على المنظور الزماني أو المكاني المقرر بالمشهد ¡ أي أن هناك استخدام إشاري خالص واستخدام أنافوري ( دال نحوياً بالسياق ) لكافة الضمائر الشخصية Personal pronouns وغيرها من المؤشرات اللفظية . ومؤدى هذه الوجهة من النظر أن الإحالة النحوية تكافئ ما ندعوه بالشكل المنطقي Logical from ¡ لأن المنظور الخاص بالناطق الأصلي يأتي أولاً في صورة » مقدم « ¡ ثم يأتي مردود المؤشر اللفظي ثانياً في صورة » تالٍ « يعود على الأول بالإحالة النحوية . وحيثما تكون هذه الأخيرة جوهرية¡ فإن الناقل لا يستطيع أن يفصل الجزء الخاص بالمحتوى عن الجزء الواصف للمشهد ¡ لأن هذا الفصل يجرد مردود المؤشر اللفظي من مقدمه ( ).
هيا نطبق ذلك إذن على نظرية » تارسكى « في الصدق.
جـ- اللاإنفصالية وشروط الصدق :
Non – detachability and conditions of truth
11– إذا كان الكلام غير المباشر – وفقاً لمطلب اللاإنفصالية – دليلاً جيداً للمعنى¡ من حيث كونه يؤدى إلى تعيينٍ دقيق لمحتوى أي منطوق سابق¡ فإن أية نظرية في المعنى – يُفترض أنها تفعل ذلك – لابد وأن تخضع بالمثل لهذا المطلب ¡ وإلا عانت قصوراً فيما تقدمه من معلومات تفسيريه تحقق معنى المنطوق .
نطبق هذا الفرض على نظرية » تارسكى « في الصدق ( ف6 ) بوصفها نظرية في المعنى ( وقد اعتبرها كذلك بالفعل بعض علماء اللغة وفلاسفتها المعاصرين ¡ أمثال » جيمس هيجنبوثام « J. Higginbotham * و » دونالد ديفيدسون « D. Davidson )**. فإذا كانت » المواضعة ص « ¡ والتي صاغها » تارسكى « كما ذكرنا باللغة الشارحة للغة ¡ تحدد شروط صدق أية جملة في اللغات الصورية ¡ وكان صدق الجملة وفقاً لشرط التطابق المادي MAC يكافئ مناظرتها لشيء أو واقعة *** ¡ فقد اقتربنا إذن من وضع صياغة منطقية دقيقة للنظرية الإشارية في المعنى ( ف4) ¡ ما علينا في هذه الحالة سوى أن نحذف الفعل » يعنى« في الجملة ( م تعنى ن ) ¡ لنضع بدلاً منه رابطاً ماصدقياً هو الثابت المنطقي » إذا وإذا فقط« If and only if ( ↔ ) ¡ ولتصبح بذلك شروط صدق أية جملة هي ذاتها معناها¡ بدلاً من أن نفسر المعنى بالمعنى فنقع في الدور المنطقي( ).
هنا يبرز أمامنا سؤالنا المطروح سابقاً (ف6) ¡ وهو: هل يمكن تطبيق نظرية » تارسكى « في الصدق – والتي قصرها على اللغات الصورية – على جمل اللغات الطبيعية¡ بحيث يُصبح لدينا معيار ثابت لتحديد شروط صدق – ومن ثم معنى – آية جملة في أية لغة عادية ¿.
لعل الإجابة عن هذا السؤال تحمل رداً إيجابياً لو استطعنا التغلب على سمتي الغموض والعمومية البارزتين في تلك اللغات ¡ لا سيما فيما يتعلق بإشارات الحدود اللغوية ¡ سواء أكانت أسماء أعلام أم ضمائر . ففي أية لغة صورية يمكننا القول أن تماثل الإشارة المرجعية للرمز اللغوي مضمون بتماثل الماصدق , أي وفقاً للمعنى الإشاري المتواضع عليه لهذا الرمز ¡ مهما تكرر حدوثه في الجملة أو القضية . لكن اللغات الطبيعية – على العكس من ذلك – تفتقر لهذه السمة الهامة¡ فعلى سبيل المثال يمكننا الحكم بالصدق في ذات الوقت على كل من الجملتين التاليتين اللتين تبدوان متناقضتين : » شنابل * عازف بيانو « و » شنابل ليس عازفاً للبيانو « ¡ لأن الحد المفرد » شنابل « لا يكفل بالضرورة نفس الإشارة . وإذا كنا نميل كل لحظة إلى التسليم بصدق القضية العامة » كل عازفي البيانو موسيقيون « بالاستقراء من الوقائع الجزئية ¡ إلا أن القضية الشرطية المتصلة » إذا كان شنابل عازفاً للبيانو فإن شنابل موسيقى « ليست بالضرورة صادقة ¡ فلربما كان الحدوث الأول للاسم يشير بالفعل إلى عازف البيانو النمساوي الشهير ¡ في حين يشير الحدوث الثاني إلى فنان أخر ليس عازفاً للبيانو . وعلى هذا النحو لا يمكننا اختبار صدق الجملة » شنابل عازف بيانو « بالمواضعة ص¡ فنقول مثلاً :
(» شنابل عازف بيانو « صادقة إذا وإذا فقط كان شنابل عازفاً للبيانو ) .
فليس هناك ما يضمن أن يكون الحدوث الأول للاسم » شنابل « مشتركاً في الإشارة مع الحدوث الثاني له ¡ بل قد يختلف ما صدق الاسم في أحد جانبي الجملة ¡ ومن ثم ينفصل الجانبان سيمانطيقياً ولا يتحقق التكافؤ بينهما( ) . كذلك الحال بالنسبة للجمل التي تنطوي على مؤشرات لفظية¡ فلا يمكننا مثلاً القول :
(» أنا مُتعب « صادقة ↔ أنا مُتعب )
لأن الجملة بأكملها تُصبح كاذبة إذا كان المؤشر اللفظي » أنا « على يمين الجملة يشير إلى شخص آخر بخلاف الشخص الناطق حقاً بهذه الجملة ( ).
ولا مخرج لنا من هذه الصعوبة إلا بالإحالة النحوية¡ فبدلاً من القول » إذا كان شنابل عازفاً للبيانو فإن شنابل عازف بيانو « ¡ يمكننا تحديد الإشارة المرجعية للاسم بقولنا » إذا كان شنابل عازفاً للبيانو فإنه عازف للبيانو « ¡ إذ تنطوي الجملة بذلك على حدوث واحد للاسم¡ يعود عليه الضمير بالإحالة النحوية¡ وبما يكفل نفس الإشارة. ولا تخرج الجمل التي تنطوي على مؤشرات لفظية – إذا ما أردنا الدقة – عن تلك الصياغة ( ).
