الرئيسية» الرئيسية دفتر الزوار»دفتر الزوار راسلنا»راسلنا شروط»اتفاقية الاستخدام
تويتر فايسبوك
مدير الموقع
موقع فلسفة
لايستهدف جلب الأنصار و إنما تكوين أناس أحرار

موقع فلسفة
قائمة المحتويات
بكالوريا 2017

فلسفة

 
www.000webhost.com

موقع فلسفة موقع خدمي يسعى إلى تقديم نوع من الخدمة المعرفية ، و هو موقع معني بالفلسفة ، وبالاهتمام بالفلسفة بالمعنى العام للكلمة و يتشرف باستقبال كل موضوع ينسجم مع هذه المرجعية و يتم قبول الموضوعات التي ترد إلى الموقع وفقاً لسياسات موضوعية و منهجية معينة من بينها: المحتوى والحجم ، وكذلك مستوى الموضوع ، و الطبيعة الأساسية للموقع . وبعد حصول الموضوع على الموافقة ،يتم إدراجه في الموقع .

هـُنـَا تـُـقـْـبَـلُ أرَاءُ كُمْ النِيّرَة وَ مَوْضُوعَاتُـكُمْ المُـفِيدَة
*** وجهة نظر *** دورية تصدر عن موقع فلسفة/ جميع حقوق الموقع محفوظة،© موقع فلسفة 2017/2004 - ع.فورار
لا تعبر الآراء الواردة في المقالات المنشورة إلا عن وجهة نظر كاتبيها
دريدا و هاجس عالمية العبرانية.هموم الأرض و الكتابة / بقلم أ: مونيس بخضرة جامعة تلمسان.*

في مقاله الموسوم ب: إدموند جابيس و سؤال الكتابة، يحاور جاك دريدا اليهودي المهوس بالكتابة قائلا:
- الأرض
- لكنك توجد على الأرض
- إنني أفكر في الأرض التي سأسكنها
- لكننا نوجد على الأرض هنا وجها لوجه
- إنني لا أعرف سوى أحجار الطريق التي تؤدي إلى الأرض(1).
هاجس الأرض، إننا نسكن على الأرض هنا وجها لوجه معهم، هاجس دريدا و باقي اليهود، عمره ألاف السنين، هاجس لا زال يكبر و يتعاظم ليتجاوز البحار و لا ربما الأرض إلى خارج الكون، حيث اللامستقر النهائي، هاجس الأرض الذي لا طالما كان مفككا يبحث عن من يجمع أوصاله و أجزائه المتناثرة على الأرض و الصحاري الشاسعة، هاجس زاحم سود إفريقيا و أنبياء الصحراء العربية، هاجس كتب له أن يبقى لينطوي مع إنطواء رق الوجود حيث كان ينبغي له أن يظهر قبل البدء، و قبل ظهور العنف على إمتلاك الحق و الحقيقة.
جاك دريدا يرى في اليهودي ذلك الإنسان المتكلم، الذي لم يخلق هنا بل هناك على ضفاف الكلمة، كلمة شاعرية لها باعها الممزوج بالخلود، اليهودي أتعبه البحث عن موطن الكلمة و الكتابة و القانون، فاليهود سلالة إنبثقت في المراحل الأولى للخلق من
الكتابة المشتقة من الكتاب قائلا في البدء كان التأويل(2).
أخيرا إستلب هاجس دريدا موطن الكتابة و الكلمة، من موطن كلمة المسيح عليه السلام الذي قال في البدء كانت الكلمة، لينقش على صخور متناثرة في حجرة مظلمة و ضيقة تحت باب المغاربة بالمقدس، حيث إجتمع الجن و الإنس على تقاسم تركة الأرض في مخطوطة الرمال، رمال رمادية اللون، رمال أحرقتها حوافر الخيول العربية في لحظة لم تدوم طويلا، اللحظة التي تشكّل منها الوجود و الخلق المتبقي، الخلق الذي يتعلم الكتابة بعدما عشقها اليهود قبل أن يمارسها، لأن ممارسة الكتابة تستلزم أرضا يكتب عليها اليهودي، و لكن الأرض عمرت منذ أزل قبل أن يعي اليهودي وجوده و كتابته أصلا، لم يبقى منها إلا ما هو غير صالح للكتابة و الكلام ، قمم الجبال الشاهقة سكنتها الثلوج و الطيور الجارحة، و الصحاري سكنها الفراغ مع أشياء يكرهها اليهود، و كل الأنهار حجزتها الحجارة، فأين هذه الأرض التي يبحث عنها دريدا؟.
