الرئيسية» الرئيسية دفتر الزوار»دفتر الزوار راسلنا»راسلنا شروط»اتفاقية الاستخدام
تويتر فايسبوك
مدير الموقع
موقع فلسفة
لايستهدف جلب الأنصار و إنما تكوين أناس أحرار

موقع فلسفة
قائمة المحتويات
بكالوريا 2017

فلسفة

 
www.000webhost.com

موقع فلسفة موقع خدمي يسعى إلى تقديم نوع من الخدمة المعرفية ، و هو موقع معني بالفلسفة ، وبالاهتمام بالفلسفة بالمعنى العام للكلمة و يتشرف باستقبال كل موضوع ينسجم مع هذه المرجعية و يتم قبول الموضوعات التي ترد إلى الموقع وفقاً لسياسات موضوعية و منهجية معينة من بينها: المحتوى والحجم ، وكذلك مستوى الموضوع ، و الطبيعة الأساسية للموقع . وبعد حصول الموضوع على الموافقة ،يتم إدراجه في الموقع .

هـُنـَا تـُـقـْـبَـلُ أرَاءُ كُمْ النِيّرَة وَ مَوْضُوعَاتُـكُمْ المُـفِيدَة
*** وجهة نظر *** دورية تصدر عن موقع فلسفة/ جميع حقوق الموقع محفوظة،© موقع فلسفة 2017/2004 - ع.فورار
لا تعبر الآراء الواردة في المقالات المنشورة إلا عن وجهة نظر كاتبيها
اللغة الفلسفية العربية / معوقاتها وشروط بنائها السوي / / د.أبو يعرب المرزوقي

لا يزال عدم الصلة المباشرة بأصول الفكر الفلسفي جوهر المعضلة التي يعاني منها فكرنا الحالي رغم قرني النهضة. وقد واصل فكرنا خلال القرنين الأخيرين خطأ فلاسفتنا الأوائل خطأهم المضاعف. فلا يزال في الأغلب مستندا إلى الترجمات الوسيطة. كما لا يزال أغلب مفكرينا يعتقدون القول الفلسفي عامة والقول العلمي خاصة قولا مطلق الجزم والحسم فيأخذون النظريات والمذاهب حقائق نهائية إلى حد اعتبار الإيديولجيات علما. دلك أن كل فلاسفة القرون الوسطى المسلمين دون استثناء كانوا غير مبالين بلغة النصوص التي يعملون عليها شرحا وتأويلا بمن فيهم الشارح الأكبر[i]. وكان أغلبهم يظن الفلسفة بلغت الحقيقة النهائية " ولم يبق إلا أن تعلم وتتعلم"[ii] . فكان فعلهم ذلك أدهىمما فعله أصحاب العلم المزعوم دينياوالمظنون قطعيا لا يقبل النقاش تأسيسا لسلطانهم على قدسية موضوع اختصاصهم[iii].
والعلاج هو طبعا من جنس ما تنبه إليه الكثير ومنهم أصحاب المبادرة التي تمثلها مجلة "فلسفة"[iv] والتي اعتقد بدايتها واعدة. فهو يقتضي محاولة التخلص من اللغات الوسيطة أداة اتصال والتركيز على فلسفة مبدؤها السعي إلى تجاوز السذاجة الفلسفية القائلة بالعلم الخاتم أو الميتافيزيقا موقفا معرفيا[v]. ورغم أنه قل أن تجد فيلسوفا عربيا اليوم جاهلا بلغات الفلسفة الحديثة والمعاصرة لأن أغلبهم حصلوا معرفتهم بالمضمون الفلسفي عن طريق اللغات الأجنبية بحكم التعلم خارج الوطن أو خلال فترة الاستعمار التي كانت لغة التدريس فيها هي لغة المستعمر[vi] فإن بناء لغة فلسفية عربية مشتركة لم يزل في طور المحاولات الاولى التي لم تؤت بعد أكلها[vii].
وسنتبع في علاجنا قضية اللغة الفلسفية العربية المرحلتين التاليتين:
I-أولا: سنناقش بصورة تميهيدية مسألتين مهمتين تساعدان على تصنيف أدواء حركة الترجمة رغم عرضية ورودهما في العدد الأول من مجلة فلسفة هما ما ينسب إلى هيجل من موقف من التنوير وما ينسب إليه من تعجب إذ تتوسل الفلسفة اللسان العربي وينتهي بتصنيف أدواء حركة الترجمة العربية الحديثة.