ولكن كيف نطبق هذا التعديل على نظرية » تارسكى « في الصدق ¡ بحيث تأخذ المواضعة ص الشكل المنطقي الدقيق للإحالة النحوية ¿.
12 – لكي نفصّل ذلك خذ مرة أخرى منطوق القائد الثوري في 12 مايو 1968¡ ولنرمز لهذا المنطوق ( اليوم وسم فجراً جديداً ) بالرمز م . إن المواضعة ص بالنسبة إلى م تأخذ الشكل التالي :
( م صادقة ↔ ن)
وبالتعويض عن المتغيرين م ¡ ن نحصل على الجملة :
(» اليوم وسم فجراً جديداً « صادقة ↔ اليوم وسم فجراً جديداً )
لكن الاعتبارات السابقة تؤكد أن مثل هذه الجملة قد تكون كاذبة ¡ لا سيما وأنها لا تنطوي على تحديد لماصدق المؤشر اللفظي » اليوم « على جانبيها ¡ ومن ثم لا تحقق مطلب اللاإنفصالية¡ هذا فضلاً عن أنها لا تُدلى بمعلومات سيمانطيقية تؤدى إلى تفسير المنطوق ¡ ومن ثم توضيح معناه ( ).
إزاء هذا المأزق اقترح الفلاسفة صيغاً مختلفة للمواضعة ص. فمن جانبه اقترح » ديفيدسون« مثلاً أن ننظر إلى الصدق كعلاقة بين جملة¡ وقائلها¡ وزمن النطق بها. ومن أمثلة » ديفيدسون « في ذلك:
(» أنا مُتعب « صادقة كمنطوق لـ ب في الزمن ز إذا وإذا فقط كان ب متعباً في الزمن ز ) .
(» ذاك الكتاب سُرق « صادقة كمنطوق لـ ب في الزمن ز إذا وإذا فقط كان الكتاب المشار إليه عن طريق ب في الزمن ز قد سُرق قبل الزمن ز ) .
وعلى الإجمال تأخذ المواضعة ص عند » ديفيدسون « الشكل التالي :
( الجملة ج صادقة للمتحدث ب في الزمن ز إذا وإذا فقط كانت ن )
لكن ن في الشكل السابق ليست ببساطة ترجمة لـ ج باللغة الشارحة ¡ إنها فحسب جملة شارحة تشير بوضوح إلى كل من ب & ز ( ). وبعبارة أخرى¡ يحذف » ديفيدسون « – هرباً من مأزق المؤشرات اللفظية – جملة الموقف الذاتي ( أما مُتعب & ذاك الكتاب سُرق ) من الجانب الأيسر للمواضعة ص ¡ وهي الجملة التي يمكن – إذا ما استخدمنا الإحالة النحوية – أن تحقق التكافؤ المنطقي الدقيق بين شقي القضية الشرطية المزدوجة : ج & ن ¡ وتحقق بالتالي المعنى الدقيق للمؤشر اللفظي وفقاً لمتطلبات المعنى في الكلام غير المباشر .
لقد أراد » ديفيدسون « ألا تنطلق نظريته في المعنى من أي تصور سيمانطيقى بخلاف تصور الصدق. ولكي يفعل ذلك يشير – في دراسته للمؤشرات اللفظية – إلى التقسيم الثلاثي لتصورات اللغة ¡ أعنى 1) تلك التي يهتم بها علم التراكيب ¡ وتدور حول علاقات الكلمات ببعضها البعض ¡ و 2) تلك الخاصة بالسيمانطيقا ¡ وتعكس علاقات الكلمات بالعالم ¡ و 3) تلك التي يهتم بها علم أفعال الكلام ¡ وتعكس علاقات الكلمات بمستخدميها – أي الناطقين بها . وانطلاقاً من هذا التقسيم يُدرج » ديفيدسون « دراسة المؤشرات اللفظية ضمن أبحاث علم أفعال الكلام ¡ فلسنا بحاجة إلى تفسيرها باستخدام تصورات سيمانطيقية كالمعنى والإشارة والترادف… الخ¡ وإلا خرجنا بها من مجال دراستها الطبيعي. لكن هذا التناول – فيما يشير » كيركهام « – يفتقر إلى الإقناع¡ لأن المؤشر اللفظي بقدر كونه معبراً عن علاقةٍ بين كلمةٍ وقائلها¡ يُعبر أيضاً عن علاقةٍ بين كلمةٍ وموضوع ما في العالم الفعلي¡ وهو لا يكتسب معناه الكامل إلا إذا ارتبط بكلمات أخرى في المنطوق محل الدراسة ( ).
13 – بخلاف ذلك اقترح البعض الآخر – مثل » هيجنبوثام « – أن تأخذ نظرية الصدق شكل قضية شرطية متصلة¡ يُعين مقدمها منطوقاً ما مصحوباً بوصفٍ لسياقه ( قائله وزمانه أو مكانه ) ¡ أما التالي فيأتي في صورة قضية شرطية مزدوجة مماثلة للمواضعة ص ¡ إلا أنها قد تحوى في جانبيها متغيرات ترتبط بالمادة الإخبارية الواردة في المقدم . ومثال ذلك ( ) :
المقدم/
إذا كانت م هي المنطوق » اليوم هو 4 يوليو « ¡ الذي نطق به س ¡ و س يشير فيه بكلمة » اليوم « إلى  ¡ فإن
التالــي/
م صادقة ↔  هو 4 يوليو
يعترض » سينسبرى « مبدئياً على هذه الصياغة¡ واصفاً إياها بأنها تواجه إحراجاً Dilemma . ذلك أنها إما أن تحول دون الاستفادة مما في حوزتنا من معلومات نوعية عن المنطوق¡ بحيث نحصل في النهاية على تفسير ملائم له ¡ أو تؤدى في مقابل ذلك إلى نتائج لا تتسق ومطلب اللاإنفصالية ( ) . فمن الجهة الأولى نستطيع أن نلحظ مدى ما تتسم به الصياغة السابقة من عمومية¡ بحيث أنها لا تزودنا بتفسير للمنطوق إلا إذا انطوت على معلومات تكميلية Supplementary information. فعلى سبيل المثال¡ إذا كنا نعرف أن » زيداً « نطق بالجملة » اليوم هو 4 يوليو « في 4 يوليو 1968¡ فسوف نأمل أن نتمكن من تغذية التعميم بهذه المعرفة النوعية كيما نشتق تفسيراً للعلامة النوعية  . لكن هذه الخطوة من شأنها – من جهة ثانية – أن تؤدى إلى نتيجة غير مرغوبة فيما يتعلق بالمعنى ¡ أعنى انفصال شقي القضية الشرطية المزدوجة.