يجيب دريدا، نحن لا نبحث عن أرض عادية، الأرض التي فيها الجبال و الأنهار و الصحاري، و إنما نبحث عن أرض صخرية محفوفة بالمغارات التي سكنها الأنبياء الذين علموا البشرية الكتابة، نحن نبحث عن أرض الكتابة لنسكنها بعدما قضينا كل تاريخنا في الضياع و التفكك، لقد ذقنا مرارة التفكك و الإختلاف و التشتت و نكران الأصل في هذا الوجود ، إنها تجربة التشتت التي عشناها مع أطفالنا و نساءنا و أبائنا، و الآن حان الوقت لنسكن أرضنا الموعودة في النصوص، أرضنا فلسطين.
إكتوت هذه الأرض بالفتح الجديد، أنهكتها حروبها المتكررة لهم، حروب أعلنها جبل طور في عقد معلوم و لا زالت تحمل راية الحرب، أرض حزينة أيامها من الشتاء، و سكن دريدا في عزلة طويلة ، أرض دريدا أصبحت محاصرة من جديد من طرف باقي الأراضي ، شعوب لا تريد أن تسمع لكلماتهم التي وجدوا من أجلها، شعوب لا تريد أن تقرأ ما كتبوه عن الكتابة، شعوب خائفة، تنظر إليهم من شقوق الجدران الضيقة و المتصدعة، شعوب لا تريد المغامرة معهم، شعوب لا تريد أن تغامر بأراضيها، لأنها تعلم أن أعين اليهود مفتوحة ليلا و نهارا على الأرض فقط و لا غير الأرض،إنها معضلة جديدة تواجه قوم دريدا و هي معضلة العزلة حينما إعتزلهم الجميع.
دريدا يملك مفاتح هذه المعضلة البسيطة، لأنه سيخرج قومه من العزلة إلى العالمية عن طريق مفاتيح الكتابة ، الكتابة عند دريدا لغز و خداع ، الكتابة لا شكل لها، تعلمها دريدا على الماء، الماء تحركه دواماته الضعيفة، دوامات وهمية، كتابة تشكلت من كلمات مطاطية تتمدد و تتقلص حسب أهواء النفس المؤرقة بهموم الأرض، دريدا سيخرج قومه من ضائقته من حيث لا يدري أحد، لأنه كان مقتنعا منذ الطفولة أن الكتابة سلاح فتاك، الذي يملكه يملك الحياة، بها يستطيع أن يشتاح العالم من دون إرهاق و تلطخ، كتابة قامت على التشتت و الإختلاف و اللاتجانس و الضياع و التيه و اللاهنا و لا هناك ، لا المركز و لا الطرف ..........
دريدا يكتب نصوصه الفلسفية و الأدبية من كلمات إنتزعها من أحشاء العبرانية التي لم تتغير بتغير الزمن، لأنها الهوية التي لا يعرف اليهود إلا بها، المتناثرة كبقع الزيت المتحركة على قماش التاريخ، ليجعلها تنطق على ألسنة الكل، الصديق و العدو، القريب و البعيد ، المسلم و المسيحي، المسالمون و المحاربون، أو أراد أن يجعلها كلمات ينطقها العالم، فكفانا تشتتا و إختلافا، و حان الوقت لنسكن العالم و الحضور فيه كبقية الشعوب، إختلاف في الكتابة و في العلامات و حضور دائم في الأرض،و لنجعل الإختلاف يِؤسس للحضور إنها ظواهرية الحضور التي لم يستطيع أن يتخلص منها، فكل يهودي كما يرى وجب عليه أن يعيش القسم الأكبر من حياته في الشتات كما يجب عليه أن يعيش القسم المتبقي في أرض الموعودة ، أرض الملاقاة لأننا كلنا تجارب..إنه العهد و القسم.