II- ثانيا: ثم نمثل لخصائص حركة الترجمة الفلسفية في الحقبة العربية التي نطلق عليها اسم النهضة من خلال مناقشة أمثلة من ترجمة الاستاذ وهبة لنقد العقل الخالص (كنط) ومن الزمان والوجود ( هيدجر).
I- تمهيد يصنف أدواء حركة الترجمة في الفلسفة العربية
محاولة "فلسفة" محاولة واعدة. فهي تتضمن أمرا جديرا بكل اعتبار. لكن عددها الأول شابته كبوة لعلها هي التي عجلت بالتعليق دون أن تكون له علة[viii]. وقد اخترنا الكلام عليها مدخلا لتصنيف أدواء حركة الترجمة الفلسفية العربية. وهي قد عجلت التعليق لأنها قد تتحول إلى بذرة تفسد المشروع. ولما كنت أنتظر الفرصة لتقديم بحث دقيق حول مسألة الترجمة الفلسفية عامة وترجمة الفلسفة الألمانية خاصة وترجمة هيدجر بصورة أخص فقد بادرت. فالحوار الخيالي بين هيجل وكنط في فاتحة العدد فيه الكثير مما يدعو إلى التعليق الذي يمكن أن يكون بداية لتحديد خصائص احد تيارات الفكر الفلسفي العربي الحالي ومفهوم أصحابه للترجمة خاصة. وسنقتصر على غرضي الحوار الأساسيين. فكلاهما يعتبر رمزا لما وصفته بالكبوة. أمران في الحوار أدهشاني إذن:
1- الأول هو ما ورد على لسان هيجل من استغراب للقول الفلسفي باللسان العربي,
2- والثاني هو الدفاع عن التنوير الكنطي ضد مابعد الحداثة المنسوبة إلى هيجل
بلهجة هيدجر.
لو نسب العجب من تكلم الفلسفة لغة المتنبي إلى غير هيجل لما حصل اندهاش. فهيجل ادرى فلاسفة الغرب بدور العرب الفلسفي ببعديه التنظيري والابداعيفضلا عن كون نظرية هيجل اللسانية بخلاف مزاعم مدرسة هيدجر تقتضي أن تكون كل لغة من حيث هي لغة قادرة على القول الفلسفي بمقتضى كون اللسان لسانا أولا وبحكم كلية العقل البشري ثانيا ولصلة لسانية اللسان بكلية الكلي على الإطلاق. ثم إن هيجل هو أعلم فلاسفة الغرب بقول اللسان العربي الفلسفة اليونانية قبل أن يصبح اللسان الألماني لسانا عاميا فضلا عنه حال ارتقائه إلى القول الفلسفي. ألم يكن من المطلعين مباشرة على بدايات الاستشراق الجدي في ألمانيا أولا وعلى كتابات جوته ثانيا إلى حد جعله يربط بين ابداعه الشعري المتأخر وتأثير الابداع العربي خاصة والإسلامي عامة[ix]¿ أليست هذه النسبة رغم كونها خيالية تمثل تعبيرا عن رأي يمكن نسبته بالأولى إلى قراءة فكر هيجل قراءة متأثرة برأي هيدجر في غير اليونانية والألمانية من اللغات البشرية ¿
معاداة التنوير: لكن الأدعى إلى الاستغراب هو اتهام هيجل بمعاداة التنوير! ثم اتهامه بالانتساب إلى ما بعد الحداثة! هكذا باطلاق دون التساؤل عن علل بروز المدارس النقدية التي سعت إلى تجاوز التنوير الفج مع تجنب غلو ما بعد الحداثيين[x]. أفلا يكون لذلك علاقة بما كان هيجل يدعو إليه في نقده للكنطية نقلا لمشكل التأسيس الإبستمولوجي من النقد المجرد والترنسدنتالية (عند كنط: عدم تاريخية العقل) إلى النقد التاريخي والتجربة الروحية أو فينومينولوجيا الروح في مستويي التاريخ الفردي والجمعي العينيين والمجردين[xi]¿ أما كان ذلك يمكن أن يحول دون رد الفعل على التنوير المتعالي في ما آلت إليه ما بعد الحداثة من نسبوية مطلقة بعد اليأس من مطلقات العقل التنويري في الفكر الفلسفي غير التاريخي (سقوط مقومات الفكر الترانسندنتالي بدءا بالأنا المتعالي وختما بالثوابت المنهجية) لحوقا بمطلقات الوجدان التنويري غير التاريخي في الفكر الديني ( علم الكلام العقلي ) وكلاهما من نفس الجنس.
