الرئيسية» الرئيسية دفتر الزوار»دفتر الزوار راسلنا»راسلنا شروط»اتفاقية الاستخدام
تويتر فايسبوك
مدير الموقع
موقع فلسفة
لايستهدف جلب الأنصار و إنما تكوين أناس أحرار

موقع فلسفة
قائمة المحتويات
بكالوريا 2017

فلسفة

 
www.000webhost.com

موقع فلسفة موقع خدمي يسعى إلى تقديم نوع من الخدمة المعرفية ، و هو موقع معني بالفلسفة ، وبالاهتمام بالفلسفة بالمعنى العام للكلمة و يتشرف باستقبال كل موضوع ينسجم مع هذه المرجعية و يتم قبول الموضوعات التي ترد إلى الموقع وفقاً لسياسات موضوعية و منهجية معينة من بينها: المحتوى والحجم ، وكذلك مستوى الموضوع ، و الطبيعة الأساسية للموقع . وبعد حصول الموضوع على الموافقة ،يتم إدراجه في الموقع .

هـُنـَا تـُـقـْـبَـلُ أرَاءُ كُمْ النِيّرَة وَ مَوْضُوعَاتُـكُمْ المُـفِيدَة
*** وجهة نظر *** دورية تصدر عن موقع فلسفة/ جميع حقوق الموقع محفوظة،© موقع فلسفة 2016/2004 - ع.فورار
لا تعبر الآراء الواردة في المقالات المنشورة إلا عن وجهة نظر كاتبيها
السببية , والحرية , والهوية , عند هيوم / نبيل حاجي نائف

إن من أهم ما جاء به هيوم هو تفسيره للسببية فهو يرى أن ما يجعلنا ندرك أن شيئاً ما سبب لشيء آخر هو قدرة الذهن على الربط بينهما وملاحظة أن الأول سبب أو مؤثر والثاني مسبب أو أثر. واستخدام السببية في التفكير هو آلية ذهنية .
أن الفلاسفة السابقين قد أسسوا السببية على الضرورة ، حيث اعتقدوا أن هذا المفهوم قائم على ما في الطبيعة من ضرورة وكذلك على القوانين المنطقية والطابع المنطقي للتفكير . لا ينكر هيوم هذه الوجهة في النظر، ويذهب إلى أن السببية ليست إلا انتظاماً معيناً لتسلسل ما , وعلى هذا الأساس فلا يمكننا تقديم تبرير عقلي لسبب باعتباره قادراً على إحداث نتيجة ما، لأن السببية بذلك سوف تكون مجرد تتابع لأحداث، وليس في هذا التتابع أي ضرورة طبيعية أو منطقية , وكل ما تؤكده الخبرة هو ارتباط سبب بنتيجة في الماضي . أما الانتقال إلى حتمية هذا الارتباط في المستقبل فلا يمكن تبريره . فبناءً على أحداث الماضي لا يمكن التنبؤ بأحداث المستقبل إلا بشكل احتمالي , وما كان منتظماً في الماضي يمكن ألا يكون منتظماً في المستقبل , ودون الوقوع في أين تناقض عقلي .

يقول هيوم في ذلك:
\"إذا طرأ أي شك حول امكان تغير نظام الطبيعة ، وأن الماضي يمكن ألا يكون قاعدة للمستقبل ، فسوف تصبح كل الخبرة بدون فائدة ، ولن تؤدي بذلك إلى أي استدلال أو نتيجة. من المستحيل أذن أن تكون أي حجة من الخبرة قادرة على ذلك التضامن بين الماضي والمستقبل ، بما أن هذه الحجج مقامة على أساس هذا التطابق\" .