دريدا ولدا في حي بأعالي العاصمة (الأبيار، الجزائر1930) المقابل للبحر، من أصول يهودية الوافدة إلى الجزائر في عز أيام الإستلاب، فهو الآخر قد عاش محنة الشتات كباقي أبناء جلدته، لأن الشتات واجب فرضته الأرض عليهم، بدأت ملامح التشتت فيه تتحول إلى فلسفة و إلى خطاب ليس كأي خطاب، خطاب يحاول أن يؤكد حضور مركزية التراث العبراني المختزل في كلمات دريدا الرئيسية الذي لم يتسنى إلا عن طريق تفكيك الأطر الإبستيمولوجية لأنظمة الميتافيزيقا التي تكتلت في تاريخ الحضارة الغربية إلى غاية هوسرل، الذي ساعد هذا الأخير على تقويض الحضور و الكشف عنه مقارنة بأنطولوجيا هيدغر التي تربط اللغة بالكينونة كبيت لها، فتفكيك الميتافيزيقا و حضور العقل و هيمنته لا يبدأ من التجربة و من الظواهر الأمبريقية لأنهما مأسورين بفعل الزمن، و إنما يبدأ من أضرب اللغة و الألسونيات و الكتابة لما تمتاز به من إستمرار كحصن مارق على الزمن، لا يتأثر بل يؤثر، لأن التراث الغربي عرف بحضور الذات منذ أفلاطون إلى اللحظة الراهنة، و كلما كان هناك إختلاف إلا و سبقه إختلاف، بمعنى أن الإختلاف يظهر زمنيا قبل الحضور الذي عرف بالتمركز اللوغوسي، الذي يعني تمركز الفكر الغربي خلال مراحل تطوره حول اللغوس أو العقل الكلي، و على أنقاض هذا الإكتشاف العبراني لإخراج الذات من القوقعة، حدد دريدا معالم مشروعه القادم و الذي سيكون محورا رئيسيا في الفكر العالمي- نشرالعبرانية - و نقل محنة الشعب إلى محنة المعرفة، التي تظهر في تطبيقاته التفكيكية على مجموعة من النصوص، كنصوص اللغة و مواضيع الأدب و النفس، في علم الكتابة و الكتابة و الإختلاف(1967)، و في هوامش الفلسفة (1972)، و التشتت(1972)، بما فيها أعماله المتأخرة كا الحقيقة في الرسم( 1978) وGLAS (1974) و البطاقة البريدية(1980)، الذي سأل في شأنه بول ريكور دريدا بعد صدوره عن ما هي الضرورة التي دفعتك إلى تأليف مثل هذا الكتاب؟، فكان رد دريدا هو: إنك حين تستعمل مفهوم الضرورة فإنك تبقى ضمن مركزية العقل، ضمن العقلانية، أما أنا فقد خرجت منها من زمان(3). هذا الرفض إنما هو هدم متواصل في إيمان دريدا بمشروعه، فحضور العقل اللغوسي هو ذلك العقل المتطابق مع تصوراتنا المنطبقة على الهوية في مقابل الآخر المقموع فينا، من أجل الحفاظ على حضور وهم الحقيقة من قبل الذات، هكذا نجد دريدا يحاور و يجادل و يفكك العناصر التقليدية للفكر أثناء الكتابة، و أولويات الحضور على الغياب، لأنتاج أفكار مفككة بعدما خلصها من العقل المركزي التي تشكل تحديا مستمرا له، و التي جعلت من التراث الغربي بأرثه المعرفي عبارة عن كومات فكرية صلبة بفعل مفاهيم كانت في صلب العقل تحولت إلى مركز للفكر الكلي و إلى مفاهيم خالدة و مقدسة صارت ضمن اللامفكر فيه، مثل فكرة خلود النفس الأفلاطونية و الذات الأرسطية ، و أنا ديكارت الأنطولوجية، هذا النوع من الفكر هو الذي أبدى فيه دريدا تحديا لتمزيقه و الكشف عن سلبياته، لأعادة التفكير فيه بكل حرية بأدوات جديدة لم تكن معروفة، و هذا إنطلاقا من قاعدة طالما عمل بها دريدا و هي أنه لا توجد فكرة لا يمكن إعادة التفكير فيها، و ليس هناك قولا لا يمكن إعادة قوله باسترخاء من جديد، و الأدهى في كل هذا حتى التفكيك لزم عليه أن يمر على هذه العملية الإبستيمولوجية لكي يصبح موضوعا لتفكيك نفسه، و التفكير في تكون الروابط بين أنساق الحضور، من خلال التفتيش عن مواقع خارج الفلسفة لأستجواب النصوص الفلسفية بأفكارها.
