الرئيسية» الرئيسية دفتر الزوار»دفتر الزوار راسلنا»راسلنا شروط»اتفاقية الاستخدام
تويتر فايسبوك
مدير الموقع
موقع فلسفة
لايستهدف جلب الأنصار و إنما تكوين أناس أحرار

موقع فلسفة
قائمة المحتويات

فلسفة

 

موقع فلسفة موقع خدمي يسعى إلى تقديم نوع من الخدمة المعرفية ، و هو موقع معني بالفلسفة ، وبالاهتمام بالفلسفة بالمعنى العام للكلمة و يتشرف باستقبال كل موضوع ينسجم مع هذه المرجعية و يتم قبول الموضوعات التي ترد إلى الموقع وفقاً لسياسات موضوعية و منهجية معينة من بينها: المحتوى والحجم ، وكذلك مستوى الموضوع ، و الطبيعة الأساسية للموقع . وبعد حصول الموضوع على الموافقة ،يتم إدراجه في الموقع .

هـُنـَا تـُـقـْـبَـلُ أرَاءُ كُمْ النِيّرَة وَ مَوْضُوعَاتُـكُمْ المُـفِيدَة
*** وجهة نظر *** دورية تصدر عن موقع فلسفة/ جميع حقوق الموقع محفوظة،© موقع فلسفة 2016/2004 - ع.فورار
لا تعبر الآراء الواردة في المقالات المنشورة إلا عن وجهة نظر كاتبيها
عندما تحدثنا الحبسةمنظور جديد/قديم لعلاقة اللغة بالفكر. / قويدر عكري

لاشك أن مسألة العلاقة بين اللغة والفكر لم تنته بعد من إثارتنا ¡ ونحن نستعرض تاريخ هذه العلاقة على مستوى الإنجازات الفلسفية والعلمية نقف عند ذلك الصراع الذي بصم البحث في هذه العلاقة بين أطروحة تقول بانفصال اللغة عن الفكر حيث اعتبر ديكارت مثلا أن الفكر جوهر مستقل وأن اللغة علامة على هذا الجوهر فهي تحمله وتعبر عنه¡ وأطروحة تقول باتصال اللغة بالفكر حيث اعتبر أغلب رواد الاتجاه اللسني المعاصر أن اللغة هي الشكل الوحيد لوجود الفكر وتحققه. بما أن هذه الأطروحة الأخيرة تمتح من العلم اللسني المعاصر فقد قدمت في أغلب الأوقات باعتبارها الأطروحة "الصواب" ¡إلا أن أبحاثا علمية أخيرة في مجال الأمراض العصبية والعصبية النفسية وهي تنكب على دراسة مرض "الحبسة"إكلينيكيا توصلت إلى خلا صات تعيد النظر في ما اعتبرناه هو الصواب والحقيقة.فما المقصود بالحبسة¿ وكيف خلص البحث فيها إلى تغيير نظرتنا إلى علاقة اللغة بالفكر وبالتالي إلى زحزحتنا عن "تورطنا " في الميل إلى أطروحة آمن بها علماء اللسنيات أمثال "دي سوسير" وكريستيفا"وغيرهما¿وإلى متى ستصمد هذه الأطروحة¿

