الرئيسية» الرئيسية دفتر الزوار»دفتر الزوار راسلنا»راسلنا شروط»اتفاقية الاستخدام
تويتر فايسبوك
مدير الموقع
موقع فلسفة
لايستهدف جلب الأنصار و إنما تكوين أناس أحرار

موقع فلسفة
قائمة المحتويات
بكالوريا 2017

فلسفة

 
www.000webhost.com

موقع فلسفة موقع خدمي يسعى إلى تقديم نوع من الخدمة المعرفية ، و هو موقع معني بالفلسفة ، وبالاهتمام بالفلسفة بالمعنى العام للكلمة و يتشرف باستقبال كل موضوع ينسجم مع هذه المرجعية و يتم قبول الموضوعات التي ترد إلى الموقع وفقاً لسياسات موضوعية و منهجية معينة من بينها: المحتوى والحجم ، وكذلك مستوى الموضوع ، و الطبيعة الأساسية للموقع . وبعد حصول الموضوع على الموافقة ،يتم إدراجه في الموقع .

هـُنـَا تـُـقـْـبَـلُ أرَاءُ كُمْ النِيّرَة وَ مَوْضُوعَاتُـكُمْ المُـفِيدَة
*** وجهة نظر *** دورية تصدر عن موقع فلسفة/ جميع حقوق الموقع محفوظة،© موقع فلسفة 2017/2004 - ع.فورار
لا تعبر الآراء الواردة في المقالات المنشورة إلا عن وجهة نظر كاتبيها
النمو - التغذية - الوجبية / نبيل حاجي نائف

إن نمو أي بنية مهما كانت طبيعتها أو شكلها يعتمد على التغذية , وغالباً التغذية تكون على دفعات أو مراحل أو وجبات . فالوجبة هي وسيلة النمو, وهي التغذية على مراحل أو دفعات , ولا يمكن أن تنمو أي بنية دون تغذية.
إن تناول الوجبة هو التغذية وكل بنية كي تنمو يجب أن تتغذى, فالشجرة تتغذى لتنمو, والحيوانات تتغذى لتنمو, والشركة تتغذى لتنمو , والاقتصاد يتغذى لينمو.
وكل وجبة يتم تناولها تحتاج إلى معالجة- هضم وتمثل- لكي يتم استيعابها وضمها إلى البنية التي تناولتها , ففي كل وجبة يتم تناولها تضاف بنيات جديدة إلى البنية التي تناولت الوجبة, لذلك يجب أن يكون لديها القدرة على ضمها أي هضمها وتمثلها و إلا أضرت بها بدل أن تنميها , فكل وجبة يتم تناولها تغير من طبيعة وخصائص البنية التي تناولتها .
وبالنسبة للكائنات الحية وبشكل خاص بالنسبة للإنسان , تنوعت وتطورت الوجبات البشرية لتنوع أنواع النمو , فهناك النمو الجسمي , والنمو الفكري , والنمو الاجتماعي , والنمو الاقتصادي. . .
والتغذية أو تناول الوجبات- بكافة أنواعها- بالنسبة لنا , هو إضافة بنيات جديدة إلى بنيتنا, ولكي نحافظ على خصائص بنيتنا الأساسية يجب أن تكون هذه التغذية ضمن حدود معينة و إلا أدى ذلك إلى تغيير كبير في طبيعة وخصائص بنيتنا .
وهناك وجبات يكرر الإنسان تناولها كل يوم مثل وجبات الطعام, وهناك وجبات يتم تناولها خلال أشهر أو سنين وتحتاج إلى وقت طويل لهضمها وتمثلها مثل التعلم بكافة أشكاله , وهي وجبات نفسية وفكرية يتم تناولها أو يفرض تناولها, وهذا ناتج عن أن فترة الهضم والتمثل تستغرق وقتاً طويلاً .
والوجبات بالنسبة لنا, بشكل عام يحدث تناولها لذة أو سعادة أو رضا, وهذا لا يمنع أن تكون بعض الوجبات غير لذيذة أو مؤلمة مع أنها ضرورية ومفيدة , مثل الدواء والتعليم الإجباري . وبعض الوجبات هي الواجبات التابعة لنمو بنيات المجتمع الذي ينتمي إليه الفرد وتكون مفروضة عليه و غالباً ما تكون غير مرغوبة .
