الرئيسية» الرئيسية دفتر الزوار»دفتر الزوار راسلنا»راسلنا شروط»اتفاقية الاستخدام
تويتر فايسبوك
مدير الموقع
موقع فلسفة
لايستهدف جلب الأنصار و إنما تكوين أناس أحرار

موقع فلسفة
قائمة المحتويات

فلسفة

 

موقع فلسفة موقع خدمي يسعى إلى تقديم نوع من الخدمة المعرفية ، و هو موقع معني بالفلسفة ، وبالاهتمام بالفلسفة بالمعنى العام للكلمة و يتشرف باستقبال كل موضوع ينسجم مع هذه المرجعية و يتم قبول الموضوعات التي ترد إلى الموقع وفقاً لسياسات موضوعية و منهجية معينة من بينها: المحتوى والحجم ، وكذلك مستوى الموضوع ، و الطبيعة الأساسية للموقع . وبعد حصول الموضوع على الموافقة ،يتم إدراجه في الموقع .

هـُنـَا تـُـقـْـبَـلُ أرَاءُ كُمْ النِيّرَة وَ مَوْضُوعَاتُـكُمْ المُـفِيدَة
*** وجهة نظر *** دورية تصدر عن موقع فلسفة/ جميع حقوق الموقع محفوظة،© موقع فلسفة 2016/2004 - ع.فورار
لا تعبر الآراء الواردة في المقالات المنشورة إلا عن وجهة نظر كاتبيها
الوعي الجزائري و إمكانياته الفلسفية / * أ مونيس بخضرة- جامعة تلمسان / الجزائر

إن ما هو معروف عن الوعي، هو أنه جملة من التصورات و الأفكار المتنوعة ، التي تحصلها الذات عن ذاتها و عن العالم الخارجي، و الذي يجعلها في إتصال دائم معه. إذن فالعلاقة الموجودة بين الذات و العالم ،من الأجدر أن تكون محل فهم، و بتالي تكون موضوع الفلسفة. لأن الوعي دوما يقدم نفسه في شكل تصورات و مفاهيم ، و التي كلما زادت غوصا في الأشياء ، زاد ابتعادها عن المحسوسات لتقترب من المعقولات، لتنتقل إلى الخيال و التصورات اللامنطقية، و عندما تبلغ هذه المرحلة النهائية من مراحل المعرفة تخرج عن ذاتها في صورة قلب، التي بها تتجلى كظاهريات. و دور العقل هنا هو ربط ما هو الحسي بما هو تخيلي، فهو يحتل مرتبة الوسط ، بين الحس و الخيال، و حينما تصل هذه المفاهيم إلى مرحلة الخيال تظهر متناقضة فيما بينها تعكس عجزه و بتالي تظهر حدوده المعرفية، بعدما كانت تظهر منظمة و منسجمة في المرحلة السابقة ألا وهي مرحلة العقل، و أيضا حين كانت أحادية الفهم في مرحلة الحس لا منظمة و لا متناقضة. فالمرحلة الأخيرة (الخيال) ، مرحلة يتوقف فيها الوعي و يشل، و هذا يدل على أن هناك عالمين وراء العالم الحسي، و هما عالم العقل و عالم الخيال، فالعالم العقلي هو الذي يفرز تصورات متطابقة مع مبادئ العقل و مع آلياته، الأمر الذي يجعل كل تلك التصورات ثرية و مقبولة، لأنها مبدعة و تقدم الجديد، بالإضافة لأنها ليست غريبة عن العقل، و كأنها تلك التصورات التي كان يبحث عنها العقل في نشاطه، و حينما يصل إليها تشعر الأنا بالارتياح. بمعنى أن العقل في هذا الجدل كان يبحث عن نفسه، و هذه التصورات كلما تفاعلت و تجددت أفرزت لنا علما و أحكاما ، سواء كانت متعلقة بالطبيعة أو بالإنسان أو بالعلاقة التي تربطهما، و مرحلة حضور العقل هذه ، هي المرحلة التي تربط بين الوعي الحسي و الوعي التخيلي، و الفلسفة ينبغي أن توجد في هذه المرحلة، لأن الفلسفة تجد ذاتها و تحقق إستقرارها في هذا المستوى المعرفي، لتصير بعد ذلك تعبر عن طموحاتها و إرهاصاتها ، إذا فما هي إمكانيات وعينا الفلسفية؟، و ما طبيعة هذا الوعي؟.