وهكذا فباستخدام م1 مثلاً كرمز لمنطوق » زيد « ¡ وبالتعويض عن قيم كل من س ¡  وفقاً للمعلومات التكميلية ¡ نحصل على الاشتقاق التالي :
إذا كانت م1 هي المنطوق » اليوم هو 4 يوليو « ¡ الذي نطق به زيد ¡ وزيد يشير فيه بكلمة » اليوم « إلى 4 يوليو ¡ فإن
م1 صادقة ↔ 4 يوليو هو 4 يوليو
والنتيجة اللازمة عن هذه الصياغة ( المزودة بمعلومات تكميلية ) هي أنه طالما كان المقدم صادقاً¡ فإن النظرية – سواء أردنا أو لم نرد – تستلزم التالي
(م1 صادقة ↔ 4 يوليو هو 4 يوليو )
ومن ثم تصبح جملة الموقف الذاتي – وهو الشق التيسر من القضية الشرطية المزدوجة التي يمثلها التالي – غير تفسيرية ¡ وهي الجملة التي تحمل بالضرورة حكماً بصدق المنطوق محل الدراسة ¡ والذي رمزنا له بـ م1 . ووفقاً لمطلب اللاإنفصالية فإن تفسيرات من هذا النوع لا يمكن أن تكون مقبولة بصفة عامة ¡ لأنها تربط م1 بشرطٍ للصدق غير تفسيري ( ).
والحق أن هذه النتيجة الأخيرة لا تلزم فقط عن نظرية » هيجنبوثام « ¡ بل وتلزم أيضاً عن أية نظرية سيمانطيقية تنطلق من المواضعة ص وتغفل في الوقت ذاته من الشكل المنطقي للإحالة النحوية¡ إما لأن النظرية لا تملك وسيلة لإيلاج معلوماتنا النوعية عن المنطوقات المختلفة – وهي المعلومات اللازمة للتفسير – ومن ثم تفشل في تحقيق هدفها السيمانطيقى¡ أو – على الأقل – تسمح بإيلاج معلومات تؤدى إلى شئ ما لا يتسق واللاإنفصالية . وليس من الغريب أن نقول وفقاً للمواضعة ص :
» الراديوم مُشع « صادقة إذا وإذا فقط كان الراديوم مُشع
وأن نقول أيضاً :
» الراديوم مُشع « صادقة إذا وإذا فقط كان الراديوم هو الراديوم .
فكلا الجملتين صادق ¡ لأن دالة التكافؤ تصدق متى صدق شقيها معاً أو كذباً معا ً¡ ولا غضاضة في أن نُعطى لكلا الشقين – في أي منهما – قيمة صدق واحدة ¡ وإن كنا بذلك نضحي بالمعنى لصالح الصدق المنطقي( ).
14 – والطريقة الممكنة – في نظر » سينسبرى « – للخروج من هذا الإحراج¡ هي إضافة مقدمة تكميلية إلى القضية الشرطية المتصلة ¡ تقول أن المعلومات التي في حوزتنا عن أي منطوق نوعى هي معلومات سيمانطيقية وتحقق شرط اللاإنفصالية بين شقي القضية الشرطية المزدوجة ( أي التالي ) وفقاً للمطلب الأساسي للمنطوقات غير المباشرة¡ وهو الإحالة النحوية . وتأخذ هذه المقدمة – والتي من الممكن تعميمها – الشكل التالي :
من » كل أ هي ب « نستدل على أنه » إذا كانت س هي أ فإن ( تلك الـ أ )س هي ب «
( حيث تُعبر س الصغيرة المكتوبة إلى الأسفل عن الاعتماد بالإحالة النحوية لحدوث » تلك الـ أ « على الحدوث السابق لـ أ ) .
ويمكن أن نقرأ هذه المقدمة في حالة منطوق » زيد « كما يلي :
من » كل الأيام التي هي 4 يوليو « نستدل على أنه » إذا كان 4 يوليو 1968 هو يوم منها ¡ فإن ( ذاك اليوم ) 4 يوليو هو 4 يوليو «
ومن ثم تأخذ القضية الشرطية المتصلة الشكل التالي ( ) :
إذا كانت م1 هي المنطوق » اليوم هو 4 يوليو « ¡ الذي نطق به زيد¡ وزيد يشير فيه بكلمة » اليوم « إلى 4 يوليو ¡ فإن :
م1 صادقة ↔ ( ذاك اليوم ) 4 يوليو هو 4يوليو.
ويمكن ببساطة تطبيق هذا التعديل على أي منطوق إخباري ¡ سواء أكان يبدأ باسم أو بمؤشر لفظي . ولتوضيح ذلك نضرب من جانبنا مثالين آخرين سبق تناولهما ¡ وهما : منطوق القائد الثوري ( اليوم وسم فجراًَ جديداً ) ¡ ومنطوق يبدأ بضمير ¡ مثل ( أنت سخي ) ¡ فبتطبيق النظرية على المنطوق الأول نحصل على :
إذا كانت م2 هي المنطوق ( اليوم وسم فجراً جديداً ) ¡ الذي نطق به القائد الثوري ¡ وهذا الأخير يشير فيه بكلمة » اليوم « إلى 12 مايو 1968¡ فإن :
م2 صادقة ↔ ( ذاك اليوم ) 12مايو وسم فجراً جديداً.
وتطبيق النظرية على المنطوق الثاني نحصل على :
إذا كانت م3 هي المنطوق ( أنت سخي ) ¡ الذي نطق به » علي « منذ ساعة¡ و » علي « يشير فيه بكلمة » أنت « إلى » محمد « ¡ فإن
م3 صادقة ↔ ( أنت ) " محمد " منذ ساعة سخي .
أخيراً¡ علينا أن نلاحظ في الأمثلة السابقة أن التعبيرات المكتوبة إلى الأسفل بخط صغير ليست تعبيرات مشيرة . إنها فحسب تعبيرات تدعم كون الحدوث الثاني للمؤشر اللفظي معتمداً بالإحالة النحوية على الحدوث الأول له ¡ وهي خطوة من شأنها أن تحقق التقارب بين نظرية الصدق – كنظرية في المعنى – والطريقة الصحيحة لنقل الكلام على نحوٍ غير مباشر كيما يكون دليلاً جيداً للمعنى .
ثالثاً: القابلية للرد ونزع شوكة المؤشرات اللفظية.
15– هل يمكن للإحالة النحوية أن تحمل حلولاً لمشكلات أخرى يتعثر تناولها على عتبة المؤشرات اللفظية ¿. هذا ما يؤكده » سينسبرى « من خلال أطروحات تتعلق – على سبيل المثال – باستخدام المؤشرات اللفظية لتفسير الأفعال Actions ¡ وصياغة النظريات العلمية ¡ فضلاً عن الزج بها كحجة في مدى شمولية العلم الإلهي. وقبل أن نعرض لهذه الأطروحات ¡ نعمد إلى مزيد من التوضيح لدلالة المؤشر اللفظي وسمات استخدامه .