كما ذكرنا إن أي نمو لبنية نتيجة تناول وجبة يؤدي إلى إخلال في توازن هذه البنية, و يتطلب معالجته للمحافظة على توازن هذه البنية. وهذا يكون على شكل هضم ومواءمة وتمثل لما تم تناوله, فكل وجبة يتم تناولها يجب أولاً أن تكون غير ضارة أو غير سامة , ويجب هضمها وتمثلها بشكل مناسب يجعلها تنتظم وتتزن ضمن البنية, أو يعاد إخراجها , و إلا أختل توازن تلك البنية. وهذا ما نلاحظه لدى الكائنات الحية فنراها تسعى لتناول وجبات مناسبة لها, وتكون قادرة على هضمها وتمثلها, وتتحاشى تناول المواد الضارة بها , أو التي لا تستطيع هضمها.
وبالنسبة لنا دوافع وغايات تناول الوجبات أصبحت متنوعة , فالوجبة هدفها كما ذكرنا التغذية والنمو وهو الأهم , وأيضاً نحن نسعى لتناول الوجبات الحسية مثل الموسيقى والرقص والغناء وباقي الفنون .
أنواع وجباتنا
1_ وجبات تغذية جسمنا الطعام والشراب والهواء
2_ الوجبات الحسية والعاطفية والانفعالية وهي وجبات شبه مفروضة غريزياً فسيولوجياً أو نفسياً , مثل ممارسة الأمومة, وحب الجنس الأخر, وتحقيق المكانة العالية , وهذه أنشأتها الحياة الاجتماعية والظروف ثم صارت غريزية وموروثة اجتماعياً .
3_ الوجبات الاجتماعية وهي وجبات نشأت نتيجة للحياة الاجتماعية مثل الصداقة والعطف , والأخلاق والعقائد, والتملك, والسيطرة , والانتماء بكافة أشكاله
4_ الوجبات الحسية والفكرية وهي تشمل كافة الأنواع السابقة لأنها ترافقها, بالإضافة إلى تذوق كافة أنواع الفنون بما فيها تذوق الأفكار والمعارف, ووجبات اللهو واللعب والمرح, و تشمل كل تذوق للطبيعة وجمالها.
تناول الوجبات
\" يعتبر اختيار الطعام عملية معقدة لدى البشر . فهناك أصناف معينة نشعر تجاهها بنفور غريزي وفطري . فالبيرة مثلاُ ذات طعم مر ، وأول رشفة منها يجدها الجميع غير طيبة المذاق . لكن على رغم ذلك هناك ضغوط ثقافية تجعلنا نتغلب على هذا النفور الطبيعي لدينا تجاهها ، فبعد فترة من الوقت يصبح من الواضح أن مذاقها لا يثير النفور الطبيعي لدينا تجاهها ، بل الواقع ، أن العكس يمكن أن يكون صحيحاُ . فنحن نجد هنا أن التعود ، الذي يتوسط المجتمع في تدعيمه ، على صنف معين من الطعام ، يؤدي إلى شعور داخلي بتفضيلهم , وثمة حالة أخرى مماثلة تتعلق بالفلفل الحار (الشطة ) , فهناك نفور فطري تجاه الفلفل الحار لكونه ذا تأثير مهيج . لكن هناك مزايا معينة غذائية ودوائية مرتبطة بالفلفل الحار ، وقد يكون له أيضاُ دور في إحداث نوع من التوازن الانفعالي من حيث كونه مثيراُ . لذلك أخذ الفلفل الحار يدمج في الثقافة بالتدريج حتى أصبح من مكسبات الطعم الرئيسية في المطبخ . وأصبح تناول الفلفل الحار كمحسن للطعم ، منتشراُ حالياُ في الثقافات الغربية و أصبح الناس يسعون للحصول عليه لتفضيلهم إياه ، على رغم نفورهم من طعمه للوهلة الأولى . كذلك يمكننا الاستعانة بتفضيلنا الفطري للحلوى لكي نحسن طعم بعض المأكولات ، حيث تزيد محليات الطعم من تلذذنا واستحساننا أنواعاُ معينة من المأكولات . وفي مثل هذه الحالات ، تتضافر المؤثرات الثقافية مع التأثيرات التي تحدثها تلك الأطعمة في المخ .