إذا أسقطنا هذا الكشف على مضمون الوعي الجزائري بما فيه العربي بقوة العناصر المشتركة ، لا ظهر لنا أن وعينا لا زال يخضع للوعي الحسي في جميع الميادين، فالعقل العربي في عمومه لم يتحرر بعد من الوعي الحسي المباشر و لم يتمكن من الخروج من دائرته المغلقة، رغم محاولات بعض مفكرينا اليوم الجادة التي تحاول أن تحطم تلك البنية الحسية التي تشيّد وعينا منذ زمن بعيد، كصاحب من النسق إلى الذات و مشكلة الدور الديكارتي، بعدما أصبح وعينا أسيرا للحس،و الذي يدل على أنه لا زال في مرحلته الأولي من مراحل تاريخ تطوره، حتى ظهر كمرآة عاكسة للمحسوسات فقط دون أن يعقلنها، و هذا يعني أن وعينا لا يؤدي وظائفه المعرفية، بفعله ظهر العقل في حالة إستكانة، يختزل الرابط المعرفي القائم بين الوعي الحسي و الوعي التخيلي،عنه تخلى العقل عن توظيف آلياته، مكتفيا بآليات الحس التي تخضع لشروط الحس المباشر، و التي تمتاز بالظرفية و التغير و التداخل و الوهم أحيانا، و تعطي أحكاما عقلية في صور حسية، و هي كلها مخلفات الوعي الحس المباشر السلبية.
فإذا كانت وظيفة الفلسفة، هي إكتشاف العنصر العقلي، التي بسببها تحددت في إدراك للحاضر و للواقع بالفعل، فهذا يعني أن الفلسفة هي دراسة للعالم الواقعي الفعلي، و لا تهتم بتشييد عالم وراء العالم الفعلي، عالم لا يعلم أحد وجوده، فما هو عقلي متحقق بالفعل، و ما هو متحقق بالفعل هو عقلي، و الفلسفة تدفعنا للتعرّف عن الأبدي، الذي يختفي خلف ما هو حاضر، لأن ما هو عقلي متغلغل في الوجود الخارجي، من خلال عمله على التحقق الفعلي ، و هذا ما هو منعدم في وعينا الفلسفي.
و على هذا النحو، يظهر لنا العقل في صور تحكمها قوانين الوجود، التي يتفاعل معها الوعي، لأن مهمة الفلسفة هي أن تفهم ما هو موجود، و ما هو موجود هو العقل، و هذا يعني أن الفلسفة تعكس روح عصرها بطريقة فكرية، بمعنى أن الفرد لا يمكن أن يتخطى زمانه في الوقت الذي يمكن أن يتيه في الماضي أو في مخلفات العقل.
الفلسفة تبشر روح العالم الذي ينبغي أن يكون، فهي بوصفها فكرة العالم لا تظهر إلا حين يكتمل الواقع الفعلي، و تنهي عملية تطوره، فحين ينضج الواقع الفعلي حينئذ يبدأ المثل الأعلى في الظهور، ليجابه عالم الواقع و يواجهه، ذلك العالم الواقعي ذاته، مدركا في وجوده الجوهري.