يهودية دريدا تظهر في أسلوبيته بتوظيفه لمفاهيم مطمورة في الوجدان اليهودي، فاليوناني هو اليهودي في الكلمة، و اليهودي هو يوناني في الكتابة كما يزعم دريدا، على أن اليهودية تطرح بديلا لميتافيزيقا الحضور اليونانية، فنموذج اليهودي كنموذج لتفكيك الفكر و العمل ضمن التعاليم اليهودية الحية، لذا كانت أبعاد يهودية في مشروعه( 4)، و لهذا كان دريدا يعتقد دوما على أن اليهودية منحت بديلا لفلسفة الحضور اليونانية ، يقول دريدا في هذا الشأن " إن ما نعرفه اليوم بأن اللاهوت المسيحي و اليهودي ما هو إلا إيمان ثقافي تمت صياغته هلينيا بدرجة كبيرة" ( 5)، فاليهودية تمثل نوعا من المغايرة و الأخرية قبل أن يتم إستيعابها في الثقافة اليونانية تحتّم عليها أن تسود العالم كما سادته اليونانية، لأنها هي الأخرى كانت منذ زمن بعيد تضايق الهويات الغربية في الفلسفة، لهذا فإن التفكيك السري للعقل اليوناني نشأ منذ البدايات الأولى للثقافة الغربية بتأثير يهودي ، و أنا الآن يقول دريدا أعمل على الكشف عن عمله فقط كعمل نبوي، لأنني برزت في أوقات الأزمات الإجتماعية و التاريخية و الفلسفية كما برز الأنبياء في وقت مضى، الشيئ الذي تغير بيننا يقول دريدا هو لهجة أنبياء اليوم تغير عن سالفاتها في الماضي ، فدريدا اليوم كما يدعي أنه يتحدث بلهجة التناص، وهنا نلمس في دريدا إستعلائه النبوي عندما يعم التفكيك جميع المناحي تبدأ النبوات في التوّالد في أرجاء العالم و هي نبوات اليهودية.
فالنبوة حسب إعتقاد دريدا تقترب كثيرا من الفلسفة، تختلف عنها فقط في إستغنائها عن المعايير لأنها هي ذاتها معيار، و هي ترفض بذلك التسليم لأي تحكيم خارجي يمكن أن يحكم عليها أو يقيمها بطريقة موضوعية محايدة، فالنبوة تصرح بإيمانها بالغيبيات تجد مرجعياتها في إيمانها بالوحي و ليس بالمعايير الواقعة وراء نطاق الخبرة البشرية كما هو الشأن في الفلسفة.
لهذا يمكن أن نقول أن دريدا يرى في مشروعه على أنه مشروع نبوي يهودي الذي يظهر في ربط المقومات العبرانية بالفلسفة في التفكيك كأصل عبراني الذي نلمسه في الرحيل و في التشتت ، يقول دريدا" من الممكن أن نرى التفكيك يتم إنتاجه في حيز ما حيث الأنبياء ليسوا بعيدين عنه، لكن الرنين النبوي يبقى في مستويات الخطاب النظري...إنني لا أزال أرنوا لشيئ من النبوة و لهذا ربما يكون بحيث نبوءة القرن العشرين ذات السمة البارزة"(6)، يهدف من وراء هذا كله لإخراج اليهودية من حصارها إلى العالمية، بعالمية الفلسفة التي كتبت بحروفها بعدما عانت من الضياع و التشتت و من الكره ، فحان الوقت لتغيير تاريخ اليهود عن طريق الكتابة لتصحيح أخطائها المتراكمة عبر الأجيال التي بقت كوشمة عار في جبينها.