كذلك أيضاُ تؤثر الموانع والتوصيات الثقافية في ما نتناوله من طعام . فقد يمتنع بعض الناس عن تناول أنواع معينة من اللحوم لأسباب دينية ، وقد يتجنب آخرون ، لأسباب اجتماعية ، تناول كميات كبيرة من الجاتوه أو الأنواع المماثلة من الأطعمة غير الصحية التي لا تتوافق مع نمط الصحة السائد في ثقافتنا الحالية .ومثل هذه الضغوط الاجتماعية يمكن أن تجعل الناس تقبل على تناول كميات كبيرة من أطعمة غير شهية مثل البقول والحبوب والخضروات الطازجة حتى يرضوا المتطلبات الأخلاقية والمعنوية التي تتعلق بتناول الغذاء ، والتي تعنى أيضاُ بتأثير الأغذية في أجسامنا . وتتدخل في اختيار الطعام لدى البشر كثير من العوامل الطقوسية التي تشكل جزءاُ من الممارسات الاجتماعية ، ومن الاحتفالات التي تصاحب حدوث تغيرات في الحياة الاجتماعية . ومن الواضح هنا أن مثل تلك العمليات تعتمد أيضاُ على ميكانزمات القشرة الدماغية العليا .
الوجبات الحسية
إن الوجبات الحسية والفنية هي أكثر أنواع الوجبات شيوعاً وانتشاراً الآن, فكافة الفنون وبشكل خاص الموسيقى والأغاني والسينما والتلفزيون.. تلاقي إقبالاً شديداً عليها وعلى تكرار تذوقها.
إن هذا الإقبال على تذوق الفنون تابع لما تحدثه من أحاسيس وانفعالات وأفكار لذيذة ومريحة وجميلة , وتتشابه التأثيرات الحسية لدى غالبية الأفراد . وبوجود غريزة التقليد والمحاكاة فإن أغلب الأفراد يسعون للحصول على نفس الوجبات, فعندما يشاهدون أو يسمعون أو يعرفون إقبال غيرهم على وجبات معينة نراهم يقبلون بدورهم عليها, فتقليعات الملابس , والموسيقى والطعام والشراب... تثبت ذلك .
ويحدث في الإقبال على الوجبات الفنية دوما تغير و تطور فهو يشتد إلى درجات معينة ثم يبدأ بالتخامد إلى أن يقل بشكل كبير, وعندها يحدث التوجه إلى وجبات جديدة مختلفة , ولكن بعد زمن ينشأ حنين وشوق إلى الوجبات القديمة التي حققت لذة وسعادة- وهذا راجع لخصائص الجهاز العصبي-, فيتم الرجوع إلى هذه الوجبات ويكون تذوقها بشكل مختلف فهي تحدث أحاسيس جديدة خاصة, وتكون شديدة القوة.
و تناول الوجبات الفكرية وما تحدثه من أحاسيس وشعور بالراحة والأمل والسعادة.. منتشر أيضاً بشكل كبير بين الناس, فطقوس العبادة والصلاة والشعائر الدينية والعقائدية تتضمن دوماً وجبات حسية مطلوبة بكثرة.
وتظهر دوماً دوافع ورغبات إلى الوجبات الحسية الجديدة عند الذين لم يعودوا يتذوقوا الوجبات القديمة لأنها لم تعد تمنحهم تلك الأحاسيس التي يرغبونها, فهم يبدعون الوجبات والفنون والأفكار الجديدة التي تناسبهم, فالخطابات و اللقاءات الاجتماعية والسياسة والأدبية والعلمية.... , والمؤتمرات والمسابقات الفكرية, وطقوس التكريم......الخ , أصبحت بديلاً للشعائر الدينية والعقائدية عند الكثيرين, فهم يكرمون ويبجلون قدامى المفكرين والعلماء والفنانين, ويتشبهون بهم ويكررون نفس أفكارهم وأحاسيسهم .
خصائص وقدرات التذوق الحسي البشري
إن الإنسان مزود بخصائص وقدرات حسية هائلة التنوع وأكثر بكثير مما نتصور, فإذا أخذنا الأحاسيس الصوتية كمقياس, نجد أنه يمكن اعتبار كل حاسة بشرية أخرى تشبهها من حيث التنوع الذي يمكن الحصول عليه بالتلاعب بالدرجات و الترددات و الطبيعة.
وكذلك هناك التنوع نتيجة الترابط والجمع والتداخل بين أنواع الحواس, فأحاسيس الطعام والشراب, وأحاسيس الحب , واللمس, والشم , والنظر.... وما تصاحبها من انفعالات متنوعة كثيرة, كلها يمكن العزف عليها مجتمعة في وقت واحد, كما تعزف الألحان الموسيقية في اوركسترا وبذلك نكون ما يشبه الأوركسترا التي تعزف أنواع الأحاسيس معاً.
وبالإضافة لذلك هناك الأحاسيس المتطورة والخاصة بالإنسان وحده مثل الأحاسيس الدينية والفلسفية والفكرية, والأحاسيس التي نجمت عن الفنون وبشكل خاص الأدب والسينما.