اللسان العربي والفلسفة: هل يكون مؤلف الحوار قد تبنى هذا الموقف من اللسان العربي الذي نسبه إلى هيجل لتصوره قدرات اللسان قابلة للقيس بما يلاقيه الواحد منا من عنت في محاولات الترجمة وتزكية للجهد الناتج عن التحدي بالاقدام على الترجمة¿ أيكون المؤلف مصدقا تهويل القول الفلسفي وتزكية بعض الفلاسفة ذواتهم مباهاة بتجاوز سذاجة العلماء في ما يزعمونه دقائق وحقائق جلها إن لم يكن كلها عائدا إلى معاني عامية لا تتجاوز مقولات نحو اللغة الطبيعية¿ هل احتجاح رئيس هذه المدرسة (هيدجر) بفقه اللغة اليونانية والألمانية يقبله من يدرك ضميره أعني تصور معاني الوعي البدائي لاحدى الحضارات كما تعينت في لغتها عاميا كان ذلك أو متفلسفا يمكن أن يكون مقياسا تعير به تجارب الأمم الأخرى كلها[xii]¿
هل يمكن ان يكون أداء اللغة الفلسفية الحديثة باللسان العربي بعد أربعة عشر قرنا من الفكر الفلسفي العربي مشكل ترجمة علتها خاصيات اللسان العربي¿ أليس الجدل حول معضلة المصطلح في لغة صارت علمية وفلسفية منذ أكثر من ألف سنة- أيا كان المجال- من استرتيجيات تزكية النفس غير الصريحة تعظيما من مجهود المترجمين العرب الحاليين¿ كيف أمكن لعرب التجربة الأولى رغم عسرها - إذ إن لغة الامة البادية استطاعت قول أسمى العلوم اليونانية وألطف التجارب الصوفية بلغة ما تزال نموذج النجاح الابداعي في المعرفة العلمية والتعبير الوجداني- أن يتجنبوا هذه المناحات على صعوبة الترجمة مكتفين بالتدرج المنطقي في بناء اللغة الفلسفية المشتركة لكل الممارسات المعرفية التي تضمنتها حضارتهم واستحال على عرب التجربة الثانية رغم يسرها أن يتجاوزوها فتبقى اللغة الفلسفية مجرد اجتهادات شخصية لم تتسق ولم تندرج في ممارساتهم النظرية ولا في حياتهم العملية¿
هل يصدق مؤلف الحوار أن العنت في الترجمة مصدره اللسان الغاية وليس خاصية ذاتية للترجمة عامة حتى لو نقلنا نصا نقلا داخليا في نفس اللغة أو نصا من لغة بدائية إلى لغة راقية ( أعني عكس الوضعية المزعومة في النقل من الألمانية إلى العربية ) ¿ من يصدق أن عقبات الترجمة مصدرها اللسان وليس العلم بالمضامين المنقولة ما دام بوسعنا أن نقول أي مضمون عند علمه بدقة بأي لغة شرط أن يتم التواضع بين أهل الاختصاص على مجموعة محدودة من الحدود الأولية وقوانين التأليف بينها كما هو الشأن في أي لغة فنية ¿
لا أحد ممن يعلم تاريخ الفكر الفلسفي يشك في أن بداياته أعصى عليه صياغتها من نهاياته ككل فن يراكم انجازاته فييسر عمله اللاحق بما يمده به عمله السابق من حلول تكون سندا إيجابا بما توفره وسلبا بما يوحي به نقصها من الحاجة إليها. كما لا أحد ممن يعلم منطق البناء الاصطلاحي وصيرورته يشك في أن بداياته هي دائما أعصى من نهاياته. فبأي عصى سحرية انقلبت الآية عندنا فأصبح بعض مفكري العرب بعد أربعة عشر قرنا من الممارسة النظرية التي بلغت ذرى الفكر الفلسفي يشكون من عجز لسانهم عن قول الفلسفة بعد اتساقها واتساق لغتهم الفلسفية الوسيطة منهم عن قولها خلال شروعها في الاتساق وخلال وضع أولى مصطلحاتهم الفلسفية بحيث يحتاجون إلى لي عنقها لكي ينقلوا كيفيات التعبير في اللسان المنقول منه بدلا من نقل قصد التعبير بالكيفيات التي يقتضيها منطق لسانهم ¿