و يتابع فيقول :
\" وإذا لم يكن من الممكن تقديم حجة من الخبرة على ضرورة السببية ، فإن هذا يفسر على أنها نتيجة استعداد ما في العقل البشري، وهذا الاستعداد هو العرف والعادة , طالما أنتج كل تكرار لفعل أو عملية نفس النتيجة ، دون تدخل من استدلال أو عملية تخيلية يقوم بها الفهم، فنحن نقول أن هذا التوجه هو أثر للعادة . وباستخدامنا لهذا المصطلح لا نهدف تقديم سبب نهائي لهذا التوجه. \"
فالسببية لا يمكن ملاحظتها لكن فقط تصدق على أساس العادات السببية هي حالة أو موقف تحدث تأثيراً معيناً. إنها تتعامل مع العلاقة ما بين السبب وتأثيراته . إنه باستثناء الخبرة ، لا يمكن لنا أن نستدل على صلة ما بين السبب وتأثيره : عندما نتمعن في مسألة معينة ونأخذ في اعتبارنا فقط أي هدف أو سبب كما تبدو للذهن ، مستقلة عن كل الملاحظات ، فإنها لا يمكن أن تدلنا على فكرة أو رأي واضح ، مثل تأثيراتها .
ويستنتج هيوم أن: لأننا لا يمكن أن نعرف، مثلاً ( كافة) أسباب سقوط صخرة من أعلى، وأيضًا لا يمكن لنا نعرف أسباب العالم .
ومبدأ السببية عند هيوم ليس سوى ربط ما بين تأثيرات متتالية. فمن خلال العادة والعرف ( نتوقع ) أن يحدث هذا التتابع؛ ولكن في عالم الواقع لا يوجد ارتباطات ضرورية حتمية بل احتمالية . ويمكن أن تكون عالية الدقة جداً كالقوانين الفيزيائية . و هيوم لم يرفض أبداً مبدأ السببية لقد اعترف بأنه سوف يكون الأمر سخيفاً إذا تمسكنا بأن الأشياء تقوم وتحدث بدون أسباب . ما حاول أن ينكره هو تواجد طريقة فلسفية لتكوين مبدأ السببية. إذ أن مبدأ السببية ليس سوى مجرد علاقة تحليلية من الآراء ، فهو اعتقاد مؤسس على ارتباط اعتيادي لأحداث متتابعة .
نحن فقط نشير إلى مبدأ في الطبيعة الإنسانية متعارف عليه عموماً ومعروف جيداً عن طريق آثاره . وبهذه الطريقة فإن العادة هي التي تمكننا من التنبؤ بالمستقبل بناء على الماضي ، وبالتالي نستطيع بها تحقيق أهدافنا ، ونحدث انسجاماً بين نظام الطبيعة وتتابع أفكارنا. أما الاعتقاد في وجود ( أسباب نهائية ) أو علل أولى كما يعتقد أصحاب المذاهب الفلسفية فلا مبرر له وهو مجرد وهم .
وليس هناك وجود لأي ضرورة في مفهوم السببية الذي يعتمد على العادة ، ذلك لأن المستقبل يمكن ألا يكون على شاكلة الماضي . وكل ما نستطيع أن نؤكده بناء على هذا المفهوم للسببية هو أن الانتظام الذي اكتشفته الخبرة في الماضي ( يمكن ) أن يحدث و( يمكن ألا يحدث ) في المستقبل، بمعنى أن هذا الانتظام وذلك الاتفاق بين الماضي والمستقبل يدخل في مجال الاحتمال وليس له أي علاقة بالضرورة . والاحتمال هو المفهوم الوحيد الذي يمكن التوصل إليه من الخبرة السابقة بناء على استدلال عقلي ولا يمكن التوصل إلى أي ضرورة باستدلال عقلي ، لأن هذا الاستدلال ليس سوى الاعتقاد في أن المستقبل سوف يكون على شاكلة الماضي، الاستدلال إذن قائم على اعتقاد وتوقع لا على أي ضرورة منطقية أو حتمية.
غيران الفكر الإنساني لا يقتصر فقط على الآثار الحسية بل هناك أعمال عقلية ترجع إلى تداعي المعاني أي إلى ترابطها بعضها ببعض مثل فكرة العلية التي قال عنها العقليون أنها من الأفكار الفطرية في حين أنها راجعة فقط إلى التجاوز في المكان و التعاقب في الزمان,و إلى العادة كذلك .