إن إمكانية التذوق الحسي البشري بكافة مجالاته بما فيها الأحاسيس المتطورة تمكن الإنسان من تذوق وجبات حسية أوسع وأكثر تنوعاً وغرابة مما نتصور, وهذا ما يجعل الوعي والإدراك البشري مميزاً عن باقي الكائنات الحية .
الملاحظ أن غالبيتنا يقتصرون أو يتعودون على وجبات حسية معينة وفي مجالات معينة ويدمنون على تناولها,إلى حد يصعب أو يستحيل عليهم تناول وتذوق وجبات أخرى مختلفة عنها, إن بنيتنا الفسيولوجية والعصبية بالإضافة إلى بنيات المجتمع و غيرها من البنيات تفرض علينا وجبات حسية معينة وأيضاً تقيد خياراتنا في تناول وتذوق الوجبات .
ومع هذا يمكننا أن نوسع مجال وتنوع خيارات تذوقنا , إن الطفل لا يتناول في أول الأمر إلا الوجبات القادر على تناولها والمقدمة له من قبل مربيه, وهي المفروضة عليه غالباً ولكنه يبقى تابعاً لخيارات مربيه التي تكون تابعة بشكل كبير للمجتمع الذي يعيشون فيه, وبالتالي يتعود عليها ويدمن على تناولها, وكذلك الكبار فمجتمعهم وخصائصهم الفسيولوجية تفرض وترسخ إدمانهم على وجبات معينة من الطعام والشراب والحب ...., والكثير من العادات والشعائر والعلاقات الاجتماعية هي بمثابة وجبات.
لقد توسعت الخيارات المتاحة للإنسان لتناول الوجبات الحسية بشكل هائل وأصبح أمام خيارات واسعة جداً, ومع ذلك فالكثيرون منا محافظون ولا يرغبون ولا يسعون إلى التغيير أو التجديد مع أن المتاح لهم يمكنهم من تذوق أحاسيس لا تقارن من ناحية الجمال واللذة والسعادة بما تعودوا على تناوله من وجبات وأدمنوا عليها .

إذا كان الدافع للوجبة النمو فيجب أن يتم تناولها بشكل مناسب, والمهم في هذه الحالة تحقيق هضمها وتمثلها بشكل مناسب وبالتالي تحقيق النمو, أما إذا كان الدافع هو تحقيق الأحاسيس كما في الوجبات الفنية فالمهم هنا القدرات والأسس التي تسمح بهذا التذوق, بالإضافة إلى طريقة التناول المناسبة التي تحقق التأثير الأفضل, والوجبات المراد منها الأحاسيس لا يهم تطابق الأحاسيس أو حتى تشابهها بمن يتذوقوها, المهم إحداث الأحاسيس المرغوبة والجميلة واللذيذة والسعيدة لدى متذوقيها.
هناك عدة عوامل تؤثر على تذوق الوجبات, منها تأثير الآخرين فالوجبة التي يجد الفرد أن الآخرين يرغبون بها ويتلذذون بها تحدث دافعاً له ليتناولها ويتذوقها مثلهم, والعكس صحيح حيث يتحاشى أغلب الناس تناول الوجبات التي يكرهها الآخرون .
وانتشار التقليد والمحاكاة للأطعمة و الملبوسات و التقليعات والتصرفات في اللهو والتسلية والترفيه وفي تذوق الأدب والموسيقى وباقي الفنون,هو مثال على ذلك.
وكذلك يلعب الفكر الشخصي والعام دوراً هاماً في نشوء الدوافع لتناول وتذوق وجبات معينة , مادية , أو نفسية , أو فكرية , وهناك كما ذكرنا الإعلان كمولد دوافع لتناول وتذوق وجبات معينة.
تنسيق تناول الوجبة
لكي يتم تناول الوجبة بشكل مناسب يجب تنسيق هذا التناول :
أولاً يجب جمع مكونات الوجبة بشكل مناسب يمنع تضارب المواد أو النكهات مع بعضها .
ثانياً يجب ترتيب تسلسل تناول الوجبة, فلا تقدم المادة إلا في وقتها المناسب, فمثلاً لا تقدم الحلويات أو الفواكه قبل الحساء.
تأثير الشكل والمضمون والتقليد على تناول الوجبة
إن تأثير الشكل أو التأثيرات الأولية والظاهرة للوجبة وبغض النظر عن مضمونها وتأثيراتها الفعلية على الدافع لتناولها كبير جداً, وهذا ما أدى إلى هذا الاهتمام الكبير بالشكل , فالاهتمام الكبير بالشكل يطغى في كثير من الأحيان على المضمون .