لعل أهم سمات المؤشر اللفظي أنه يعكس باستخدامه منظوراً خاصاً عن العالم. فنحن نعيّن محليه موضوع ما بالإشارة إلى الموضع الخاص بشخص ما – أو بشيء ما – في الزمان أو المكان . وفي تفسيرنا لاستخدام مؤشر لفظي ما¡ نحتاج بالضرورة إلى تعيين المنظور الخاص لمستخدمه : فلأنه تحدث في 12 مايو 1968 ( ف 9 – 1 ) ¡ فهو بالنسبة له » اليوم الحالي « ¡ ولأنها خاطت د. لاوبن ( ف 9 – 2 )¡ فهو بالنسبة لها » أنت « ¡ ولأنه كان » أرنباً« ذلك الذي رآه ( ف 9 – 3 )¡ فهو بالنسبة له » ذاك «. وهكذا فنحن في حاجة دائماً إلى التحقق من هوية المنظور Perspective إذا ما أردنا فهم المؤشر اللفظي في كل استخدام له( ).
من جهة أخرى هناك تحويلات نسقية Systematic transformations في الكلام غير المباشر . فأنت تحكى المنطوق الذي استُخدِمت فيه كلمة » أنت « مستخدماً كلمة » أنا « إذا كنت أنت المخاطب¡ ومستخدماً كلمة » هو « أو » هي « خلافاً لذلك. وتحكى المنطوق الذي استخدمت فيه كلمة » أنا « مستخدماً بالمثل » هو « أو » هي «. وتحكى المنطوق الذي استخدمت فيه كلمة » اليوم « – في اليوم التالي له – مستخدماً كلمة » أمس « ¡ … الخ ( ).
واستناداً إلى هذه السمة يمكن القول أن الإشارة النابعة من مؤشر لفظي ما تكون محكومة عادة بمادة غير لغوية Non- linguistic material – أو فوق لغوية Extralinguistic – لفهمها¡ أعنى المنظور الزماني أو المكاني للناطق بها. أما الإشارة النابعة من ضمير عائد بالإحالة النحوية فتكون محكومة فقط بالسياق اللغوي¡ الأمر الذي يلزم عنه – في الكلام غير المباشر – سبق المشهد للمحتوى وارتباطهما سيمانطيقيا. وهذا باختصار هو ما عبرنا عنه بمبدأ اللاإنفصالية ( ف 9 ). إن هذا المبدأ – بعبارة أخرى – يعنى أننا يجب أن نستخدم السياقات اللغوية لكى تؤدى في محكانا نفس الدور الذي تؤديه المادة غير اللغوية في فهم وتفسير منطوق المتحدث الأصلي. فإذا ما كان ذلك صحيحا¡ أمكننا إذن الزعم بأن كل المؤشرات اللفظية قابلة للرد Reducible ¡ أي أن أية علامة إشارية ذات بُعد زماني أو مكاني¡ يمكن نقلها عن الناطق بها بعلامة أخرى تؤدى نفس المعنى¡ ولكن فقط بالإحالة النحوية. أو من خلال السياق اللغوي للمنطوق غير المباشر( ).
على أن ذلك لا يتضمن العكس¡ بمعنى أنه إذا كان باستطاعتنا رد المؤشر اللفظي إلى ضمير يعود بالإحالة النحوية في المنظور الوارد بالمشهد¡ إلا أن هذا الضمير – إذا انطوى عليه المنطوق الأصلي – لا يمكننا رده بدوره إلى مؤشر لفظي¡ وإلا فقدنا المعنى. ولتوضيح ذلك خذ الحوار التالي بين ( أ ) و ( ب ) كمثال :
أ– لقد استغرق حديثي اليوم مع » زيد « ساعتين .
ب – إنني أتصور أنه تحدث معك عن » فريجه « .
والآن¡ افرض أن (ب) ليست لديه فكرة عمن يكون » زيداً « ¡ بحيث أنه يستخدم » هاء الغيبة« في منطوقه كضمير عائد عليه ( أي » زيد « ) بالإحالة النحوية. وافرض أيضاً أن » زيداً « كان موجوداً في مناسبة لاحقة¡ ومن جانبه يود ( أ ) إظهاره لـ (ب) . هنا لن يكون في إمكان ( أ ) أن ينقل عن ( ب) أنه قال أنه تصور أن ذاك الشخص تحدث عن فريجه¡ لأن » ذاك « هنا – كمؤشر لفظي – تستلزم لفهمها منظوراً خاصاً يفوق السياق اللغوي¡ ومن ثم لا يمكن أن تعود على » هاء الغيبة « بالإحالة النحوية. وهكذا فلكي يكون منطوق ( أ ) غير المباشر صحيحاً¡ لا بد وأن يجمع بين جملة المشهد¡ والتي تؤكد غياب » زيد « وقت أن نطق (ب) بمنطوقه¡ وجملة المحتوى التي تظهر فيها " هاء الغيبة " كضمير عائد على » زيد « بالإحالة النحوية( ).
16– ينبغي أن نتنبه أيضاً إلى أن التمييز السابق بين » المؤشر اللفظي « و » الضمير العائد« – من حيث متطلبات الفهم – لا يمنع وجود استثناءات تعكس ثراء المواقف اللغوية. ففي بعض الحالات يمكن مثلاً للضمير العائد أن يؤدى دوره السيمانطيقى دون حاجة إلى جملة المشهد¡ ومثالنا التالي يُوضح ذلك : هب أن مصوراً سينمائياً قام بتسجيل حي لـ » فراو لاوبن « حين قالت لزوجها في وجهه أنه جُرح. وبعد سنوات أعاد هذا المصور عرض الفيلم المسجل أمام بعض الأصدقاء. حينئذ يمكن لأحدهم أن يقول : » الآن هي تقول أنه جرح « . فعلى الرغم من أن هذا المنطوق الأخير يفتقد لجملة المشهد¡ إلا أن » هاء الغيبة « فيه تؤدى دورها الإشاري دون حاجة إلى سياق لغوى ملائم. إنها تعود بالإحالة الحية على صورة د.ولابن على الشاشة¡ وكأننا نستبدل الفيلم المسجل بجملة المشهد ( ).