حان الوقت عندنا في الجزائر لتلم الفلسفة بظروف مجتمعنا، السياسية و الإجتماعية و الدينية و الفنية و الثقافية، لأنها هي التي تشكل روح العصر، و العكس صحيح، فهي بمثابة فروع الروح الواحدة، روح الشعب، و هنا كان حضور الفلسفة ضروري لكي تتماهى الروح مع تلك الميادين، هذا الجدل يحتم على روح الشعب أن يرقى إلى مستوى الإيمان العقلي من أجل ضروريات الحياة، لكي تتوقف ألام الرغبة التي حصرتها سنين الضعف و العنف، و تتقدم العقول نحو الكلي الذي يجمعنا، فتتحد الفلسفة مع روح العصر التي تظهر فيه الآن،فهي لا ترقى فوق زمانها، ، و إنما هي تعي جوهر عصرها و زمانها، و هذا هو عصرها الخاص الذي تفرخ فيه أفكارها المستنيرة، أو أنها المعرفة الفكرية لما يوجد في ذلك العصر، مثلما الفرد لا يستطيع أن يتجاوز زمانه لأنه إبنه.
عندما يدخل الفكر و يصبح واقعا فعليا في مجتمعنا الجزائري، فإنه بذلك يسلب العالم الموجود الذي كان قائما بالأمس بعدما عافته الروح ، لأنه سلب مضمونها و هو الفكر الحر، و الروح يتحقق في الأخلاقيات و في قوة الحياة. فالفكرة حالة جوهرية للروح في الوجود الفعلي بيننا، و هكذا إذا كان على الفلسفة أن تظهر عند شعب ما، فإنها تبدأ بإصلاح الفاسد المعطل و الناشئ عن طريق الفكر، و تحدث المصالحة في العالم حيث يهرب الناس إليها ، عندما لا يعود الواقع الفعلي يرضيهم، فالفلسفة تبدأ بدمار العالم السيئ و سقوطه، و حين تظهر تنشر تجريداتها المليئة بالأمال ليكون غدنا أفضل من أمسنا، و في هذه الحالة ما تجلبه الفلسفة معها هو المصالحة، مصالحة تكون أولا في العالم العقلي قبل أن تكون في العالم الحسي الفعلي حيث مستقرها السلوكات البينية، و من هنا نجد أن اليونانيين مثلا عندما بدؤوا التفكير انسحبوا من الحياة السياسية، و بدؤوا في التفكير عندما أصبح كل شيئ في العالم الخارجي إبان حروب البليوبونيز عاصفا، عندئذ إنسحب الفلاسفة إلى عالمهم الروحي، فأصبحوا كما أطلق عليهم الجمهور آنذاك – العاطلين- و هذا يعني أن الفلسفة لا تظهر إلا عندما تصبح الحياة العامة غير مقنعة، و أيضا ظهرت الفلسفة الأيونية مع انهيار أيونيا ، في الوقت الذي لم تعد فيه الروح راضية عن العالم الحسي، لأن الإنسان يقبل على الفلسفة في مرحلة معينة من التطور الروحي، أو عند درجة معينة من الثقافة العقلية. في هذا الشأن يقول أرسطو في الميتافيزيقا"أن الناس يبدؤون في التفلسف عندما توفرت لديهم مطالب الحياة المادية، فالفلسفة نشاط حر، غير نفعي، و هي حرة، لأن قلق الرغبة أو الحاجة قد زال".
في هذا الصدد كتب دلتاي ، أن جوهر الفلسفة قد تبين أنه متحرك و متنوع إلى أقصى حد، الذي يظهر في إثارة مشكلات جديدة، و التكيّف مع ظروف الحضارة باستمرار، و الآن فإنها تنغمس في المشكلات الفردية معتبرة إياها مهمة، ثم تعود لتتحول عنها، و في مرحلة من المعرفة تعتقد أن باستطاعتها أن تحل المشكلات التي تتخلى عنها فيما بعد، باعتبارها غير ممكنة الحل.