لعل حل مشكل العلاقة باللغة الفلسفية الحديثة على المستوى الشخصي (الاتصال المباشر بالمصادر) رغم أهميته قد حقق عند الأغلبية من مفكري العرب نتيجة عكسية لما كان مأمولا. فهو قد فاقم المشكل في المستوى الجمعي والمؤسسي فضلا عن ميله إلى الحلول السهلة في غياب الجماعة العلمية التي تمكن بالنقد المتبادل أو التواصي بالحق من تسديد الخطى. لم يحقق علم الفلاسفة العرب بلغات الفلسفة الحديثة- حقيقة كان هذا العلم أو دعوى- لغة فلسفة عربية حديثة ومعاصرة مشتركة بين الفلاسفة العرب بل هو بالعكس حال دون وجودها خاصة والتعليم العالي لم يكد يعرب التعريب السليم في جل الجامعات العربية التي ليس لها من الجامعات إلا الإسم.
فقد أضافت تجربة اللقاء الثانية مع الفكر الفلسفي إلى خطأ التجربة الأولى خطأ أكثر فداحة عندما حصر أغلب مفكرينا الاتصال المباشر في الصلة التي يكون فيها الوسيط مقصورا على الفكر الفردي في غياب بناء أداوت الفكر الجمعية غيابا شبه مطلق أو في التخلي عن مواصلة ما حصل منها في العصور السابقة وخاصة اللغة الفنية المشتركة في القول الفلسفي. فقد عاد مشروع اللغة الفلسفية العربية رغم القرون الاربعة عشر التي مرت على بدايته إلى دائين عضالين بسيطين مترابطين تولد عن تفاعلهما داءان مركبان يحيلان إلى داء خامس هو أصلها جميعا:
1- داء الفصام التعبيري بين لغة النفس ( التي استحوذت عليها لغة المستعمر ) ولغة النطق(التي يستعمل فيها الضحالات الهجينة الباقية من اللغة القومية للتواصل مع الجمهور الذي لم تستحوذ عليه لغة المستعمر بعد: لغة الصحافة والسياسة). فتكون لغة المتفلسف العربي بحاجة دائمة إلى اللغة الأجنبية التي تعلم بها لكي نفهم ما يقول حتى عندما لا يكون نصه نقلا لنص أجنبي فضلا عما يكون عليه الأمر في حالة النقل. فمتفلسفنا يكتب وعينه على دوال المصطلح الأجنبي أكثر مما هي على مدلولاته وخاصه كما يمكن أن تكون لو صيغت بلغة مفهومة تواصل تاريخ المصطلح العربي في المجال. لذلك فقد صارت اللغة الأحنبية وسيطا بين المفكرين العرب وبين موضوعهم ولا يتعدى دورهم في أغلب الأحيان دور المترجم الرديء لسطحيات الفكر الغربي ظنا منهم أن الفكر في الدوال التي هي من طبعها ممتنعة النقل حتى في نفس اللغة فضلا عنها من لغة إلى لغة بمقتضى كون اللغتين لغتين.
2- داء القطع والتطور الطفري لتصور التابعين في لغة النفس أن متبوعهم قد تقدم بالقطع مع التراث الوسيط ليعود مباشرة إلى التراث القديم تصديقا منهم لخرافة القطيعة ولخرافة الوصل المباشر بالعودة إلى المنابع المزعومة من دون الوساطة العربية واللاتينية الوسطيتين.