من هذه الاستثناءات أيضاً أن جملة المشهد – في بعض المواقف – قد لا تنطوي على إشارة دقيقة ليوم ما أو شخص ما¡ وإنما على تسوير وجودي Existential quantification ¡ مثلما هو الحال في مثال الأرنب : » برؤيته لأرنب¡ قال أنه كان دباً «. وربما يدفع ذلك البعض إلى التساؤل : كيف يمكن للضمير في جملة المحتوى أن يؤدى دوره الإشاري في الوقت الذي يعود فيه بالإحالة النحوية على تسوير وجودي لا يُحدد المشار إليه بدقة ¿ . هنا علينا أن نؤكد أن سياق المنطوق السابق كافٍ لتحقيق الإشارة المشتركة لكل من التسوير الوجودي والضمير العائد عليه . فلسنا بحاجة – لا من حيث التركيب النحوي والمنطقي ¡ أو من حيث تحصيل المعنى – إلى تحديد أرنب بعينه بوصف المشار إليه. وإلا لكان علينا أن نعيد النظر في كثرة من المنطوقات المقبولة سيمانطيقياً رغم كونها تبدأ بتسويرات وجودية أليس من الممكن مثلاً لمؤرخ ما أن ينطق قائلاً: » لقد كانت للملك أخت مقربة إليه¡ وفي أوقاته العصيبة كان بجد لديها السلوى «. إن القارئ المبتدئ يستطيع أن يفهم بسهولة هذا المنطوق¡ وأن يربط سيمانطيقياً بين كلمة » أخت « والضمير العائد عليها¡ بغض النظر عما إذا كانت للملك أخوات أخريات¡ وبغض النظر عن التحديد الدقيق لهذه الأخت ( ).
ما نود قوله هو أن هذه الاستثناءات تمثل حالات خاصة¡ وأن هناك بصفة عامة تمييز واضح وثابت بين استخدام الضمير كمؤشر لفظي ¡ واستخدامه كعلامة دالة نحوياً. ووفقاً لمبدأ اللاإفصالية فإن كل المؤشرات اللفظية قابلة للرد في الجزء الخاص بالمحتوى المحكى الكلام¡ بحيث يمكن تحصيل معناها من خلال السياق فقط. أما في المنطوقات الأصلية فالمعنى مرهون بالتعيين الدقيق للمنظور الزماني أو المكاني لمستخدم المؤشر اللفظي¡ أي بالسياق غير اللغوي.
17– الفعل :
إذا كان من الممكن رد أي مؤشر لفظي – في الجزء الخاص بالمحتوى للمنطوق غير المباشر – إلى ضمير عائد بالإحالة النحوية¡ وإذا كان المحتوى معبراً عن مضمون فكرة ما لدى الناطق¡ فليست هناك إذن أية فكرة يستلزم التعبير عنها استخدام مؤشر لفظي. ولكن هل يتسق هذا الفرض مع الزعم القائل بأن أي فعل إنساني لا بد وأن يكون مسبوقاً أو مصحوباً بفكرة تنطوي على مؤشر لفظي ¿. لنفرض على سبيل المثال أنني أعرف أن » زيداً« يجب أن يُجرى مكالمة هاتفية. إنني حينئذ قد لا أحرك ساكناً إذا لم أدرك أنني » أنا « زيد¡ ومن ثم فإن إجرائي للمكالمة تسبقه فكرة تنطوي على هذا المؤشر اللفظي » أنا « . ألا يؤكد ذاك إذن ضرورة المؤشرات اللفظية لتفسير الأفعال ¿.
الحق أن هذه الحجة تفتقد إلى الدقة¡ لأن » أنا « هنا – بالنسبة لـ » زيد « – لا تؤخذ كمؤشر لفظي¡ وإنما كعلاقة بين مفكر وفكرة¡ إنها ليست سمة للفكرة ذاتها أو جزء منها¡ لأنها تعكس منظوراً داخلياً لا يحتاج » زيد « لأن يُحدّث نفسه به¡ وبالتالي يُفسَّر فعله بأنه عرف أنه يجب أن يجرى مكالمة¡ حيث تعود هاء الغيبة هنا على ذلك المنظور الداخلي » غير اللفظي « بالإحالة النحوية¡ تماماً كما استبدلنا » الفيلم السينمائي « بجملة المشهد في حالة د.لاوبن ( ف 16 ) . أما منطوقه اللفظي الفيزيائي : » أنا يجب أن أجرى مكالمة « ¡ فأمر مختلف تماماً¡ لأن الهدف منه هو الحوار التواصلي مع الآخرين¡ دون أن يشمل ذلك تعبيراً داخلياً عن مضمون الفكرة ذاتها . وحتى إذا أردنا نحن تفسير فعل زيد فقلنا : » زيد أجرى المكالمة لأنه عرف أنه يجب أن يجريها « ¡ فإن الشق الأول من الجملة يُعبر عن الفعل ذاته¡ في حين يأتي الشق الثاني مفسراً لهذا الفعل – بالفكرة – دون أن يحوى أية مؤشرات لفظية( ).
خذ مثالاً آخر: لنفرض أن قائداً ما يُحدثّ جنوده قائلاً : » ثمة قنبلة يدوية ملقاة ( بدون زمن للفعل Tenseless ) في هذه الغرفة في 1 ديسمبر 1978 « . لا شك أن الجنود سوف يحتاجون إلى الحكم فيما إذا كان 1 ديسمبر 1978 هو » اليوم الحالي « أم هو يوم في إحدى سنوات الماضي أو المستقبل. لأنه بدون هذه المعلومات لن يعرفوا ما إذا كانت هناك ضرورة ملحة للقيام بفعل ما أم لا ( ). ألا يستلزم ذلك إذن أفكاراً بها مؤشرات لفظية زمنية¿.
لا تخرج هذه الحالة عن سابقتها. إذ يمكن تفسير أي فعل يقوم به الجنود وفقاً لمبدأ القابلية للرد. فإذا اندفع الجنود مثلاً إلى خارج الغرفة¡ أمكن تفسير فعلهم هذا بإدراكهم أن القنبلة كانت ملقاة في الغرفة » وقتئذ « ¡ حيث لا تؤخذ » وقتئذ « كمؤشر لفظي¡ وإنما كتعبير يعود بالإحالة النحوية على المنظور الزماني الداخلي للجنود. ومرة أخرى يؤخذ المؤشر اللفظي هنا كعلاقة بين مفكر وفكرة ¡ لا كسمة للفكرة ذاتها ( ).
18 – العلم :
الموضوعية هي أولى خصائص المعرفة العلمية. ولا يرقى فرضُ علمي إلى مرتبة القانون أو النظرية ما لم يتجاوز حالاته الجزئية ليشمل كافة الوقائع المماثلة في أي زمان ومكان¡ ريثما تتبين ضرورة تجاوزه تحت وطأة وقائع أخرى جديدة يعجز هذا الفرض عن تفسيرها. من هنا كان الشرط الأساسي لصياغة النظريات العلمية هو ضرورة تجنب استخدام المؤشرات اللفظية. إن هذه الأخيرة تعكس منظوراً خاصاً بالناطق بها¡ في حين أن العلم مَعنُى بأن يعكس منظوراً حراً Perspective – free أو مستقلاً Independent¡ بحيث يمكن للفرض ( أو القانون¡ ومن ثم النظرية ) أن يكون متاحاً ومقبولاً من منظورات مختلفة¡ وفي أي اختبار له. فإذا ما عجزت لغاتنا الطبيعية عن الوفاء بهذا الشرط¡ كان علينا اللجوء إلى اللغات الصورية بما تمثله من دقة وموضوعية.