فالأصل في فكرة العلية هو ما نشا من تجاور الظواهر و تعاقبها مما يحملنا على الاعتقاد بأنه كل ما حدث شيء نتج عنه شيء آخر فنسمي الأول علة و الثاني معلول . و الواقع انه ليست العلّية خارجة عن التجاور و التعاقب و العادة .
فانا حينما أرى كرة البلياردو تتحرك فتصادف كرة أخرى فتتحرك هذه أيضا فليس في الحركة الأولى ما يظهر على الحركة الثانية و إنما مرجع الأمر في ذلك إنني اعتدت ان أتوقع حركة الكرة الثانية كل ما تحركت الأولى التي تجاورها \"
يبحث هيوم عن أصل اعتقادنا في وجود موضوعات العالم ، وما إذا كان مبني على الحس أو على العقل . فيرى بأن الاعتقاد في الوجود المستقل للموضوعات ( أي الوجود الموضوعي للأشياء) عن العقل الإنساني واستمرارها في هذا الوجود لا يعتمد بشكل مباشر على الحس أو العقل . فالحواس غير قادرة على تأكيد الوجود المستمر للموضوعات في حالة غيابها عن أعضاء الحس . وإذا كان للحواس دور في إدراك الموضوعات، فإن هذا الدور يتمثل في إدراكها للاختلاف والتمايز بين هذه الموضوعات لا إدراكها لاستمرارها في الوجود . فكل انطباع للحواس هو إدراك لشيء واحد بسيط ليس فيه أي استمرار. فإذا كانت الحواس قادرة على إدراك الأشياء وإدراك شيء آخر غيرها وهو النفس الإنسانية ، إلا أنها ليست قادرة على التمييز بينهما ، ذلك لأن الحواس لا تدرك إلا الجسد الإنساني باعتباره شيئاً مادياً مثله مثل أي شيء مادي آخر في هذا العالم، لكنها لا تستطيع أن تدرك النفس ولا أن تميز بين النفس والجسد .
الحرية والأخلاق
يُعتقد هيوم أن الحرية الإنسانية تتمثل في القدرة على القيام بأفعال بناء على الإرادة الحرة ، ويُنظر إلى هذه الإرادة الحرة على أنها الإرادة العقلانية التي تؤدي إلى سلوك عقلاني سليم متفق مع قواعد العقل.
وينظر هيوم إلى الحرية الإنسانية على أنها صادرة عن إمكانية تغيير الإنسان لسلوكه بناء على رغباته وأهدافه.
وليست الحرية الإنسانية عند هيوم مفهومة في إطار العقل والمنطق، بل مفهومة في إطار الطبيعة الانفعالية المتغيرة للبشر. فهو ينظر إلى تقلب السلوك البشري على أنه هو هذه الحرية الإنسانية ذاتها.
فليس العقل هو ما يجعل الإنسان حراً، بل طبيعته المتغيرة المتقلبة المشروطة بالانفعالات. فلا يمكن أن يكون العقل مصدراً للحرية، لأن إتباع العقل هو الضرورة وهو الحتمية بعينها، ويستطيع الإنسان الانفلات من الضرورة والحتمية بناء على طبيعته المضادة للعقل.
ولا يعني خروج السلوك الإنساني عن العقل أن هذا السلوك غير منتظم وبدون أسباب، بل على العكس، إذ يعني أن السلوك الإنساني مبدأه الأساسي الدوافع والرغبات والانفعالات . هذه هي القواعد اللاعقلانية للسلوك الإنساني . فهو يصف السلوك الإنساني كما هو قائم بالفعل , وينظر هيوم إلى السلوك الإنساني ( وحريته ) على أنه مشروط بالطبيعة الإنسانية ، ولأنه ينظر إلى هذه الطبيعة الإنسانية على أنها طبيعة بيولوجية حسية نفسية في الأساس ولا يحتل فيها العقل إلا دوراً ضعيفاً ، فهو يذهب إلى أن كل سلوك إنساني صادر عن الطبيعة الأساسية للإنسان , وهي التي تشكل دوافع للفعل ، تماماً مثلما أن كل حادثة في الطبيعة تسبقها حوادث تؤدي لها.