تشير الحبسة L”Aphasie إلى مجموع الاضطرابات اللغوية التي يسببها خلل في الدماغ حيث يمكن لهذه الباتولوجيا أن تكشف لنا عن اللغة نفسها وعن علاقتها بالدماغ وبالفكر.
تعتبر ملاحظة المصابين بالحبسة منبعا للعديد من المعارف حول اللغة¡ذلك أن هؤلاء الذين يعانون من اضطرابات لغوية نتيجة خلل في الدماغ¡مكنوا أطباء الأمراض العصبية والعصبية النفسية من التقدم في جميع المستويات¡من جهة بتدقيق دور الدماغ في اللغة ومن جهة أخرى بفهم أحسن للغة ذاتها¡وأخيرا بتوضيح العلاقة الموجودة بين اللغة والفكر.
اكتشاف أساسي
إن تاريخ اكتشاف الحبسة مشهور لأنه كان بداية لمعاينة مهمة ترى بوجود روابط بين الدماغ والوظيفة الذهنية ففي سنة 1861 اكتشف طبيب الأمراض العصبية الفرنسي Paul de BROCA بمناسبة فحص دماغ مصاب كان يقدم عجزا كليا عن الكلام¡أن هذا الشخص يشكو من خلل في الفص الجبهي الأيسر. بعد العديد من الملاحظات ارتأى "بروكا"سنة 1864 بأن التعبير اللغوي تتحكم فيه منطقة توجد في النصف الأيسر للدماغ أطلق عليها "منطقة بروكا".بين هذا الاكتشاف أنه
بالإمكان حصر وظيفة ذهنية أكثر تعقيدا ضمن منطقة محددة من الدماغ.
سنوات من بعد اكتشف طبيب الأمراض العصبية الألماني Karl WERNICK منطقة خرى من الدماغ على سطح الفص الصدغي يؤدي المس بها إلى اضطرابات لغوية مختلفة .
تتمثل "حبسة بروكا (كما سيطلق عليها )بالأساس في صعوبة إنتاج جمل أو كلمات صحيحة علما بأن المصاب يفهم ما يسمعه¡أما "حبسة فارنايك"فتنتج خطابا مسترسلا سهلا لكنه غير مفهوم ولا يستوعب المصاب الأوامر الموجهة له.
مثلت هذه الاكتشافات منطلقا لأبحاث واسعة حيث اهتم أطباء الأمراض العصبية بالبحث عن التموضعات الدماغية لمختلف الوظائف الذهنية مما يعتبر إعلانا عن تدشين حقل العلوم العصبية/الادراكية .
منذ قرن تقدمت الأبحاث والتقنيات بشكل جيد مما ساعد على الإكثار من ملاحظة المصابين بالحبسة وساهم في التحسن المستمر لتدقيق تقنيات المصورة الدماغية مما رسم لوحة جد معقدة للعلاقات بين الدماغ واللغة.يظل نصف الدماغ الأيسر
أساسيا في القدرة اللغوية¡إلا أن المناطق المتورطة كما اتضح كانت أكثر مما كان يعتقد في البداية .
من المعنى إلى الكلمة ¡ إواليات اللغة.
تحسنت ملاحظات المصابين بالحبسة ذلك أن التقسيم العام بين "حبسة بروكا"(مشكلة إنتاج اللغة) و"حبسة فارنايك"(مشكلة الفهم)ترك المكان لتحليل دقيق لأخطاء المصابين مما سيمكن من الكشف عن إواليات اللغة¡حتى يتسنى اعتمادها لمساعدتهم .هكذا وفي سنة1995بين Brenda C RAPPو Alfonso CRAMAZZAالإضاءات
التي يمكن أن تقدمها أخطاء بعض المصابين بالحبسة: لاتساهم نفس العمليات الذهنية في الدلالة على كلمة وعلى شكلها ولفهم هذا لابد من تفصيل أخطاء بعض المصابين .
المصاب أ :عندما تقدم له صورة لرجل من ثلج يكون غبر قادر على العثور على الاسم المناسب لها حيث يجيب قائلا:"البرودة¡إنه رجل بارد مثلج"وغالبا ما تعود له أشكال بعض الكلمات في حالة تسمية مقعد مثلا (بالإنجليزيةSTOOL)حيث يردد مايلي"Step,Stop الجلوس على /Sto/."هذه الصعوبة مع شكل الكلمات