على أنه إذا كانت المؤشرات اللفظية قابلة للرد¡ بحيث يجمع المنطوق غير المباشر للفرض العلمي بين كل من المشهد والمحتوى ¡ فمن الممكن إذن أن ننظر إلى المؤشر اللفظي¡ لا كجزء من المحتوى ¡ وإنما كجزء من كيفية تقديم المحتوى¡ ومن ثم يصبح الزعم القائل بأن العلم لا بد وأن يتجنب استخدام المؤشرات اللفظية مجرد توصية إنشائية¡ ولا يمس جوهر النظريات العلمية في شئ. وهكذا فإذا صاغ أحد العلماء نظريته باستخدام مؤشر لفظي¡ أمكننا وفقاً لمبدأ القابلية للرد أن نحكي ما قاله¡ ومن ثم نحكي النظرية دون استخدام مؤشر لفظي¡ ليُصبح بذلك التساؤل عما إذا كان هذا العَالِم – أو لم يكن – يستخدم مؤشرات لفظية. مجرد جدلٍ واهٍ لا يستحق عناء البحث الفلسفي( ) .
19– العلم الإلهي :
على الرغم من أن قياس العلم الإلهي على العلم الإنسان قياسُُ خاطئ¡ من حيث كونه يختصر المسافة الشاسعة بين قدرات الخالق وقدرات المخلوق¡ إلا أن ساحة المناقشات الفلسفية لا تخلو من حجج تنطلق من هذا القياس¡ وتعمد إلى استخدام المؤشرات اللفظية الزمانية – وهي منطوقات الإنسان بوصفه كائناً زمانياً – كمقدمة تؤدى منطقياً إلى استحالة العلم بحوادث الزمان بدونها . وهكذا فإذا كان استخدام الإنسان لمؤشر لفظي زماني يستلزم وجوده في الزمان¡ فإن الخالق عز وجل – بوصفه موجوداً لا زمانياً Timeless ( أزلياً¡ أبدياً) – لا يمكن أن تكون لديه معرفة إشارية Indexical knowledge بحوادث الزمان¡ ومن ثم هناك شئ ما تحول لا زمانيته – تعالى عن ذلك – دون معرفته له ( ).
يسعى » سينسبرى « إلى دفع هذه الحجة بعين منهجه السابق¡ أي وفقاً لمبدأ القابلية للرد. ولقد سبقت الإشارة إلى أن أية فكرة إشارية – وبالتالي أية معرفة إشارية – يمكن التعبير عنها دون استخدام مؤشر لفظي ( ف17)¡ ومن ثم يمكن للخالق اللازماني أن يحيط علماً بالمنطوقات والمعارف الزمانية لمخلوقاته على نحو غير مباشر¡ أي بردها إلى تعبيرات لا تنطوي على مؤشرات لفظية زمانية. فعلى سبيل المثال¡ إذا كان » زيد « يعبر عن معرفته الآنية بقوله : » الآن أنا أرى الضوء « ¡ فمن الممكن للخالق اللازماني أن ينقل عنه مقولته بقوله » أنه رأي الضوء حينئذ « وبعرف بالمثل أنه رأي الضوء » حينئذ « ومن ثم يعرف – دون استخدام مؤشر لفظي – ذات الشيء الذي عرفه » زيد « ( ) .
لا شك أن » سينسبرى « أراد بذلك أن يدفع الحجة بنفس منطقها¡ لكنه وقع – فيما نرى – في فخاخ أخرى للحجة¡ إذ هل يمكن للخالق اللامتناهي أو أن يشير إلى لحظات الزمان¡ أو أن يُعين أحداثاً في الزمان بتقسيماته التقليدية : ماضي¡ حاضر¡ مستقبل ¿ . إذا كان ذلك في إمكانه فقد أصبح كائناً زمانياً¡ يجرى عليه ما يجرى على مخلوقاته ¡ وهو سبحانه منزه عن ذلك¡ أما إن لم يكن في مقدوره تحقيق هوية الحوادث في الزمان¡ فكيف يمكن له إذن أن يضع الجزء الخاص بالمشهد¡ حتى ولو لم يكن هذا الجزء بالضرورة لفظياً¿. ألا يستلزم الجزء الخاص بالمحتوى منظوراً لا منفصلاً يعود عليه بالإحالة النحوية¿ .
حقاً لقد رفض » سينسبرى « الشك بصفة عامة في قدرة الخالق عز وجل على تحقيق هوية الأشياء في الزمان¡ لكنه رد على الحجة بنفس منطقها المغلوط¡ أعنى قياس القدرات اللامتناهية لموجد الأشياء والحوادث على تلك المحدودة المتناهية لمن هو جزءُُ منها.
خاتمة:
20– كان الهدف من هذا البحث هو تبيان مدى مساهمة القواعد النحوية للغة في معالجة مشكلتيّ المعنى والصدق¡ لا سيما فيما يتعلق بتلك الجمل أو المنطوقات الإخبارية التي تحوى ما دعوناه بالمؤشرات اللفظية. إن هذه الأخيرة لا تُلقى فقط بظلالها على أية نظرية في المعنى أو الصدق¡ وإنما تؤخذ أيضاً كدوافع لخدمة أغراض فلسفية مختلفة. وقد تبين لنا – من خلال ما عرضناه من مشكلات – أن دراسة النحو من شأنها أن تلقى المزيد من الضوء على العديد من المسائل الفلسفية¡ وهو ما أكده » رسل « عام 1903 حيـن أعلن » أن النحـو يقربنا من المنطق الصحيح بأكثر مما يعترف به الفلاسفة عادة « ( ).
انصب مثالنا المؤكد لمقولة » رسل « على إحدى القواعد النحوية ذات الصلة بالمؤشرات اللفظية¡ ألا وهي قاعدة نقل الكلام عن الغير وتحويله إلى كلام غير مباشر¡ وهي القاعدة التي أحسن » سينسبرى « استغلالها كدليل مرشدٍ للمعنى¡ وبالقياس عليها أضاف عنصراً هاماً إلى نظرية » تارسكى « في الصدق ¡ بحيث تصلح للتطبيق على أية لغة طبيعية.