و الكثير من الوجبات لا يمكن الإقبال عليها إذا لم تكن في شكل مرغوب, وكان لهذا نتائج سلبية في بعض الأحيان , وهناك أمثلة على ذلك وفي كافة أنواع الوجبات , فالوجبات الغذائية والعاطفية والفكرية إذا لم تقدم بشكل جميل ومقبول فسوف يضعف الإقبال على تناولها حتى وإن كانت مفيدة جداً .
وكما ذكرنا كان للتقليد في تناول الوجبات تأثيراً كبيراً على الإقبال على تناولها وكان يطغى على تأثير مضمونها, حتى وإن كانت ضارة مثل التدخين .
تناول و تذوق الوجبات
هناك العديد من أنواع الوجبات التي تحتاج إلى قدرات وخصائص معينة عند من يريد تناولها وتذوقها بشكل مناسب, فالموسيقى لا يمكن لكل الناس تذوق كافة أنواعها وأشكالها, فالسيمفونية مثلاً لا يمكن لكل إنسان أن يتذوقها, ربما تؤثر فيه ولكن ليس بالطريقة التي كان يهدف لها مؤلفها ولا يتذوقها بالطريقة التي يتذوقها عشاق الموسيقى الكلاسيكية وكسيمفونية لمؤلف معين, وكذلك كل نوع من موسيقى الشعوب لا يمكن أن تتذوقه كل الشعوب الأخرى بسهولة.
وبالنسبة لتذوق فن الرسم وبالذات الرسم الحديث هناك متطلبات كثيرة يلزم توفرها في متذوقيها , وهذا يشابه تذوق أي وجبة فهناك العادة والخبرة والهدف أو الغاية والقدرة على التذوق.... جميعها تتحكم في تناولها وتذوقها.
وبشكل عام هناك دوماً اختلافات وفروق بسيطة أو كبيرة في طبيعة ومقدار التناول والتذوق الحسي من موسيقى ومنظر وروائح وطعام وباقي الأحاسيس و كذلك في التذوق الأدبي والفكري, والهدف أو الدافع للوجبة له تأثير على تذوقها.
يجب أن يلاحظ أن دافع الإنسان تجاه الوجبات المنتبه إليها سوف يحجب أو يضعف باقي الدوافع للوجبات الأخرى غير المنتبه إليها أو مبهمة, وهذا راجع لخصائص وآليات عمل العقل لدى الإنسان فالدوافع والرغبات والمعارف التي تدخل إلى مجال الوعي والشعور هي التي يسعى إلى تلبيتها أو معالجتها, وبغض النظر عن أهميتها أو أفضليتها بالنسبة للإنسان, فيمكن أن تكون هناك دوافع أو حاجات أهم منها ولكن لا تدخل ساحة الوعي والشعور لذلك لا يسعى إلى تلبيتها , وهذا يشبه من يقابل المسؤول أو الحاكم لكي يلبي له طلبه, فهو سوف يدرس طلبه ويمكن أن يلبى, أما من يكون يستحق تلبية طلبه ولكنه لا يستطيع الوصول إلى المسؤول فلا يمكن أن يلبى طلبه لأنه لم يعرض على المسؤول .
وهذا ما يستغله الإعلان و الدعاية فهي تدخل الدوافع والحاجات التي تريدها إلى عقول ووعي المستهدفين لكي تأخذ أفضلية على غيرها من الدوافع والحاجات الموجودة لديهم.
الوجبة القديمة والوجبة الجديدة ( الإدمان )
إن السعي لتناول الوجبات القديمة أي تكرار الوجبات السابقة عام بين كافة الناس, فكل إنسان يسعى لتكرار الوجبة التي حققت اللذة أو السعادة , وكلما طالت فترة عدم تناولها اشتد الدافع لها وأصبح تأثير تكرار الوجبة أقوى, وهذا أساس العادات والإدمان, وأيضاً أساس الحنين والشوق إلى المؤثرات القديمة, وهو أساس الأعياد والشعائر والطقوس التي تكرر في مناسبات أو أوقات معينة - وله أساس عصبي فزيولوجي- .
وعندما يكون إعادة تناول الوجبة صعباً أو شبه مستحيل تتصاعد الرغبة والدافع لهذه الوجبة بشكل كبير \" كان زمان , ليتها تعاد\" , وهذا بغض النظر عن فائدة تلك الوجبة , هذا ناتج عن خصائص وآليات عمل الجهاز العصبي .
