الرئيسية» الرئيسية دفتر الزوار»دفتر الزوار راسلنا»راسلنا شروط»اتفاقية الاستخدام
تويتر فايسبوك
مدير الموقع
موقع فلسفة
لايستهدف جلب الأنصار و إنما تكوين أناس أحرار

موقع فلسفة
قائمة المحتويات
بكالوريا 2017

فلسفة

 
www.000webhost.com

موقع فلسفة موقع خدمي يسعى إلى تقديم نوع من الخدمة المعرفية ، و هو موقع معني بالفلسفة ، وبالاهتمام بالفلسفة بالمعنى العام للكلمة و يتشرف باستقبال كل موضوع ينسجم مع هذه المرجعية و يتم قبول الموضوعات التي ترد إلى الموقع وفقاً لسياسات موضوعية و منهجية معينة من بينها: المحتوى والحجم ، وكذلك مستوى الموضوع ، و الطبيعة الأساسية للموقع . وبعد حصول الموضوع على الموافقة ،يتم إدراجه في الموقع .

هـُنـَا تـُـقـْـبَـلُ أرَاءُ كُمْ النِيّرَة وَ مَوْضُوعَاتُـكُمْ المُـفِيدَة
*** وجهة نظر *** دورية تصدر عن موقع فلسفة/ جميع حقوق الموقع محفوظة،© موقع فلسفة 2016/2004 - ع.فورار
لا تعبر الآراء الواردة في المقالات المنشورة إلا عن وجهة نظر كاتبيها
مدن الخردّة والنّار / أ مونيس بخضرة- جامعة تلمسان.*