وترجع أهمية الكلام غير المباشر إلى عدة أسباب ¡ فهو من جهة يمثل جزءً كبيراً من منطوقاتنا اليومية ¡ وهو من جهة ثانية يمثل محوراً أساسياً لأية نظرية سيمانطيقية¡ إذ من غير المعقول أن نبحث في معنى أو صدق أية جملة ما لم يكن قد تم النطق بها من قبل شخص ما ¡ حتى ولو كان من المفترض أن تصلح النظرية للتطبيق على الكلام الممكن أو المحتمل¡ إلى جانبه ما نعرفه من منطوقات فعلية. من جهة ثالثة يفترض الكلام غير المباشر قدرة الإنسان العادي الناقل له على تحصيل المعنى بصورة عفوية ¡ ودون الحاجة إلى تنميط دقيق له أو إلى الخوض في جدل لا ينتهي حول طبيعته¡ وهل هو فكرة أم إشارة أم غير ذلك¡ وتلك نتيجة توصل إليها » فريجه « قبل غيره ¡ حين أعلن عام 1892 أننا يجب أن نصادر على وضوح فكرة المعنى لكل من يفهم اللغة ويألفها ويستخدمها¡ وأننا يجب أن نفترض أيضاً أن لأي تعبير معنى متى كان له تركيب نحوي سليم¡ ولعل » فريجه « قد توصل بذلك سريعاً إلى ما توصل إليه فلاسفة آخرون من بعده بعد طول عناء واستغراق بحث عشرات السنين قبل أن يصلوا إلى أن البحث في معيار المعنى بحث عابث( ). بل إن سبق » فريجه « لا يقف عند هذا الحد¡ ذلك أن مقاله الهام الذي عرض فيه لوجهة نظرة تلك في المعنى¡ والذي جاء بعنوان » في المعنى والإشارة « ¡ كان بمثابة النطفة – رغم وضوح النتيجة السابقة – لكافة نظريات المعنى والصدق اللاحقة. يكفي أن نشير – فيما يتعلق بموضوع بحثنا – إلى تناوله للكلام غير المباشر ¡ وتأكيده على أننا حين نبحث في معنى كلمات مقتبسة من شخص آخر¡ فإننا لا نتحدث بالكلمات عن أشياء ¡ وإنما عن الكلمات نفسها¡ بحيث تصبح لدينا علامات لعلامات Signs of signs ( ) ¡ وهو ما نعتبره أساساً لدراسات ما بعد اللغة¡ أو اللغة الشارحة للغة Meta-language ¡ والتي نميز من خلالها بين اللغة موضوع الدراسة ¡ ولغة أخرى ندرسها بها¡ حتى وإن لم يستخدم » فريجه « ذات المصطلح ¡ أو لم يضع نظرية دقيقة في معني أو صدق اللغة كما فعل » تارسكي « ومن جاءوا بعده .
بقي أن نشير إلى بعض الملاحظات حول المبدأ الأساسي الذي ناقشناه في هذا البحث¡ أعني مبدأ الانفصالية بين كل من المشهد والمحتوي في المنطوق غير المباشر . فإذا كان » سينسبرى« قد قصر مبدأ اللاإنفصالية على الكلام المنقول بطريقة غير مباشرة Oratio Oblqua ¡ بحيث يكون هناك ارتباط سيمانطيقى بين المؤشر اللفظي والضمير العائد بالإحالة النحوية¡ إلا أن هذا المبدأ يتجلى أيضاً في الكلام المنقول بطريقة مباشرة Oratio Recta ¡ أي ذلك الذي يرد فيه المنطوق الأصلي بين علامتي تنصيص (ف 1-2). فعلى سبيل المثال ¡ إذا كان المنطوق الأصلي لـ » ندى« هو : » هناك طائر على ذاك العمود « ¡ فمن الممكن لـ » زيد « أن ينقل عنها منطوقها على نحو مباشر بقوله : ندى قالت : » هناك طائر على ذاك العمود « . وعلى الرغم من أن هذه الجملة تفتقد إلى الكلمات الدالة على المشهد¡ والتي نفهم من خلالها فكرة » ندى « ¡ ومن ثم نعين المعنى الصحيح لمنطوقها الجزئي » ذاك« ( أي مكانها وموضع العمود بالنسبة لها )¡ إلا أن » زيداً « لا يستطيع أن يفصل بين الشق الأول من الجملة: » ندى قالت « ¡ والشق الثاني : » هناك طائر على ذاك العمود « ¡ لأن نطقه بالشق الثاني فقط يعنى أنه يستبدل سياقه الخاص بسياقها¡ وبالتالي يجعل المنظور المكاني خاصاً به : إن » زيداً « بذلك يشير إلى عمود مختلف¡ أو إلى عمود لا وجود له ¡ أو إلى نفس العمود ولكن ليس كما أشارت إليه » ندى «. لا بد إذن ألا يكون هناك انفصال بين » ندى قالت« ¡ و » هناك طائر على ذاك العمود « . وقد تبدو هذه النتيجة طبيعية¡ لكنها في الحقيقة ذات مغزى ¡ لأنها تثبت أن مبدأ اللاإنفصالية لا يعتمد على الإحالة النحوية¡ ذلك أن » ذاك « في الجملة السابقة لا تعود الإحالة النحوية على شئ ¡ وإنما تؤخذ كمؤشر لفظي يرتد فهمه مباشرة إلى منظور الناطق به . وبعبارة أخرى يمكن القول مع » ألثام « أن الإحالة النحوية تستلزم اللاإنفصالية¡ لكن هذه الأخيرة لا تستلزم الإحالة النحوية كما نفهم من تحليل » سينسبرى « ( ).
هذا من جهة¡ ومن جهة أخرى تحفل لغاتنا الطبيعية بعددٍ لا حصر له من التعبيرات¡ وهي تعبيرات تختلف من موقفٍ إلى آخر باختلاف ظروف النطق بها¡ ومن ثم يختلف أيضاً كمّ الكلمات اللازمة لتوضيح المشهد من محكى إلى آخر. ففي مثالنا السابق قد لا يكفي مثلاً لـ » زيد « أن يحكى منطوق » ندى « قائلاً : » بالإشارة إلى عمود ما¡ ندى قالت أنه كان هناك طائر عليه « ¡ لأن منظور» ندى « الزماني – المكاني لا زال مفتقداً. إن عدم تحديد زمان المنطوق ومكان العمود – يُحيل المنظور إلى السامع ويجعله خاصاً به أكثر منه خاصاً بـ » ندى « ¡ ومن ثم لا بد من إضافة المزيد من المعلومات إلى جملة المشهد¡ كأن نقول مثلاً: » بالوقوف عند الباب الخلفي لمنزلها¡ في الظهيرة يوم 3 يوليو 1995¡ وبالإشارة إلى العمود الكائن في الركن الأيمن من حديقة المنزل¡ والذي يبعد أربعين قدماً إلى الجنوب الغربي من مكان وقوفها¡ ندى قالت أن هناك طائرُُ عليه «.