3- داء الحل السهل المستند إلى الوضع المصطلحي بحيث صار لكل فيلسوف عربي لهجة خاصة به فضلا عن لهجات قطره بدلا مما هو معتاد في تطور الفكر حيث يكون كل تواضع جديد مستندا إلى تجاوز نقدي لما تواضع عليه من تقدم بعد جدل ينتهي إلى استقرار المصطلح. وفي هذه الحالة فان المواضعات التي وصفناها بداء الوضع لا تنتسب إلى تجاوز نقدي لمواضعات العصر الذهبي من تاريخ الفكر أو إلى مواضعات قرني النهضة بل هي في الأغلب مثل ديار البدو استئناف مطلق وخلق عن عدم فتكون الحصيلة حضارة عديمة الآثار بدوية الديار تذروها الرياح ذرو الغبار.
4- داء البابليةأو داء توزع الكتابات العربية بحسب اللغات المتبوعة بحيث تصبح مدارسنا الفكرية أكثر قابلية للتصنيف بحسب النسبة إلى اللغات المؤثرة فيها منها بحسب الاختصاصات أو المذاهب. وهذه الظاهرة ليست مقصورة على الفلسفة. فقد صادف أن تباحثت فيها مع شيخ الأدباء المرحوم احسان عباس في مؤتمر توحيد المصطلح بالأردن سنة 1985 بمناسبة محاولتنا فهم الخلاف المصطلحي بين المقترحات القادمة من المغرب العربي والمقترحات القادمة من المشرق العربي وانتهينا إلى أن الخلاف ليس مصدره تفصيل دال لغة بعينها مباشرة على مدلول بعينه كما هو الشأن في كل فكر مبدع بل مصدرة توسط دال لغة أخرى صار معيارا للصوغ اللساني كما هو الشأن في كل فكر تابع يجمع بين لغتين احداهما في النفس والثانية في القول لكون مقترحي المصطلحات في هذه الحالة فقدوا مخيال التسمية العربي بل وفقدوا القدرة على الإعراب على ما في ضمائرهم بلسان عربي.
5- ولعل الداء الجامع لكل هذه الأدواء هو أصلها جميعا أعني عاهة المترجمين الأساسية.فهؤلاء غالبا ما يصابون بداء التشقيق اللساني والتعالم الاصطلاحي فيحصرون الاجتهاد الفكري في طلب المقابلات اللغوية ومن ثم في ألاعيب لسانية لمحاكاة الكيفيات التي يدل بها دال اللغة المنقول عنها بدل البحث في ما يمكن أن يؤدي نفس المدلولات في اللغة المنقول إليها.
وهذا الداء الخامس هو أخطر الأدواء لأنه مصدر العقم الفكري الذي سيجعل بناء اللغة الفلسفية العربية من جنس بناء القاعدة التكنولوجية على المحاكاة الدائمة لمبدعات يكون المشكل ليس في ابداع نظائرها وتجاوزها بل في كيفية محاكات أعراضها أفضل محاكاة. وهو داء ناتج عن غياب الدراسات الرصينة لطبيعة الوضع الفلسفي خاصة والوضع المعرفي عامة ولشروطهما اللسانية المنطقية والثقافية الفنية فضلا عن اهمال شروط الابداع شروطه التي من أهمها استقلال مخيال التسمية[xiii]. فإذا صار مخيال التسمية محكوما بمحاكاة المترجمين للغة المنقول عنها بدل البحث في خصائص اللغة المنقول إليها باتت الخيارات الوجودية التي تعد امكانات اللسان القومي أفضل كاشفيها هي بدورها تابعة وأصبحنا أمة عقيمة.
وقد سبق فقدمت بحثا حول الترجمة من حيث شروطها الفنية والثقافية في كتاب جماعي صدر عن بيت الحكمة التونسية في الثمانينات. وهو بحث لم أعد أقر أهم نتائجه التي تتعارض مع الأصول التي في هذا العلاج بعد تجربة كتاب الشعر المطلق وخاصة معيار قابلية الترجمة وعدم قابليتها. لذلك فسأقترح في هذا التمهيد بعض الأصول التي تمكن من التغلب على معوقات الترجمة الفلسفية في اللحظة العربية الحالية من منطلق مميزات القول الفلسفي بصنفيه المضاعفين: الصنف ذي المركزية الربوبية بفرعيه القديم والوسيط والصنف ذي المركزية الانسانية بفرعيه الحديث والمعاصر.ورغم اقرار المسألتين اللتين عالجهما البحث المشار إليه ( الشروط الفنية والشروط الثقافية )فإن معيار قابلية الترجمة وعدمها بالحدين اللذين تتنزل بينهما أعني حد التعبير الأدبي وحد التعبير العلمي قد تغير تصورهما مع بقائهما مقصورين على ترجمة التعبير اللساني.