إن سر الفلسفة و انتقالها من موضوع إلى موضوع آخر، و طريقتها في البرهنة العلمية المرادفة لما هو نظري في الفلسفة، هو الذي يمثل المعرفة النظرية كلها، و الحقيقة أن هذا السبيل ، هو الذي يرفع من انحطاطها المستمر الذي عاشته منذ إنحطاط الحضارة الإسلامية في تاريخنا الإسلامي، و الذي عادة ما يؤرخ له مع رحيل ابن رشد، و لا ربما هذا ما يشعر به المتخصص اليوم و حتى الإنسان العامي، على أن الفلسفة عندنا لا زالت جافة في تناولها للمواضيع، و لا زالت مواقفها من الواقع و الإنسان مبهمة و غير واضحة، و لا زالت تخضع للفهم الحسي المباشر ، الذي يشكل هذا الأخير البنية الثقافية للمجتمعات العربية اليوم، بينما الكثير من الشعوب خاصة الغربية منها قد تجاوزته منذ زمن بعيد، وصولا إلى الوعي العلمي المنظم الخاضع لروح المنطق، و في نظرنا أن هيمنة هذا الوعي على العقل العربي و على المخيال الإجتماعي ، يعود إلى هيمنته و تجذره عبر التاريخ ، مستفيدا من النكسات التي حدثت في تاريخنا، سواء كانت ثقافية أو سياسية أو اقتصادية و غيرها، الأمر الذي جعله يبتلع كل ما كان سائدا عندنا من فلسفات و علوم و منطق ، ليحل محلها، و يظهر كمرجعية كبرى يستند عليه وعينا اليوم، و يرمي كل ثقله على أبجدياتنا، هذا التحول هو الذي جعل الفلسفة لا تظهر بوضوح من ما هو متجلي، و كأنهما شيء واحد، حدث هذا حينما فقدت الفلسفة ماهيتها لصالح الفهم الحسي المباشر، الأمر الذي جعل العلاقة التي تربط الفهم الفلسفي و الفهم الحسي المباشر، لا ترقى إلى مستوى التفاعل الإيجابي العلمي، على إثر هذا العجز بقي الفهم الفلسفي في أحضان الفهم الحسي المباشر في بنية مستقلة، يصعب إختراقها و إخضاعها للنقد و للمناهج العلمية، و هذا الحكم نتج بسبب الإيمان بأزلية الفلسفة، و على أنها لم تزول من وعينا تماما، و لم تختفي من ممارساتنا اليومية، من رحيل ابن رشد إلى هذه اللحظات، و إنما الذي حصل للفلسفة خلال هذه المرحلة، هو أنها إنحطت في مستوى تفاعلها مع الواقع، لتتطابق تماما مع الفهم الحسي المباشر، إن لم نقل أنها أصبحت خاضعة لسلطة الفهم الحسي، الذي أصبح يملي عليها شروطه و أحكامه، السبب الذي جعل الفلسفة تصاب بالخواء ، نتيجة القوة التي إمتلكها الوعي الحسي المباشر ، مدعوما من السلطة الدينية و العرفية.
إن ازدهار الحضارة العربية الإسلامية في الماضي،حدث بفعل إزدهار بنيتها المعرفية و الفلسفية و الثقافية بوجه عام التي شكلت وعيها الإجتماعي أنذاك،و التي كانت خاضعة للخطاب العلمي المنظم، بالإضافة إلى خضوعها للمنطق التقليدي بجميع أدواته، و تشمل قواعد المعرفة العقلية ، و التي تغيرت كلها في ظل تعطل تلك الأدوات و القواعد مما أدى إلى إنكماش المعرفة العلمية وتقلص الحضارة شيئا فشيئا إلى غاية اندثارها ، و لهذا طرحت هذه البنية بجميع مكتسباتها الحضارية على الهامش، في مقابل ظهور بنية جديدة إكتسبت كل ما يتنافي مع معطيات البنية السالفة، بنية حضيت بالشرعية السياسية و الدينية و التاريخية ، سمحت لخطاب القلب و الوجدان و الحدس العفوي و الحس المباشر، أن يحل محل خطاب العقل و المنطق و المنهج و القياس و الإختلاف، و الأهم في هذا الإنتقال، هو أن الفلسفة لم تختفي من وجودنا تماما كما يعتقد البعض، و إنما الذي حصل لها هو تغير علاقاتها و أساليب عملها، بينما كانت توظف تلك العلاقات في وقت مضى، في ربط المعرفة بجميع مجلاتها بالواقع المعاش، فأصبحت الآن توظف في خدمة الوعي الحسي. و نتيجة ما يمتلكه الوعي الحسي من شروط ثابتة و مميزة، جعل الفلسفة عندنا تأخذ شروطه ، لتظهر بمظهره، كالحرباء التي تتلون بلون المكان الذي توجد فيه، و هذا لا يعني أن ذلك اللون دائم و ستبقى عليه للأبد، و إنما يتغير بتغير معطيات المكان فقط، و هذا ما هو حاصل للفلسفة عندنا، و هي أنها تنتظر تغير شروط و معطيات فكرنا لتخرج و تتحرر من ما هي عليه، إلى مرحلة مرنة و أكثر ملائمة لطبيعتها التي هي الحرية، و الحرية غير ممكنة بلا فكر، لأن أرحب مكان للحرية هو الفكر ، و هذا يعني أن الموضوع الأساسي الذي تجد فيه الفلسفة ذاتها هو الفكر ، فالفكر هو الوسط الذي تفرخ فيه الفلسفة أفكارها، كوسط الماء بالنسبة للسمكة.