ولا يعطي هيوم شأناً كبيراً للحرية أو الإرادة في مجال السلوك الإنساني ، فهو عنده مقيد بما لدى الإنسان من أحاسيس وعواطف وانفعالات تحدد رغباته وأهدافه وتوجهاته ، وهي تضم السعي نحو اللذة وتجنب الألم وتلبية دوافعه. والأهداف الإنسانية ليست كلها أهدافاً عقلية أو صادرة عن مبادئ عقلية ، ولا يسلك الإنسان سلوكه اليومي بناء على قواعد العقل، بل بناء على طبيعته الفزيولوجية والنفسية .
أن ما يجعلنا نصدر أحكاماً أخلاقية حول ما إذا كان فعل ما فضيلة أو رذيلة، صح أو خطأ، مستحق الثناء والمديح أو اللوم والذم، لا يعتمد على فكرة مجردة أو قيمة عقلية نتوصل إليها باستدلال أو برهان، بل يعتمد على ما لدينا من دوافع ورغبات وانفعالات .
فإصدار حكم أخلاقي يعتمد على انطباع ما وهذا الانطباع يأخذ صورة إحساس أو انفعال. فالبشر يجدون أنفسهم مدفوعين نحو القيام بفعل ما لأنهم يعتقدون أنه خيِّر أو صحيح، أو لأنهم يعتقدون أنه لن يؤدي إلى الخطأ أو إلى نتائج سلبية وخيمة.
إن قواعد الأخلاق ليست ناتج استدلالي وإثبات عقلي . بل نتاج اعتياد الناس على جني المنافع وتجنب الضرر، والسعي نحو المنافع وتجنب الأضرار شيء خاص بالدوافع الفزيولوجية والأحاسيس والانفعالات لا العقل . وما يجعل فعل ما فضيلة أو رذيلة ليس أي مبدأ عقلي أو قيمة أخلاقية بل تلك الدوافع والأحاسيس والانفعالات التي أدت إلى هذا الفعل , والظروف المحيطة بالفعل , ولأن هذه الظروف المحيطة معطاة سلفاً ويجد الفاعل نفسه محاطاً بها، فإن أي سلوك إنساني يصدر وفقها لن يكون صادراً عن الاحتكام للعقل فقط بل سيكون مجرد رد فعل عليها أو استجابة لها. ودائماً ما يكون الفعل الصادر عن الظروف المحيطة مجرد رد فعل ، فيه إرادة العقلانية طبعاً , ولكن تتحكم فيه الأهواء والمصالح الذاتية أيضاً .
ويميل هيوم إلى اعتبار أن الفضيلة والرذيلة ليستا إلا وجهة نظر إنسانية بحتة صادرة عن الطبيعة البشرية وليس لهما وجود موضوعي في العالم مستقل عن الطبيعة البشرية ، ذلك لأنهما مؤسسان على فكرتي المفيد والضار أوالخير والشر . فالفيضانات والبراكين والزلازل ليست إلا ظواهر طبيعية، أما في نظر الإنسان فتصبح شراً أو عقاباً، وذلك لما لها من آثار ضارة على الحياة الإنسانية . وكذلك الحال بالنسبة للأفعال الإنسانية التي توصف بالفضيلة أو الرذيلة ، فهذه الأشياء ليست قيماً مطلقة وليس لها وجود واقعي مستقل عن انفعالات البشر، لكن يستخدمها الناس باعتبارها مبادئ أخلاقية بالنظر إلى ما يعود عليهم من نفع أو ضرر على الأفراد وعلى المجتمع .