فما يقبل الترجمة من اللغة الأدبية هو الأباديع (Fictions) التي تحقق التطابق بين كلية الدال وكلية المدلول بتجاوز التعبير اللساني. وبذلك فأدبيتها متعالية على النسبوية الثقافية. وما لا يقبل الترجمة من اللغة الأدبية هي الأباديع التي تحقق التطابق بين جزئية الدال وجزئية المدلول الخاصين بتعبير لساني معين يخص ثقافة دون ثقافة. ففي التعبير اللغوي العادي يكون الدال والمدلول خاصين بثقافة معينة. أما في التعبير اللغوي الأدبي فإن هذا المستوى الأول يتم تجاوزه بالصورة التالية. فالدال في اللغة الأدبية ليس الدال اللساني الخاص بثقافة معينة بل مدلوله الذي يستعمل دالا على مدلول ثان قريب بمعنى ما من جنس معنى المعنى عند الجرجاني. ولعل مثالا من قصة يوسف عليه السلام يساعد على فهم المقصود. فالدال العربي الخاص بالعرب يعطي مدلولا عربيا خاصا بهم لا يفهمه إلا العربي من حيث هو مدلولات لسانية مناسبة للدوال اللسانية وكلاهما اختيار تحكمي لتوجيه الفهم البشري نحو المعاني التي يستهدفها التعبير الادبي والمتعالية على الخصوصيات الثقافية.
ولكن بمجرد الانتقال إلى الحكاية التي تقصها سورة يوسف فإننا نخرج من الخاص بالثقافة التابع للدال والمدلول اللسانيين لنصل إلى ما يعم البشر من الدوال والمدلولات غير اللسانية. فيكون التعبير اللساني في نسبته إلى التجاوز الخيالي عند القارئ نحو هذه المتعاليات من جنس تعليمات المخرج لتوجيه الممثلين للاداء غير اللساني. ويكفي أن نصور قصة يوسف في فلم أو أن تعرضها فرقة مسرحية حتى تصبح دراما الفلم أو المسرح دالا مدلولا متعاليا على الخصوصيات الثقافية لانها تنتقل من الافادة بالرمز اللساني الذي يحتاج إلى الترجمة دالا ومدلولا إلى الافادة بالرمز الكامل الغني عنها دالا ومدلولا لكون المفيد هنا هو الحضور الحي الذي يتحد فيه المدلول والدال: الغيرة بين الأخوة والعبودية والجمال والحب والسجن والعلم والتدبير والحكم كل ذلك نراه رؤية فعلية في المجرى الحي للدراما فلا نحتاج إلى لغة بعينها أو إن شئنا يمكن لأي لغة طبيعية أن تنوب إي لغة لأداء نفس المعاني التي يتوجه إليها الفكر البشري من حيث هو فكر بشري.
فالأمر عندئذ يتعلق بالحياة كما تجري في كل صلات الرحم كما تتعين في المؤسسات التربوية وفي كل صلات الرزق كما تتعين في المؤسسات الاقتصادية وفي كل صلات السلطة كما تتعين في المؤسسات السياسية وفي كل الصلات الروحية كما تتعين في المؤسسات الدينية. وكل هذه المعاني في مجراها الدرامي الفعلي هي دوال نفسها وهي من ثم متعالية على الفروق الثقافية ومعبرة عن كليات كونية لا يخلو منها عمران. وذلك هو الأمر الوحيد الذي يقبل الترجمة في الابداع الأدبي. أما كون ذلك يقال بالعربية أو بأي لغة أخرى ويجري بحسب تقاليد تنظيم الاسرة والمعرفة والاقتصاد والحكم والدين في الثقافات المختلفة فهو غير مفيد فضلا عن كونه غير قابل للترجمة[xiv].