ونحن نشاهد جميع الناس يكررون وجبات واستجابات معينة, سواء في الطعام , أو الشراب , أو الترفيه , أو الرياضة , أو القراءة , أو الشعائر والأعياد, والعادات الفردية والجماعية تؤكد ذلك .
نحن نجد أن الإنسان عندما يتقدم به العمر تصبح الأحاسيس والاستجابات و العادات التي يسعى إليها ويكررها تقريباً معينة ومحددة, ويصبح انجذابه لممارسة استجابات وعادات جديدة صعباً جداً, وهذا راجع أيضاً إلى أسس عصبية فزيولوجية.
والوجبة الجديدة لا يتم السعي إليها و تناولها بسهولة, فحتى في الطفولة وعند بدء تكون وتحديد الوجبات المرغوبة, نجد صعوبة في جعل الطفل يرغب في تناول وجباته سواء في الطعام أو غيره, فالوجبة الجديدة يجب أن تحمل خصائص معينة لكي يتم السعي إليها, فالجديد من الوجبات يصعب تقبله أو تذوقه لأسباب كثيرة , فهناك دوماً حذر منه , إذ يمكن أن يكون ضاراً أو مؤلماً أو غير مستساغ ... , ونحن دوماً نسعى ونطلب الوجبات التي تناولناها سابقاً وحققت رضانا وأمتعتنا, وأصبحت معروفة لدينا, ونتحاشى بشكل عام الوجبات الجديدة وخاصة إذا لم يكن لها علاقة بوجبات نعرفها سابقاً. والتقليد الذاتي وتقليد الغير في تناول وجبات معينة هو الغالب أو المعتمد عند الناس, وهذا واضح من تسويق كافة أنواع السلع التي أغلبها وجبات.
الإشباع في تناول الوجبة
الإشباع هو التوقف عن تناول الوجبة بسبب انتهاء القدرة على التناول , لانتهاء القدرة على الهضم و التمثل والتخزين للمادة المتناولة , فالبنية التي تتناول الوجبة تقوم بهضم وتمثل أو تخزين مواد هذه الوجبة, وبالتالي الاستفادة منها سواء في الوقت الحاضر أو في المستقبل , هذه البنية لها قدرات محددة على التناول والهضم والتمثل والتخزين , يتوقف عندها الاستمرار في تناول الوجبة, وهناك بعض الوجبات ليس لها حدوداً للإشباع أو لها حدوداً عالية جداً مثل وجبة تناول النقود والتملك بأشكاله الكثيرة.
وبالنسبة للكائن الحي عندما يتناول وجباته فإنه يخضع لآليات تبرمج تناوله, سواء كان طعاماً أو شراباً أو غير ذلك, فهذه الآليات تحدد مقدار هذه الوجبات, ونقاط أو مستويات الإشباع والتوقف عن التناول , وحسب كل نوع من أنواع الوجبات , وهذا محدد بقدرات التناول والهضم والتمثل والتخزين للكائن الحي, بالإضافة طبعاً إلى خصائص وحاجات هذا الكائن , فعند توفر كميات كبيرة من الطعام والشراب لا يستطيع جسم الكائن هضمه أو تمثله تتدخل هذه الآليات وتوقف عملية التناول .
ومفهوم الإشباع يستخدم في الكثير من المجالات , وهو يدل دوماً على وجود وجبة يجري تناولها وصلت القدرة على تناولها وتمثلها إلى حدودها القصوى, وبالتالي يجب إيقاف تناول الوجبة.

الفن والوجبة
ما هو الفن؟ لماذا يمارسه الإنسان بهذه الرغبة وهذا الشغف؟
الفن هو كل الأعمال البشرية التي تحدث الأحاسيس والانفعالات المرغوبة أي كل جميل وممتع أو مرغوب , وينشئه الإنسان بدافع ممارسة وتذوق الأحاسيس والمشاعر أو الأفكار, وذلك نتيجة دوافع فكرية ومادية ذاتية واجتماعية.
وهدف الفن في المحصلة هو إحداث الأحاسيس المرغوبة للذات أو للآخرين , والفن بذلك ينمي و يوسع الأحاسيس والمشاعر والوعي والإدراك للذات والوجود .