لذلك كثيراً من المفكرين بعد هيوم اعتمدوا على التفرقة والفصل الحاسم بين أحكام الواقع وأحكام القيمة ، بين العلم الواقع من جهة , وبين الأخلاق والقيم من جهة أخرى . وبين الموجود والواجب . فالواجبات الأخلاقية قضايا ناتجة عن واقع اجتماعي الموجود فيه الفردة ، يمكننا مراجعته لاكتشاف تطابق هذه القضايا مع ذلك الواقع. بل هي من جنس آخر غير جنس الطبيعة وعالم التكوين.
الهوية ( الشخصية )
رأى هيوم أنه ليست أشياء العالم الخارجي وحدها هي التي نعتقد في وجودها واستمرارها عبر الزمان، فهناك أيضاً الأشخاص ، وأولهم الذات أو المرء باعتباره شخصاً. لكن كيف نحصل على فكرة عن الهوية الشخصية، أو وعي المرء بذاته باعتباره موجوداً ومستمراً عبر الزمان؟
أن الذي يجعلنا نقطع بوجود شيء واستمراره عبر الزمان هو استقبالنا المستمر والدائم لانطباعات من هذا الشيء. لكن النفس الإنسانية ليست كذلك، فنحن لا نتلقى منها انطباعات مستمرة عبر حياتنا. وإذا كنا نحصل على انطباع عن أنفسنا ، فإن هذا الانطباع يحدث في زمن محدد ولا يتكرر دائماَ . وبالتالي يصل هيوم إلى القول بأن فكرة النفس لا ترجع إلى الحواس ، ويقول في ذلك: \"عندما أتأمل في ذاتي دائماً ما أقف عند إدراك معين , أو آخر عن الحرارة أو البرودة، الضوء أو الظل، الحب أو الكره، الألم أو اللذة. لكنني لا أستطيع أن أمسك بذاتي في أي وقت دون إدراك ما . وبغض النظر عما إذا كانت الهوية جوهرا قائما بذاته أو تعاقبا لحالات شعورية متباينة، فإن الهوية ليست كيانا له جوهر محدد مكتمل التكوين منذ البدء ، إنها سيرورة سيكولوجية تجد سندها المادي في الذاكرة، وعملية تطورية تنشأ تدريجيا بفضل تفاعل الفرد مع الواقع والمجتمع .
إن فعل التذكر هو الذي يمنح الفرد شعورا بهويته وأناه وبثباتها. ويتجلى هذا واضحا في شعور الفرد داخلياً وعبر حياته باستمرار وحدة شخصيته وهويتها وثباتها ضمن الظروف المتعددة التي تمر بها ، كما يظهر بوضوح في وحدة الخبرة التي يمر بها في الحاضر واستمرار اتصالها مع الخبرة الماضية التي كان يمر بها.
إذا كانت الذاكرة هي ما يعطي لشعور الشخص بأناه وبهويته مادتهما الخام، فإن امتداد هذه الهوية في الزمان ، مرهون باتساع أو تقلص مدى الذكريات التي يستطيع الفكر أن يطالها الآن , وبعبارة أخرى إن الشخص الآن هو نفسه الذي كان ماضيا وصاحب هذا الفعل الماضي هو نفس الشخص الذي يستحضره الآن في ذاكرته. فالوعي بالأنا أو الذات يعتمد على الذاكرة، يوجد بوجودها ويتلف بتلفها .
أن الوعي بالذات هو مسلسل تدريجي بطيء يمر أولا عبر إدراك وحدة الجسم الذي ينفصل به الكائن عما عداه وعبر العلاقة مع الغير. فالحياة الاجتماعية والعلاقات الاجتماعية تفرض توحيد الذات وثبات الهوية , لعوامل وأسباب ضرورية , وأن أهم ما يجعل الشخص \" هو نفسه\" عبر أمكنة وأزمنة مختلفة ، هو عيشه في مجتمع وتفاعله معه , وإذا لم يعش الإنسان في مجتمع بشري يفقد الكثير من شخصيته وهويته , ولا يعي تميزها عن باقي الوجود كما لوكان يعيش في مجتمع بشري .