إن المهمة التي هي على عاتق الباحثين و المنشغلين بالفلسفة الآن، هي إكتشاف الفلسفة من جديد، و في نشر الحقائق و التصورات الصحيحة، لأن كل ما يتغذى منه العقل العربي اليوم، و فكرنا، هو مجرد أفكار فقدت حيويتها من كثرة تناولها، و الفلسفة كما هو معروف تتعارض مع مثل هذا النمط، لأن من فقد شبابه لا يستعيده أبدا كفعل، و إنما يستعيده كشعور ، هو الشيئ الذي يساعد على السكون و الخمول، خاصة و نحن نعيش على أفكار أصولها في الماضي، حتى صرنا أكثر إنجذابا إلى الماضي منه إلى الحاضر و المستقبل، إنجذاب حدث بسبب نوعية الأفكار المتداولة التي تشكل الروابط المعرفية و الإجتماعية، و بمعنى أخر أصبحت هذه الأفكار تشكل بنية صلبة كمعيار وحيد لوجودنا.
إن كل عمل للتحرر من هذه النمطية،لا يقوم إلا على تحطيم تلك البنية ، من أجل إستحداث بنية جديدة تحمل كل ما يساعد على قيام الحضارة، فإذا كان أهم إكتشاف بلغته الفلسفة الحديثة في بدايتها، هو إكتشاف ديكارت لفكرة الكوجيتو –أنا أفكر إذن أنا موجود- ، الذي قصد به أن الفكر هو ماهية الأنا، و الأنا دليل وجودها هو فكرها، و وجودها مرهون بلحظات فكرها، فلا أنا بدون فكر، و لا فكر ينشأ خارج الأنا، فالعلاقة الموجودة بين الأنا و الفكر هي علاقة إلزامية، كالعلاقة التي تربط المادة بالثقل، فالفكر نابع من قدرة الأنا على الإرادة ، و إثارة الشكوك، و كلاهما مظهران لعملية التفكير، و الإرادة و الشك هما إحدى أهم خيارات الحرية، فالفكر هو الحرية بذاتها، لأن الفكر لا يقوم ما لم يكن حرا، و هذا يعني أن الحرية و الفكر شيئ واحد، فبمجرد التمعن في فكرة ما و مقارنتها بفكرة أخرى ، و تحكم عليها بالزيادة و النقصان ، يكون هناك فعل يعكس الحرية، إذن فالأنا حرة بالفكر، و هذا يعني أن الفكر هو الخاصية الجوهرية للحرية، إذن يمكن أن نقول ، أنا أفكر إذن أنا حر ، فبعدما كانت الحرية في صلب الفكر ، و لما كان الفكر هو الموضوع الجوهري للفلسفة ، فهذا يعني أن الغاية الأساسية التي تسعى إليها الفلسفة هي الحرية، فهي في تاريخها تريد أن تشيد مملكة الحرية، و هذا ربما هو الذي جعل قضاياها و دروبها و تياراتها كثيرة و متباينة عبر تاريخها، فكل مذهب ظهر في تاريخها قبل إكتماله إلا و يظهر تهافته، و هذا لا يعني أنه كان خاطئ و إنما هو أظهر عدم رضاه عن ما كسبه من حرية، الشيئ الذي يحتم على ظهور مذهب يعارضه ، لعله يبلغ إلى ما عجز عنه المذهب الأول، فالفلسفات منذ نشوؤها إلى غاية اللحظة لم تكن راضية عن مكاسبها و ما حققته من حرية باستثناء الهيجلية طبعا، التي إدعت أنها بلغت العالم الحر المطلق، و ما تهافتها لحل طلامس الموجودات إلا دليل تهافتها على التحرر من تلك الطلامس.