يقول هيجل" مع أبراهيم الجد الحقيقي لليهود، يبدأ تاريخ هذا الشعب، أي أن روحه هي الوحدة، هي الروح التي بقيت تسيّر كل ذريته"(7)، و هو يضيف دون شك أن هذه الروح تعبر عن نفسها في مظاهر مختلفة حسب الظروف و حسب صيغ المنازعات التي جرت بين الشعب اليهودي و شعوب أخرى، و غالبا ما جرى الإلحاح على تاريخ إبراهيم عليه السلام الذي إستعاده هيجل عدة مرات في نصوصه الفلسفية، و ذلك لأن هيجل يكشف في تاريخ إبراهيم عن السمات المميزة البارزة في قوم دريدا، يرى هيجل أن الضياع الذي فلسفه دريدا إمتزج مع طينة اليهودي منذ القدم، لقد ولد أبراهيم عليه السلام بحسب هيجل في بلاد كلدان، فكان فعله الأول هو الإنفصال عن أسرته و عن شعبه، هجر أسرته ووطنه هربا من طغيانهم و محطما كل صلاته بهم، هي نفسها الصلات المتعاقبة على أجيال شعب دريدا، إنفصال مزق مصير الشعب، فاليهودي يريد أن يصبح سيدا على نفسه مستقلا في عالمه، وجد ليصبح من أجل ذاته حسب اللغة الهيجلية، فهذا الإنفصال عن الطبيعة هو أعمق الجذور لدى اليهود منه لدى سواهم من الشعوب ، إن هناك إنقطاع تفطن له دريدا عمل على إعادة إيصاله بحلاقاته عن طريق الفلسفة بمفاهيمها الدريدية ، فلا يعرف الشيئ إلا بضده ، فالغياب لا يفهم إلا من خلال الحضور، و الإختلاف لا يفهم إلا من خلال التجانس و التيه لا يعرف إلا بالإستقرار ، فرجوع إلى الذات و الإكتفاء بها يدمر كل صلة حياة بين الإنسان و العالم ، فروح اليهودي كما يقول هيجل معادية للعالم و للناس و للأخرين لأن روحهم وجدت مهاجرة و بقيت على ذلك، مفقودة في العالم بقيت غريبة على الشعوب التي تعاملت معها ، لأنها لم تملك أرضا معينة بصدق لزراعتها، فكانت غريبة فوق هذه الأرض، تولّد عنه عداء حيال الأرض أدى إلى عداء حيال الآخرين، فالروح اليهودية التي سعى دريدا إلى إحيائها كما يقول هيجل في فينومينولوجيا الروح لم تعد تريد الحب، فبسبب هذا الكره المقيت حدث إنفصال عن الطبيعة، و سبب هذا السلوك الرجوع إلى الذات، الذي يضع حدا للعفوية الحية، فلم تعد تستطيع إعتبار الأشياء على أنها حية، لم تعد بالنسبة إليه أكثر من أشياء يحتاج إليها لإمتاع نفسه و لضمان أمنه و أمن ذريته، لم تعد هناك بين العالم و بينه أكثر من علاقات موضوعية تنحصر في حلاقات تفكير، أما علاقات الحب فلم تعد ممكنة، و لا شك في أن هذا التمزق برهة أساسية في حياة الروح اليهودية التي أردا دريدا التستر عليها في حديثه عن النبوة، فيبدوا إذن أن الطابع الأساسي لهذه الروح بالنسبة لهيجل، هو عداؤها لكل القيم الحيوية، كالبطولة و حب الأمم مثلا، و لكن هذا الطابع ساعد على إكتشاف كل ما هو مرتبط بالرجوع إلى الذات من قيم عقلية و قيم روحية و الإهتمام المحصور بالذات الذي هوعبارة عن سمو كلي مجرد.
و في هذا التحليل لروح الشعب اليهودي التي تابعها هيجل منذ إبراهيم عليه السلام إلى غاية عصره، و إكمالنا لها إلى لحظة دريدا، نجد ملاحظات عميقة حول ما يمكن أن نسميه عداء الحياة و الذكاء، إن التفكير الكلي هو روح اليهودية الذي حطم الحياة و لم تعد هناك من علاقات ممكنة التصور بين الكائنات سوى علاقات السيد و العبد، فرغبة في الحياة لم تضمحل على هذا النحو، و لكنها فقدت جمالها و سحرها بالرجوع إلى الذات ، فكان مصير الروح اليهودية أن تعيش منفصلة عن الإله و عن الناس، لأنها إكتفت بذاتها ، ليبقى مثلها الأعلى هو التطلع لما هو خارج عن ذاتها، و لأنها مفصولة عن هذا المثل الأعلى بقيت خارج الحياة.