إن الإنسان يستخدم كافة العناصر والإمكانيات المتاحة له ليشكل إنتاجه الفني فهو يستخدم إما الأصوات والنغمات والإيقاعات أو الخطوط والأشكال والألوان أو المأكولات أو الكلمات والمعاني أو المنشآت والمباني ... وكل ما ينتج أحاسيس الممتعة لديه ولدى الآخرين , وأي إنتاج فني لا يمكن الإحساس به و تذوقه من قبل الآخرين إلا إذا كانوا قادرين على تلقي رموزه وإشاراته وتأثيراته ويستطيعون الاستجابة لها وتمثل ما تحدثه من أحاسيس, فهناك ما يشبه الإرسال والاستقبال في عملية تلقي الفن وتذوقه, فيجب ن تراعى خصائص المستقبل وقدراته .
إن الفنان يبدع أو يحضر وجبة يمكن أن يتناولها بعض الناس فيتذوقوها وتحدث لديهم أحاسيس جميلة أو لذيذة أو مدهشة أو عجيبة ....أي مرغوبة , ويستهدف الفنان غالباً عند صنع أو إبداع عمله فني الأحاسيس والأفكار والدوافع المشتركة بينه وبين هؤلاء الذين يقدم لهم إنتاجه الفني , فبواسطة قدراته والعناصر والآليات التي يستعملها يقوم بإنتاج عمله الفني , فإذا أحدثت التأثيرات المطلوبة أو أي تأثيرات مرغوبة لدى الذين تلقوها وتناولوها وتذوقوها, يكون عندها نجح في إنتاج وجبة قابلة للتسويق والطلب عليها , بالإضافة إلى أنه يكون حقق دوافعه الذاتية التي كانت سبباً ودافعاً لإنتاج تلك الوجبة.
والفنان المبدع المتمكن من فنه وصنعته- بوعي وإدراك وعلم أو بدون ذلك- هو المتمكن من معرفة أو حدس خصائص الأحاسيس لديه ولدى جمهوره, بالإضافة لتمكنه من العناصر والآليات التي يستعملها في فنه ويوظفها بفاعلية جيدة, فهو متمكن من قرع- أو عزف- الأحاسيس المطلوبة والمرغوبة في عقول الذين يستهدفهم بفنه .
ويمكن أن يفشل الفنان في جعل الآخرين يتأثرون ويتذوقون فنه مع أنه أنتج فناً يمكن أن يحدث الأحاسيس الجميلة واللذيذة, وذلك لأنه لم يقدم إنتاجه للذين يستطيعون تناوله وهضمه والقدرة على تذوقه, أو لأن الذين يستطيعون تذوق فنه قلائل جداً, وهذا يجعل إنتاجه غير صالح للتسويق, وبالتالي يهمل .
إن الأدب بشكل خاص يمتاز عن باقي الفنون في قدرته على تنويع وتوسيع الأحاسيس التي يقدمها كوجبات فنية, فالأحاسيس التي يستطيع الأدب أن يحدثها لدى متلقيه هائلة التنوع والاتساع وعالية التطور, فحتى السينما وقدراتها الهائلة لا تستطيع أن تنافس الأدب في مجالات كثيرة, وهي لابد أن تستعين بالأدب .
فللأدب قدرة على كشف وتمثيل- ترميز- أعقد الأحاسيس والمشاعر والأفكار الإنسانية ونقلها إلى الآخرين, وقد بلغت قدرات الأدب الآن مستويات عالية جداً في إحداث الأحاسيس والمشاعر المتطورة والمعقدة, إن المشاعر والأحاسيس والانفعالات التي يخلقها الأدب لا يمكن أن تبزها أية مشاعر أخرى, فحتى الواقع الافتراضي - الآن- لا يمكنه أن يتفوق على الأدب, إلا إذا استعان بالأدب نفسه .
إن قراءة رواية أو مسرحية... هو بمثابة أن نعيش ونشعر أحداثها وحياة شخصياتها, أما قراءة نقد أدبي متطور فهو بمثابة أن نعيش ونشعر ونعي وندرك حياة البشر والعلاقات في هذا الوجود.
إن الأدب ليس هدفه الأساسي المعرفة أو الإصلاح والإرشاد فهو يتجاهل الكثير من المعارف الأساسية في أحيان كثيرة, وذلك في سبيل عزف الأحاسيس والانفعالات المطلوبة لدى متلقيه.
إن الدين من أهدافه أيضاً عزف الأحاسيس الجميلة والسعيدة ولكن ليس هذا هدفه الأساسي فهدف الدين الأساسي هو الخير والمفيد للفرد وللمجتمع , وهذا يجعل الدين يتفوق على الأدب في إقبال الناس عليه وهذا ما نلاحظه بوضوح.