بهذا المنطوق غير المباشر يمكننا تعيين محلية منظور » ندى « بدقة¡ ومن ثم نفهم معنى الحد المشير والضمير العائد عليه من خلال السياق¡ هذا مع افتراض أننا نعرف مسبقاً مكان المنزل¡ وهو افتراض يقتضيه المحكى بطبيعة الحال. وفي مقابل ذلك هناك منطوقات لا تستلزم عند نقلها عن الغير تفصيلاً للمشهد¡ ومثال ذلك : » بالأمس قال زيد أنه كان يوماً رائعاً « ¡ فلسنا هنا بحاجة إلى المزيد من تفصيلات المشهد لكي نعين منظور » زيد « الزماني¡…وهكذا¡ والنتيجة اللازمة عن ذلك أننا يجب أن نضع في اعتبارنا اختلاف شروط توضيح المشهد لكل منطوق نرغب في اختبار صدقه أو تحصيل معناه ( ).
أخيراً¡ ربما توفر لنا القواعد النحوية في المستقبل مخرجاً من مأزق التعبيرات اللاإخبارية¡ مثل جمل النداء والأمر والتعجب والاستفهام…¡ والتي عجزت نظرية » تارسكى « – بعد تعديلها كنظرية في معنى جمل اللغات الطبيعية – عن التعامل معها¡ باعتبار أنها لا توصف بالصدق أو بالكذب. ولقد بدأت إرهاصات هذا المخرج تتجلى في السيمانطيقا المعاصرة باقتراح مؤداه أن شروط الصدق بالنسبة للجمل الإخبارية تقابل ما يمكن أن تسميه شروط الإجابة الكامنة Aswer hood بالنسبة للجمل الاستفهامية¡ أو ما يمكن أن نسميه شروط الامتثال أو الطاعة Compliance بالنسبة لجمل الأمر¡ أي أننا لكي نفهم جملة استفهامية¡ لا بد وأن نفهم ما يجب أن تعبر عنه إجابة السؤال¡ ولكي نفهم جملة أمر¡ لا بد وأن نفهم ما يجب أن يُعبر عنه الإذعان للطالب¡… وهكذا تختلف شروط الإشباع التي تحقق المعنى من نمط تعبيري إلى آخر( ).
وتبقى في النهاية مقولة » إبراهام لسنج « : » البحث عن الصدق أثمن من امتلاكه « ¡ هي أفضل تعبير عن السعي الإنساني الحثيث نحو تعقيل العالم¡ ولن يتسنى ذلك للإنسان إلا بسبر أغوار اللغة.
وعلى الله قصد السبيل والله أعلم
-------------------------------------------------------------------
مراجع البحث :
أولاً : المراجع العربية :
1 – برتراند رسل : أصول الرياضيات¡ ترجمة محمد مرسى أحمد & أحمد فؤاد الأهواني ¡ دار المعارف بمصـــــــر¡ القاهرة¡ 1965 (الجزء الأول).
2- بهاء درويش : فلسفة اللغـة عند دونالد دافدسن ¡ منشأة المعارف¡ الإسكندرية¡2000.
3 – صلاح عثمان : الاتصال واللاتناهي بين العـــلم والفلسفة ¡ منشأة المعارف ¡ الإسكندرية ¡ 1998.
4 - لوريتو تود : مدخل إلى عـــــلم اللغة¡ ترجمـــة مصطفي التوني ¡ الهيئة المصرية العامة للكتاب¡ القاهرة¡ 1994.
5 – محمـــــد مهران رشوان : دراسات في فلسفـــــة اللغة ¡ دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع ¡ القاهرة ¡ 1998.
6 - محمود فهمي زيدان : مناهج البحث الفلسفـــــي ¡ الهيئة المصرية العامة للكتاب¡ فرع الإسكندرية¡ 1977.
7 - : فـــــي فلسفة اللغــــة¡ دار النهضة العربية ¡ بيروت¡ 1985.
8 - : نظرية المعرفة عند مفكري الإسلام وفلاســفة الغرب المعاصـــــرين ¡ دار النهضــــة العربيـــة¡ بيروت¡ 1989.
ثانياً: المراجع الأجنبية :
1 – A Kmajian, A. and others,“ Linguistics : An Introduction to Language and Communication”, The MIT Press ( Massachusetts Institute of Technology), Cambridge, London, 2001.
2 – Alston , W. P. ,“ Philosophy of Language ” , Prentice – Hall , INC , Englewood Cliffs , N. j , 1964.
3 – Altham , j. E. j. ,“ Reporting Indexicals ” , In Smiley , Timothy (ed) , “ Philosophical Logic ” , Pub.for the British academy by Oxford university press, N. Y, 1998, PP. 71 – 83 .
4 –Frege, Gottlob“ On Sense and Meaning ”, In Peter Geach & Max Black (ed), “ Translations from the Philosophical Writings of Gottlob Frege ”, Barnes & Noble books, Totowa, N. j, Reprinted 1988, pp. 56-80.
5–Kirkham , Richard L. ,“ Theories of Truth: A Critical Introduction ” , A Brad ford book , the MIT press , Cambridge , Massachusetts , London , 1992 .
6–Martinich , A.P. (ed) ,“The Philosophy of Language ”, third edition, Oxford university press, Oxford & N. Y, 1996
7–Quine, W. V.,“ Philosophy of Logic ”, prentice – Hall of India, New Delhi, 1978.
8–Runes (ed),“ Dictionary of Philosophy ”, A Helix book, pub. by Rowman & Allanheld Publishers, Totowa, N. j, 1984.
9–Russell, B.,“ Analysis of Mind ”, George Allen & Unwin, London, 1981.
10 – -----------“ Logic and Knowledge : Essays 1901 – 1950 ”, ed. By R. C. March, Unwin Hyman limited, London, 1988
11–Sainsbury, R.M.,“ Indexicals and Reported Speech ”, In Smiley, T., “ Philosophical Logic ”, PP. 45 – 69.
12–Sorabji, Richard,“ Time, Creation and the Continuum ”, Duckworth, London, 1983
13–Tarski, Alfred,“ The Concept of Truth in Formalized Languages”, In Tarski, “Logic, Semantics and Metamathematics ”, Translated by j. H. woodger , claredon presss, Oxford, 1965, PP. 152 – 278.
14– ----------------- “ The Semantic Conception of Truth and the Foundation of Semantics”, In Martinich,“ The Philosophy of Language ”, pp. 61 – 84 .
****
دكتور / صلاح عثمان
كلية الآداب – جامعة المنوفية
مجلة بحوث كلية الآداب – جامعة المنوفية
العدد السادس والأربعون
(ص ص 127 – 166)


كل الحقوق محفوظة لموقع فلسفة 2017/2004

لا تعبر الآراء الواردة في موقع فلسفة إلا عن وجهة نظر كاتبيها