- المدينة، هي عبارة عن أرض متحجرة بلا روح، بهذه الكلمات و صف أزوالد شبنغلر طبيعة المدن في بداية القرن العشرين، على أنها تمثل مشهد النهاية الأليم و دليل أفول حضارة الغرب العريقة، إذ يرى أنها تمثل الأماكن التي تتجمد فيها الحياة، لأن البشر فيها يصبحون عقاما في أجسادهم و أرواحهم و أنفسهم.
شبنغلر في طرحه هذا يسوق دليلين للبرهنة على نظريته، على أن إنتشار المدن و نموها يمهدان الطريق في صورته عن العالم إلى الأفول، فالدليل الأول يعتقد فيه أن المجتمعات تفقد قواها الفكرية و الثقافية من خلال الإستطان في المدن، لأنه يعتبرها نشآت متجمدة و ساكنة لا تنبض بالحياة الإجتماعية، و لا يحدث فيها أي تجدد ثقافي ، فضلا عن أنها لا يتدفق منها أي عظمة فكرية، بل ما يحدث فيها هو تجمد الإنسانية ، و إن نشوء أية مدينة كبرى هو رمز الموت للحضارة و للحياة.
أما الدليل الثاني، فيظهر حينما تتحول المدن إلى مدن شبه إمبريالية، إذ أن المدن ستكون غرضا ووسيلة لتصرف القوى العظمى كما كانت عليه مدينة روما في القديم، حيث تنتصر إمبراطورية ما بالسيطرة على مناطق أخرى، كمنطقة البحر الأبيض المتوسط، و باريس في سيطرتها على دول شمال إفريقيا، و لندن على الهند و مصر و العراق في العصر الحديث، و واشنطن على العراق و أفغانستان و على الكثير من النقاط الحية على كوكب الأرض الآن، و تعلنها إنطلاقا من عاصمتها إقليما تابعا لها.
فوجود أي مدينة عظمى سواء كان في الماضي أو في الحاضر ، هو وحده الذي يؤدي بشكل إمبريالي إلى نشوء إقليم يخضع لها، سواء عسكريا أو سياسيا أو إقتصاديا أو ثقافيا و حتى رمزيا، و هذا لأن جل المدن المعاصرة فائقة التقدم، نشأت من وضع إستعماري و من إضطهاد ثقافات إقليمية أخرى ضعيفة، و لكن هل نظرية شبينغلر هذه صحيحة بإطلاقيتها على جميع المدن بنفس القدر؟.
في الحقيقة ليست كل مدن العالم ينطبق عليها هذا الطرح بنفس القدر، لأن مصير سكان المدن حليا ليس سيئا بنفس الدرجة، و ليس كلهم أموات ينتظرون من يبعث فيهم الحياة، كأجساد منتنة تعافها النفس، و الصحيح من فيلسوف المدن و التاريخ هذا، هو أن هذا المصير سيكون مصيرنا ، نحن أبناء المدن النامية البائسة، و ليست دليل أفول الحضارة الغربية المتطلعة، بعدما أصبحت مدنها نجوما تتلألأ في ظلام العالم المعاصر، و أصبحت تصنع لوحاتها الفنية الرائعة و أشكال هندسية دقيقة، قلوبها النابضة بالحياة و الحيوية و مراكز نشاطها الدؤوبة ، بحدائقها الخضراء تسر الناظرين، و بتعدد ألوان ساكنيها من أبيض و أصفر و أحمر و أسود كخليط كيس مرجان باهض الثمن، بقدر ما هي دليل على إتساع همجية شعوب مدن العالم المتخلف، التي تتغذى من النار و الخردة، شعوب تعيش في شوارع الإسمنت و أسواق الخردة، و على الفقر و الجريمة و الإنحلال الخلقي، جلهم يعيشون في أحياء أشبه بالجحور.
و خير دليل على خطورة وضعية هذه المدن، هو أن الدراسات الجديدة أظهرت أن عما قريب سيعيش مليار من البشر في أحياء قذرة و مزدحمة، أغلبهم من مدن الجنوب، و كما هو بين من آخر تقارير الأمم المتحدة بشأن مستوطنات البشرية، أنها تتطور بشكل سريع في إفريقيا و آسيا على وجه الخصوص، فإدارة هذه المدن المكتضة هو التحدي الذي يواجه حكومات القرن الحادي و العشرين.
في السنة الماضية و لأول مرة في تاريخ البشرية ، تساوى عدد ساكني المدن معد عدد ساكني الأرياف، و يشكل هذا الحدث التاريخي علامة لا تشير فقط على التحولات التي طرأت على التركيبة السكانية فقط، بل الأمر الأكثر أهمية إلى التحولات الإجتماعية و الثقافية و الإقتصادية التي تنشر ضلالها على حياة بني البشر.
فقبل مائتين عام كان الوجود الإنساني في معظمه ذو طبيعة زراعية، و أقل من ثلاثة بالمائة من مجمل السكان كانوا يقطنون المدن، و إذا كانت أثينا قبل ألفين عام ، أعظم مدينة في العالم قاطبة، إلا أن مجمل عدد سكانها أنذاك كان لا يتعدى ثلاث مئة ألف نسمة، أي أنها كانت تشكل جزءا متواضعا مقارنة بعدد سكان مدينة القاهرة اليوم على سبيل المثال، علما أن عدد سكان شارع من شوارع القاهرة يفوق ما آوتهم مدينه أثينا في ذلك الزمن، و إذا كان هذا التباين يجعل من الصعوبة بمكان تقدير السرعة التي تنمو بها المدن العملاقة فعلا ، إلا أن البيانات تبين أن مدن العالم النامي تأوي أضعاف ما تأويه مدن العالم المتقدم، الأمر الذي جعل مدن العالم النامي تتحول مع مرور الوقت إلى قنابل إجتماعية، قنابل موقوتة قابلة للإنفجار في أية لحظة، و تتأتى القوة التفجيرية الكامنة في هذه القنابل ، من التفاوت في التوزيع، و من جميع الأفات الإجتماعية المعروفة التي لا داعي لذكرها، و التي ولدت شعورا لدى معظم سكانها بالعزلة و الحرمان، لا فرصة لهم في قطف ثمار التقدم، و الأخطر من ذلك أن هذه المشاكل تزداد يوما بعد يوم مع زيادة ساكني تلك المدن، لتتعاظم بشراسة في مدن الصفيح و الفقر و العزلة، التي نجمت عنها أزمات متنوعة كالصحة و الماء الشروب و التعليم و السكن و العمل و غيرها من المشاكل.
لقد أظهر مؤتمر فانكوفر سنة 2006 بكندا بإشراف هيئة الأمم المتحدة، أن عدد سكان المدن النامية سيرتفع في غضون الثلاثين عاما القادمة إلى ضعف ما هو عليه اليوم، أي أن عدد سكان المدن سيقفز إلى ملياري نسمة، فعلى سبيل المثال أن مدينة بومباي الهندية وحدها تأوي على ما يزيد عن عدد سكان السويد و النرويج معا، فثلث سكان المدن يعيشون بلا سكن مناسب ، و من غير أن تكون لهم فرصة الحصول على مستلزمات الحياة العامة، و الأخطر من هذا كله أنه إلى حد الآن لا يزال من الصعوبة التعرف على طريقة صحيحة لإدارة مشاكل هذه المدن.
إن البعد الذي تتصف به مدن العالم المتقدم يخلق ديناميكيات جديدة ، و يؤدي إلى علاقات شمولية لا عهد لنا بها في سابق الزمن، و على صعيد آخر يفرز هذا البعد تفاعلات جديدة بين عمليات التحول السكانية و الإجتماعية و الإقتصادية و البيئية، فمدن العالم المتقدم تشكل مراكز إقتصادية كبرى، إنها بمثابة بوتقة التي ينصهر فيها أناس يأتون من شتى بقاع العالم.
ففي بعض مدن الولايات المتحدة الأمريكية على سبيل المثال، يزيد حجم الدخل الذي تحققه على الدخل القومي الذي تجنيه بعض الدول، فلو نظر المرء مثلا إلى كبريات المدن الأمريكية الخمسة كنيويورك و لوس أنجلس و شيكاغو و بوسطن و فيلاديفيا، على أنها تشكل دولة واحدة لكانت هذه المدن رابع أكبر إقتصاديات العالم قاطبة، و هذا عكس تماما ما هو مطلوب في المدن العالم النامي، المشلولة إقتصاديا و ثقافيا ، فإن نمو المدينة السليم يصاحبه نمو إقتصادي قوي الذي يساعد على خلق التوازن داخل المدينة، فمعظم سكان مدن العالم النامي يعيشون في أحياء فقيرة و الغني عني البيان أن كلما إرتفع سكان هذه المدن يؤدي إلى إرتفاع فقرائها، الذي يعيق قدرتها على التطور .
و في الواقع أن الأمر الذي لا شك فيه، هو أن تخطيط المدن في إطار وطني موحد هو أحد أهم الخيارات الفعالة ، فإذا ما تحققت الخطط التنموية الناجعة، فإن المواطنين سيشعرون بإغواء كبير يدفعهم للسكن في المدن الصغيرة و في القرى و الأرياف و ليس في المدن الكبرى فقط.

ملاحظة:
من أراد أن يطلع على الموضوع أكثر فلينظر:
- أزوالد شبينغلر: تدهور الحضارة الغربية، ترجمة أحمد الشيباني، منشورات دار مكتبة الحياة بيروت
- مجلة فكر و فن، العدد 87،2007 معهد غوته، بون ،ألمانيا

* ص ب 317 الرمشي 13500 تلمسان الجزائر


كل الحقوق محفوظة لموقع فلسفة 2017/2004

لا تعبر الآراء الواردة في موقع فلسفة إلا عن وجهة نظر كاتبيها