هناك فن بدأ يتشكل وينمو بسرعة إن هذا الفن سوف يمكننا مستقبلاً- وهذا ليس ببعيد- من تذوق وعي وأحاسيس تماثل ما نعيشه أثناء الأحلام ولكن في المجالات التي نريد ونرغب بها وبالخصائص والمقدار والشدة التي نريد , فالأحاسيس التي يتم تذوقها من قراءة أو سماع قصص ألف ليلة وليلة أو غيرها من القصص والملاحم والأساطير.. وكذلك ما يمكن تذوقه من أحاسيس ومشاعر وانفعالات من ممارسة كافة هذه الأنواع بالإضافة إلى أحاسيس الأحلام كل هذا سوف يكون متاحاً مثله وأكثر بواسطة فن الواقع الافتراضي .
فهذا الفن سوف يمكننا من عزف الأحاسيس والمشاعر والانفعالات التي نريد لدى أي إنسان, فالجهاز العصبي للإنسان والقدرات الهائلة على الإحساس والوعي التي يملكها تمكننا من ذلك , إذا كنا نملك القدرات اللازمة للتحكم بالمداخل الحسية الذاهبة إلى دماغه.
إن الأحاسيس والانفعالات التي يتذوقها المتصوف أو المتعمق في الدين والإيمان ,أو الفيلسوف , أو الفنان , أو العالم ...., سوف لن تكون مستحيلة التناول في الواقع الافتراضي , صحيح أن الأدب والسينما استطاعا عزف كمية هائلة من أنواع الأحاسيس والانفعالات لدى المتلقين, ولكن الآتي أعظم بكثير .
وبالإضافة إلى كل ذلك فسوف يتم توسيع و تنويع جديد لأحاسيسنا وانفعالاتنا التي نملكها الآن بواسطة التقدم الذي سوف يحصل في العلوم الفسيولوجية والتكنولوجية, فسوف يخفف الألم وتتم السيطرة عليه وتلغى أشكاله القوية, وسوف تصنع أو تشكل أحاسيس جديدة بواسطة التحكم الفسيولوجي والعصبي - في المستقبل - .

كما ذكرت أننا , الآن نتذوق الفنون من طبخ وحب وموسيقى وأدب وسينما....الخ بالإضافة إلى تذوقنا للعلاقات الاجتماعية من صداقة وتعاطف وانتماء وحب تملك وحب سيطرة.... و الكثير منا يحصر مجال تذوقه في وجبات معينة ويدمن عليها, فهناك من يجمع المال أو أي نوع من جمع الممتلكات ويتذوق لذة الجمع هذه وهو على الأغلب سوف يعاني ألم الخسارة التي لا بد من حصولها غالباً , وهناك من يسعى لتذوق أحاسيس السيطرة والتحكم والفوز بالصراعات والتنافسات فهو دوماً بين قطبي اللذة والألم الربح والخسارة وحياته الحسية مبنية على ذلك.
ولكن تذوق الأدب و الفنون يكون غالباً في مجال اللذة والسعادة بكميات غير محدودة ولا تقيدها آلية الشحن والتفريغ , كما في حالة إرواء الدوافع والغرائز الأساسية - مثل لذة الطعام المحدودة بالجوع والشبع-, و ليست خاضعة لضرورة الارتفاع المستمر في المستوى أو الشدة للاستمرار في الحصول على اللذة والسعادة , فالفنون بتنوعها وكثرة مجالاتها تسمح بتجاوز الإشباع والتحديد للأحاسيس .
إن هدف الفنون هو قرع الأحاسيس والانفعالات, والناس يطلبون من الفنانين منحهم أحاسيس وانفعالات الحب والحنان والعطف والمواساة والسلوى والمرح والضحك والفخر والاعتزاز والإخاء والانتماء والتشويق والهدوء والجمال واللذة والمفاجأة...., وأحاسيس الخوف والرعب المسيطر عليه, كما يطلبون التمتع بالألحان والنغمات والإيقاعات الموسيقية المرغوبة والممتعة, ويطلبون الروائح والأطعمة وكافة الأحاسيس والانفعالات الممتعة.... , فهدف ودور الفن الأساسي هو الممتع, ولا يهتم كثيراً بالمفيد أو الواجب, لذلك يمكن أن يلتقي الدين والسياسة والعلم مع الفن عند تعرضهم للأحاسيس والانفعالات


كل الحقوق محفوظة لموقع فلسفة 2017/2004

لا تعبر الآراء الواردة في موقع فلسفة إلا عن وجهة نظر كاتبيها