توجد أيضا في عملية القراءة فعندما يقدم المصاب على قراءة الكلمة(Steak)يقول "إنني سآكل شيئا ما....إنه البقر.يمكن أن نحصل على /Sa/ .إن ثمنه غال في أمريكا..إنه كبير.إنه تافه."يتضح أن الحالة الأولى التي نقدمها تعي معنى الكلمات لكنها لا تستطيع أن تجد أشكالها وهذا حتى وإن كانت مكتوبة أمامها.
الحالة ب: شخص يقدم مشكلا معكوسا¡إنه قادر على قراءة أو وصف كلمات لا يعرف معناها ومن أجل ملاحظة جيدة لابد من توظيف كلمات يكون إملاؤها ونطقها غير عاديين.لاتطرح المسألة مشاكل في اللغتين الفرنسية والإنجليزية مادامت
العديد من الكلمات تضم أحرفا لايجب نطقها(Beaucoup. Temps)بالرغم من أن المصاب ينطق جيدا هذا النوع من الكلمات إلا أنه يتعذر عليه إعطاء معانيها.
ما بين الحالة الأولى والثانية يتحدث الأطباء عن :"التفكيك المزدوج"ذلك أن المصابين يظهران قدرة محفوظة والأخرى عاجزة وهذا في اتجاه مخالف¡فعند الأول يكون معنى الكلمات محفوظا وليس شكلها وعند الثاني يحدث العكس.
يرتكز العلماء على هذه الحالات من أجل المصادرة على أن المظهرين الاثنين للكلمات يتم تدبيرهما من حيث المعنى والشكل من قبل إواليات متمايزة .يمكن أن تتعدد أمثلة التفكيك بين بعض القدرات المحفوظة وبعض القدرات المصابة.
نلاحظ مثلا أن بعض المصابين غير قادرين على تأليف جمل صحيحة نحويا بالرغم من اكتساب لابأس به بمعنى الجمل والكلمات..بعض المصابين يكشفون عن اضطراب ناذر أيضا يتمثل في العجز عن ترديد كلمة تم سماعها حيث يطلب الطبيب من المريض ترديد كلمة "سكين"Couteau فينطق بكلمة مخالفة تماما وهي:"Mocrida" مع المحافظة على الكتابة الصحيحة للكلمة المأمور بنطقها.
مكنت مقاربة هؤلاء وخصوصية أخطائهم المختصين من وضع مختلف الافتراضات حول تنظيم اللغة خصوصا المشكلة العميقة المتمثلة في علاقة اللغة بالفكر .
هل يمكن للفكر أن يتخلى عن الكلمات¿
هل يمكن أن نفكر بدون لغة¿ منذ مدة طويلة اعتقدنا وبيقين بأن اللغة ضرورية للفكر ¡فعندما قال الفيلسوف "فتجنشتاين" "إن حدود لغتي تدل على نهاية عالمي" فهو لم يعمل إلا على عكس فكرة واسعة الانتشار .
صحيح أنه من الصعوبة الحديث بالنسبة للرجل العادي عن فكرة واعية بدون لغة¡إلا أن ملاحظة الأطفال الذين لا يملكون لغة بعد أو أنها في طور التكوين عندهم يؤدي إلى الاعتقاد بأن تفكيرا أوليا مجردا يكون ممكنا قبل اكتساب اللغة.نذكر أيضا بأن" جان بياجي " ما فتئ يعتبر مرحلة تمثل اللغة شبيهة بمرحلة التفكير الرمزي المجرد¡ وإذا أردنا أن ندرك العلاقة الموجودة بين اللغة والفكر يجب أن نعود إلى الحالات المرضية كما في حالة المصابين بالحبسة.
لا يمكن لأي شخص صادف في حياته اليومية أو في إطار الفحص الطبي مصابا بالحبسة أن يتغاضى عن ما يشعر به هؤلاء.يتضح جليا أن عجزهم عن التعبير بطريقة جيدة وأحيانا عن إنتاج أبسط كلمة¡لا ينزع عنهم مع ذلك الرغبة في التواصل خصوصا قدرتهم على التفكير في أنفسهم وفي العالم .
سينطلق الأطباء من هذه الرغبة في التواصل لمحاولة تقديم علاج لهؤلاء وذلك بتدريبهم على الكتابة أو الحركات أو بإعادة تلقينهم بعض الكلمات الأساسية.
تطرح ملاحظة هؤلاء الصابين أسئلة جوهرية: ما هي الروابط التي تربط اللغة بالفكر¿ هل يمكن أن نفكر بدون كلمات¿ هل يصون غياب اللغة الذكاء الطبيعي¿