والواقع أن \" الجوهر المفكر\" كينونة ثابتة لا يمكن قبولها , فالهوية لا تقوم في أي جوهر مادي كان أو عقلي ، ولا تستمر - إلا - مادام هذا الوعي مستمرا , يقول هيوم:
\"هناك بعض الفلاسفة الذين يعتقدون بأننا نكون في كل لحظة على وعي بما نسميه ذواتنا؛ وبأننا نشعر بوجودها وباستمرارها في الوجود؛ وبأننا متيقنون يقينا لا يحتاج إلى برهان بهويتها الخالصة وبساطتها.
ويقولون إن أكثر الأحاسيس قوة وأكثر الانفعالات عنفا إنما تُثَبِّتُ تلك الهوية أكثر، بدل أن تصرفنا عن نظرتنا تلك إليها، وتجعلنا نعتبر تأثيرها في الذات من خلال ما تحدثه من ألم أو لذة. أما وأن نبحث عن مزيد من الأدلة لإثباتها، فإن من شأن ذلك أن يقلل من بداهة وجودها، وذلك لأنه ليس هناك من دليل يمكن أن يشتق من أية واقعة من الوقائع التي نكون واعين بها بشكل حميمي؛ كما أنه لن يكون هناك شيء يمكن معرفته معرفة يقينية إن خامرنا الشك في حقيقة وجودها\"
ويقول أيضاً :
\"من جهتي ، عندما أتوغل في الأعماق الحميمة لما أسميه أناي ، لا أعثر فيها سوى على بعض المدركات الخاصة أو شيء آخر، كالحرارة والبرودة، والنور والظل، والحب والكراهية، والألم واللذة؛ ولا يمكنني الإمساك بذاتي في أية لحظة بدون إدراك، كما لا يمكنني أبدا ملاحظة شيء آخر غير الإدراك... وإذا وضعنا بعض الميتافيزيقيين جانبا أمكنني أن أجازف بالقول إن بقية أفراد النوع البشري لا يمثلون سوى مجموعة من المدركات المختلفة والمتعاقبة بسرعة مذهلة، والتي هي دائمة التدفق والحركة\"
ولما كانت الانطباعات والأحاسيس غير ثابتة وغير متزامنة فإنه لا يمكن أن تشكل أساسا لقيام الهوية الشخصية الثابتة؛ هذا بالإضافة إلى أن أي انطباع أو إحساس يوجد بمعزل عن غيره، يقول بهذا الصدد:
\" ( مدركاتنا) مختلفة عن بعضها البعض وقابلة للتمييز بينها وفصل بعضها عن بعض، بحيث يمكن فحص كل انطباع على حده، كما يمكن ( لكل انطباع) أن يوجد منفصلا عن غيره، ولا يحتاج لغيره كدعامة لوجوده\"
إن تنوع مدركاتنا، واختلاف تجاربنا الشعورية وانفصال بعضها عن بعض، وافتقارها جميعا إلى دعامة ترتكز عليها وتسند إليها مثلما تسند الصفات إلى الكائن، كل ذلك يدل على أن وجودها لا يرتبط بوجود ذات لها ماهية ثابتة مثلما يعتقد ديكارت وجون لوك وغيرهما؛ إن وجود تلك المدركات والانطباعات والأحاسيس لا يحتاج إلى وجود ذات أو جوهر ثابت. وهل بإمكاننا أن نلاحظ وجود هكذا جوهر؟
كل ما يمكن ملاحظته وإدراكه هو تلك الانطباعات والأحاسيس مجردة أو منفصلة عن أي أساس أو وعاء أنطلوجي ، وعندما نفكر في أنفسنا لا نعثر فيها عن شيء آخر غير تلك المدركات والأحاسيس، ولا يمكننا تشكيل أية فكرة عن \"الأنا\" أو الشخص ما دمنا لا نتوفر بشأنه عن \"انطباع خاص\" يكون مطابقا لفكرة الأنا أو يقدم نفسه كنسخة مطابقة لتلك الفكرة.\"
ومن هذه الملاحظات استنتج دافيد هيوم تعريفه للشخص، وحدده بأنه مجموع المدركات والمشاعر و الإحساسات التي يعقب بعضها بعضا باستمرار وبدون توقف.