إنها مهمة صعبة تحملها دريدا، مهمة العودة إلى البدء لتصحيح مجرى التاريخ ، مهمة جنونية شقها دريدا عندما واجه العقل ، و العقل هو الذي صنع التاريخ، ألف في ذلك كثيرا في علم الكتابة بعدما عشق الكتابة، فمن الصعب على أي إنسان أن يكون يهوديا، لأن هذه الصعوبة تتماهى مع صعوبة الكتابة، ذلك أن اليهودية و الكتابة في نظر دريدا يشكلان نفس الإنتظار و الأمل، بحجة أن هناك علاقة دفينة بين اليهودي و الكتابة، لأنه هو ذلك الذي يكتب و نفسه ذلك الشيئ المكتوب، فدريدا ينطلق من إختيارية اليهودي الذي تصاحبه الكلمات المناسبة كالشاعر الهاوي، فهو إنسان الكلمة و الكتابة(8).
إن الوعي اليهودي هو بحق وعي شقي الذي عبر عنه هيجل في فينومينولوجيا الروح، و الذي لا يريد اليهودي أن يقطع معه سوى مسافة قصيرة بدون زاد ليوم القيامة، يقول دريدا" الألم هو القدر الذي ينادي اليهودي و يجعله وسيطا بين الصوت و العدد، القدر الذي يرثي الصوت المفقود ويذرف الدموع السوداء...لقد توجه إليّ أحد أبناء طائفتي الكثير إعتدال بقوله ألا يعني عدم التمييز بين اليهودي و غيره فقدان الهوية اليهودية؟"(9).
الألم الذي حاول دريدا ضمد جراحه حتى لا يواصل نزيفه عن طريق نقل لغة التشتت إلى لغة المعرفة و بالتالي إلى لغة العالم، لأنه لا خيار أمام دريدا إلا أن يلتحق شعبه بالشعوب الأخرى ليتقاسم معهم عواطفهم و همومهم، و هذا مستحيل لأنه لو حصل ذلك لتنازل اليهودي عن هويته المقدسة ، لأن هذه الهوية في نظره قدر إلهي، أو العمل على جعل شعوب العالم أن تعود إلى شعبه و الإلتفاف حوله لمقاسمة أفكارهم و إكتساب لغتهم و هو ما نجح فيه دريدا أخيرا و سكن الأرض.


التهميش:
*- ص ب 317 الرمشي 13500 تلمسان الجزائر zohirhigel@maktoob.com
1- ضمن إدموند جابيس: أسئلة الكتابة أو حوار الفلسفة و الأدب، مقالة لجاك دريدا بعنوان إدموند جابيس و سؤال الكتابة، ترجمة إدريس كثير و عز الدين الخطابي، دار الحداثة فاس ط1-2003 ص 110.
2- المرجع نفسه ص 111.
3- جورج زيناتي:رحلات داخل الفلسفة الغربية، دار المنتخب العربي للدراسات و النشر و التوزيع ص104.
4- ريتشارد كيرني: جدل العقل حوارات آخر القرن، حوار مع جاك دريدا( التفكيك و الآخر) ، ترجمة إلياس فركوح و حنان شرايخة، المركز الثقافي العربي الدار البيضاء ط1 2005 ص 164.
5- المرجع نفسه ص 175.
6- المرجع نفسه ص 179.
7- جان هيبوليت: مدخل إلى فلسفة التاريخ عند هيجل، ط2 ترجمة أنطوان حمص، وزارة الثقافة دمشق 1975 ص 08
8- ضمن إدموند جابيس: المرجع السابق ص 107
9- المرجع نفسه ص 123..127.


كل الحقوق محفوظة لموقع فلسفة 2017/2004

لا تعبر الآراء الواردة في موقع فلسفة إلا عن وجهة نظر كاتبيها