إن دافع الحرية هو محرك الفلسفة في التاريخ، و كل تيار بعدما يدعي أنه أنهى واجبه اتجاه الحرية ، سرعان ما تنكشف له أفق حدود فلسفته، فالمعرفة بشموليتها هي داخل سجن، سجن كبير كبر الوجود، و ما دامت الأنا ضمن منطق الوجود، فهي تسعى دوما إلى بلوغ أفق الوجود ، لتتجاوزه إلى اللاوجود، فالأنا تعمل من أجل اللاوجود، لأن طموحات الأنا لا نهائية، و ربما هذا ما كان يقصده أفلاطون في ثياتيتوس، أو في نظرية العلم، حينما راهن على أن المعرفة الحسية تضيق من أفق النفس، رابطا كل ما هو حسي بالشر، فعالم المثل بهذا الطرح كان خياره الأخير، ليجعل الأنا في حريتها المطلقة، و المعرفة ما هي إلا وسيلة تلجأ إليها النفس لبلوغ عالمها الحر و الأصلي ، و هذا يعني أن المعرفة لا تضيف شيئا للنفس من العلوم و الثقافة كما نعتقد نحن، لأنها تذكر فقط، و عملية التذكر هي عملية تحرر النفس ، فكلما زاد تذكرها زاد أملها في بلوغ عالمها الحر، فبلوغ هذا الحرية أصبح مرهون بالمعرفة، فالمعرفة المطلقة هي التي تدرك بها الحرية المطلقة- المعرفة المطلقة في مقابل الحرية المطلقة-، ووجود النفس في العالم السفلي الدنيوي، يعني أنها تبقى تعيش عذاب نسبياته و ما ينتج عنها من جهل، فهي كالسجين فيه، سجين يحمل في يديه مفاتيح سجنه، و لكنها مفاتيح ثقيلة تنهك ثاقليه، القليلون هم الذين يستطيعون التحرر من سجونهم ، فهذه المفاتيح هي المعرفة بالنسبة للنفس في هذا العالم، إذن الفلسفة هدفها الأسمى هو الحرية بمفهومها الفكري، فالمرء حين يفكر، فهو يحاول أن يعثر أثناء تفكيره عن حريته و عن أساس لحياته الأخلاقية.
إذن فلا بد أن نقيم رابط الذي يربط عقولنا بما هو حادث وفق مبادئ ، و أن نلزم الواقع لكي يخضع للعقل، و في نفس الوقت نحرره من سيطرة ما هو حسي عليه، لأن هذا النوع من الإيمان يذيب الثراء الداخلي للحياة العامة، و يفكك نسج وعينا الذي وجب أن يكون معقلنا، لأن واقعنا لازال أبيقوريا، الذي أراد أن يقيس الحقيقة بمقاس الإدراك الحسي، و محاولة إخضاع العالم للآراء العرفية ذاتها، و إلى ألاعيب الصدق و نزوات الأهواء مثلما قال مفستوفوليس في قصة جوته:
" احتقر العلم و العقل ما شئت
و هما أجل و أغلى ما يملكه البشر
ثم تعال فلقي بنفسك بين مخالب الشيطان المخلص
ليخدعك بسحره و حيله". فاوست
• ص ب 317 الرمشي 13500 الجزائر


كل الحقوق محفوظة لموقع فلسفة 2017/2004

لا تعبر الآراء الواردة في موقع فلسفة إلا عن وجهة نظر كاتبيها