إن هذه الوقائع الذهنية والنفسية المتدفقة بلا انقطاع هي التي تشكل مضمون الأنا ، بحيث يمكن القول إن الأنا أو الشخص هو عبارة عن ديمومة من التجارب الشعورية المتنوعة. لا وجود إذن لهوية ثابتة كل شيء في تغير مستمر، ولعل ذلك هو ما عبر عنه هيوم بقوله:
\"إن الهوية التي تنسب إلى العقل البشري ليست سوى وهما من الأوهام\". فلما كانت وقائع الحياة الداخلية في حركة وتغير مستمرين فإنه لا يمكن الحديث عن هوية ثابتة؛ وأما الاعتقاد بوجود مثل هذه الهوية فهو خدعة ماكرة من مخادعات العقل البشري: فقد يحصل لدينا الانطباع باستمرارية شيء ما في الوجود عبر الزمن، ولا ننتبه إلى أن ما يوجد في الواقع ليس نفس الشيء بل سلسلة من الأشياء المتعاقبة؛ فعندما يتعرض ذلك الشيء لأي تغير تدريجي يحدث بكميات طفيفة لا ننتبه إلى أننا أمام سلسلة من الأشياء المختلفة التي يعقب بعضها بعضا عبر الزمن، بل نعتقد أننا لازلنا أمام نفس الشيء، ويحصل الاعتقاد بوجود هوية ثابتة. وأما الاعتقاد بوجود هوية شخصية فينشأ عن الانطباع بأن مدركاتنا وأحاسيسنا مترابطة فيما بينها وبأنها تشكل وحدة متكاملة، وهي في الواقع منفصلة عن بعضها البعض لا تربط بينها أية علاقة تجعل منها تركيبة ذات هوية متميزة. أن ما يرفضه هيوم هو القول بأن الهوية الشخصية تتحدد بوجود جوهر أو ذات أو روح أو \"شيء مفكر\" مثلما يعتقد ديكارت، وبأنها تظل ثابتة مهما تعرض الجسد والخصائص السيكولوجية للتغير؛ ويعتقد على العكس من ذلك بأن الحياة الداخلية هي عبارة عن مجموعة من التجارب الشعورية المتنوعة التي لا يمكن اختزالها في تركيبة واحدة موحدة، ومعنى ذلك أيضا أنه لا يمكن إدراك الذات في وحدتها؛ إن كل ما يمكن إدراكه هو تلك السلسلة المتعاقبة من الانطباعات و الإحساسات والتجارب الشعورية المختلفة. فالأنا في نظره ليست شيئا من الأشياء التي يمكن إدراكها أو الوعي بها، إنها ليست شيئا آخر غير \"مجموعة من المدركات\"، وهذه المدركات هي قوام الهوية الشخصية عنده.
ونظرا لأن هيوم رفض نظرية ديكارت التي تقول بأن الأنا جوهر قائم بذاته، ظلت الوقائع الذهنية والعاطفية الوجدانية معلقة بدون فاعل. ولعل ذلك هو ما جعل هيوم يعرف الشخص فيما بعد بأنه الفاعل الذي تصدر عنه الأفعال الذهنية والعاطفية-الوجدانية، ولكنه اكتفى بإرجاع تلك الأفعال إلى نشاط الدماغ، وظل متشبثا بالتعريف الوارد في الفقرة السابقة، والذي نص على أن الشخص هو \"مجموعة من المدركات المختلفة\" التي تشمل \"الأفكار\" و\"الانطباعات.


كل الحقوق محفوظة لموقع فلسفة 2017/2004

لا تعبر الآراء الواردة في موقع فلسفة إلا عن وجهة نظر كاتبيها