إن المشكل البين لاكتشاف أفكار المصابين بالحبسة هو بالضبط عدم قدرة هؤلاء على إيصال تلك الأفكار وتبليغها¡إلا أن البعض من هؤلاء كتبوا بعد ما استرجعوا قدرتهم على الكلام مذكراتهم وهي شهادات قليلة جدا لكنها ثمينة خصوصا
عندما تأتي من أطباء وفلاسفة تعرضوا لنفس المرض.
يحلل Dominique LAPLANE في مؤلفه "ما بعد الكلمات" مختلف الشهادات منها شهادة أستاذ في كلية الطب
بمونبوليي الطبيب LORDAT الذي كان مختصا في الحبسة التي كان يطلق عليها L,ALALIE في أبحاثه العلمية لسنوات 1820/ 1823 ومن عجائب وقساوة القدر سيصاب هذا الطبيب سنة1825 بنفس المرض المختص فيه .
بعدما خف اضطرابه نشر مذكراته على شكل درس ألقاه سنة 1843 ¡وبما انه مختص في اللغة استطاع بسط تحليل مركز للألم الذي كان يعاني منه¡ وبعد وصف لعجزه توصل إلى "قيمة الكلمات" وهذا ما كتبه" لا تعتقدوا بأنه وقع أدنى تغيير
في وظائف المعنى الداخلية¡كنت أشعر بأنني كنت أنا في قرارة نفسي... عندما كنت وحيدا ¡يقضا كنت أفكر تفكيرا داخليا مضمرا بانشغالاتي اليومية¡ بدراستي ¡ ولم أكن أشعر بأي حرج في ممارسة تفكيري...إن تذكر الأحداث¡المبادئ ¡
الاعتقادات¡ الأفكار المجردة ظلت على حالها كما كانت قبل الإصابة بالحبسة¡كان يجب أن ندرك إذا بأن الممارسة الداخلية للتفكير تستطيع تجاوز الكلمات "
الشهادة الثانية التي تستحق الوقوف عندها هي للفيلسوف Eldwin Alexander الذي يقول " كنت أمتلك التصورات لكن بدون لغة¡ حيث كان لدي فهم للعالم¡لذاتي وللعلاقات الاجتماعية بدون معرفة أي شيء¡وبدون معرفة في الواقع لا
بالنحو ولا بالمفردات التي استخدمتها طيلة حياتي." لا يمكن اعتبار الشهادتين كأدلة علمية غير خاضعة للنقاش¡فهي تشكو من الهشاشةلأنها ناتجة عن إعادة بناء بعدية لأشياء تم الإحساس بها من قبل ¡وهذا ليس فقط لأن الزمن يتدخل لتحريف الذكريات لكن لأن الذين صرحوا بها لحظة البوح بها كانوا قد استرجعوا قدرتهم على الكلام ¡بالإضافة إلى أن كل هؤلاء
المصابين لا يشكون من نفس الاضطرابات .
إن التحولية الكبرى لاضطرابات المصابين بالحبسة هي مع ذلك أساس نقاش طويل حول ذكائهم فهل يملكون أم لا ذكاء محفوظا كليا¿
بدون الدخول في تحليلات مثل هذا النقاش نود أن نشير إلى الصعوبة الأساسية لوضع قاعدة عامة حول القدرات العقلية للمصابين¡فلا تشابه بين مصابين اثنين في الإصابة المرتبطة بالخلل الدماغي¡وهذا يدل من جهة على أن اضطرابات
اللغة نفسها يمكن أن تتغير ¡ ومن الجائز أن يكشف بعض المصابين عن اضطرابات تتعلق بالانتباه وبوظائف ذهنية أخرى . إنه لمن المحتمل أن يكشف بعض المرضى عن إتلاف لقدراتهم العقلية بسبب هذه الاضطرابات المجتمعة.
نشير كما فعل هذا "لابلان" إلى حالة هذا العلمي العالي المستوى الذي لا تتجاوز كفايته اللغوية طفلا من أربعة أو خمسة سنوات لكنه يكشف في المقابل عن حاصل ذكاء الخصائص يصل إلى 131 /. بالرغم من كل الحذر المطلوب من أجل تمثل كل هذه الملاحظات فإن شهادة المصابين بالحبسة¡وملاحظة ذكائهم تؤدي إلى نفس النتيجة: إذا كانت اللغة والفكر
مترابطين بعمق فلا يمكن بالمقابل إثبات بأنهما شيئا واحدا.
إعداد: قو يدر عكري وجدة عن : مجلة علوم انسانية


كل الحقوق محفوظة لموقع فلسفة 2017/2004

لا تعبر الآراء الواردة في موقع فلسفة إلا عن وجهة نظر كاتبيها