أما ما يقبل الترجمة من العلم فهو كل ما يقبل القول باللسان الصناعي الكوني أو الرياضيات. وهو أمر يكاد يكون غنيا عن الترجمة لأن الرموز الرياضية يمكن أن تعد رموزا كونية إذا خلصناها من التسميات الخاصة بالأبجدية أو بأسماء الأعلام الذين اكتشفوا الحقائق العلمية المعبر عنها. أما ما فيها من ما بعد لغة شارحة للرموز باللسان الطبيعي فيمكن الاستغناء عنه أو قوله بأي لغة اتفقت لانه لا يتجاوز توجيه التعليمات الموجهة لفعل الرياضي في تناوله الرموز الرياضية[xv] من حيث علاج لمضمون علمي عام أو رياضي يمكن أن يصبح صياغة لمضمون محدد إذا كان قانونه قابلا للصياغة بالعبارة الرياضية. لذلك فكلما ابتعد العلم عن اللسان الطبيعي وكتب بلسان اصطناعي كان أيسر ترجمة بل وأحيانا غنيا عن الترجمة. ويمكن أن نضرب مثال أي قانون علمي وليكن أعم هذه القوانين في الفيزياء الكلاسيكية. فالعلاقة بين الجرمين المتجاذبين تقاس قوتها بحاصل ضرب ثابت معين في حاصل ضرب الكتلتين مقسوما على مربع المسافة الفاصلة بين الجرمين. والرمز إلى هذا القانون يتكون من عناصر مناظرة لعناصر العلاقة التي يحكمها القانون: نرمز للجرمين بحرفين ونرمز للثابت بحرف ونرمز للمسافة بين الجرمين بحرف ونرمز لعلاقة التربيع بمؤشر ونرمز لعلاقة الضرب برمز ونرمز لعلاقة القسمة برمز فتكون العبارة الرياضية عن قانون الجاذبية[xvi].
أما القول الفلسفي فإن ترجمته أنواع بحسب أنواعه التي تحدد موضوعات التفلسف من حيث هو مابعد دراستها العلمية بكل درجات العلمية المعلومة. فبعضه يمكن أن تنزل ترجمته بين الحدين الأدبيين. وهو الأعسر على الترجمة. وبعضه الآخر يمكن أن تنزل ترجمته بين الحدين العلميين. وهو الأيسر على الترجمة. والبعض الثالث يمكن أن تنزل ترجمته بين القطب الأدبي والقطب العلمي. وهو بين بين من حيث العسر واليسر. فالترجمة الفلسفية تكون عندما يكون موضوع التفلسف من الإنسانيات إما بين حدي القطب الأدبي أو بين القطب الأدبي والقطب العلمي بحسب مقدار جمعها بين اللسان الطبيعي واللسان الصناعي بدرجتي كل منهما. وهي تكون عندما يكون موضوع التفلسف من الطبيعيات بين القطب الادبي والقطب العلمي أو بين حدي القطب العلمي بحسب مقدار جمعها بين اللسان الطبيعي واللسان الاصطناعي.
لكن المقابلة بين دور الدال ودور المدلول في الترجمة الأدبية والعلمية بينهما حدين يمكنان من تحييز الترجمة الفلسفية تشبه في الحقيقة المقابلة بين علاقة الصورة بالمادة في الصناعة البشرية ( علاقة دال الأدب والعلم بمدلوله ) وعلاقتها بها في التكوين الطبيعي ( علاقة دال الأدب والعلم بمدلوله رغم كون الأدب هو أيضا صناعة )اذا أمكن أن نعبر عن العلاقة بلغة أرسطو. ففي الصناعة تبدو الصورة منفصلة عن المادة وطارئة عليها. وكذلك العلم والادب الراقيان يبدو الدال فيهما مجرد أداة تمثيل من اختيار جماعة العلماء أو جماعة الأدباء لأن المهم هو التمثيل للعبارة القانونية أو للآية القيمية. أما في الموجودات الطبيعية فإن الصورة ليس لها قيام يخصها بل هي لا تقوم إلا في مادة بعينها. وكذلك العلم والأدب الناقصين: فقيام المعاني في هذه الحالة مرهون بثقافة معينة وهي لا تقبل الترجمة لخصوصيتها. لذلك كان أقل الآداب قيمة جمالية ما كان منها مجرد حكاية لما يحصل الواقع كما يدركه الوعي العامي وأقل العلوم قيمة معرفية ما كان منها مجرد استقراء للتجربة الغفلة.
1- المسألة الأولى: الترجمة ليست مقصورة على وظيفة نقل المضمون المعرفي بل هي أحد أدوات التكيف العضوي لنوع من الحيوان هو الإنسان التكيف الذي ييسر الاستفادة من تجارب الأخرين بجهد أقل اقتصادا يغني عن اعادة التجريب لابداع ما أبعدعه أصحاب المعرفة المنقولة بعملية الترجمة ومن ثم فهو فرع عن انتقال الخبرة بالتعلم من تجربة الآخرين اقتصادا من التجريب الذاتي. لذلك فهي أقرب إلى وظيفة التكيف العملي منها إلى وظيفة نقل المعرفة النظرية.
2- المسألة الثانية: الترجمة ليست وسيلة لنقل المضمون المترجم والتكيف العملي فسحب بل هي تقرب حوامل المضمون وأشكال تعينه وأهمها اللغات المتواصلة بالترجمة وذلك بمحاكاة كيفيات التعبير في مستويي مخيال التسمية والآليات البلاغية. فاللغات التي تصل بينها الترجمة تصبح بالتدريج لغات متشابهة من حيث البنى الأساسية للتعبير اللساني في مستوى الاختيار المعجمي ومخيال التسمية وفي مستوى التأليف النحوي ومخيال التصوير البلاغي ( مقارنة اللغة الفلسفية العربية اليونانية واللاتينة تتضمن الكثير من الشواهد ): لكأن اللغات كائن عضوي تمكنه صلاته بالكائنات اللسانية الأخرى أن يحاكيها في تكوينه العضوي فتتماثل الأعضاء بتماثل الوظائف.
وكلا نوعي المحاكاة يعد خطرا على عبقرية الابداع وخصوصية محركاته عند الأمة خطرا قد لا ينتبه إليه المترجمون فيصبح من أكبر عوائق الابداع فضلا عن كونه يفقر فنيات التعبير البشرية بتنميطها فيقضي على الاختلاف المخيالي التابع للتعدد اللساني. فيحصل في الثقافات تنميط تفقيري نظير لما حصل في الطبيعة التي اجتث الكثير من أنواعها النباتية والحيوانية بمفعول استغلال الطبيعة الفاحش.
الخطر الأول يمكن أن يحول الأمة إلى أمة تقتات على ابداع غيرها من حيث مضامين المعرفة بحجة اختصار الوقت والتعلم من الآخرين بدل التجريب.
الخطر الثانييمكن أن يجعلها أمة تستمد خيال التسمية من لغات أخرى فتستعير أعضاء ليست لها كما يحصل للبلاد الغنية التي تشتري اللاعبين فتربح الكؤوس من دون فرق أهلية.
الخطر الثاني أكثر تدميرا للثقافة القومية من الخطر الأول لأن الأول يقتصر على المضمون العلمي والحضارة المادية في حين ان الثاني يضر بالشكل التعبيري والحضارة الروحية. وفي كل الأحوال فهما من مرسخات التبعية إذا لم يكن المترجمون مدركين لخطرهما وساعين للحفاظ على خصوصيات اللسان المنقول إليه في عملية النقل التي أهم علامات نجاحها اغناؤها أهل اللسان عن النص الأصلي: وهو ما لا يكاد يتوفر في الترجمات العربية الحديثة التي لا يفهمها إلا من يستطيع العودة للنص الاصلي لفرط فسادها ونقلها الدال بدل المدلول.
II- التمثيل لهذه الخصائص
لن أتكلم في هذه الأدواء من منطلق الصفوية اللسانية ولا من منطلق الاستقلال القومي. فهذان أمران لن يتدخلا هنا رغم منزلتهما في الفكر الفلسفي الحديث ورغم دورهما في دوافعي الذاتية لعلاج المسألة. فالادواء لا تهمني في المقام الأول من حيث تعلقها باللسان ودوره في الاستقلال القومي بل هي تشغلني لدورها في شروط الابداع الفكري عامة ولدلالتها على تصور الفكر شبه مقصور على العمل اللساني سوء فهم للمنعرج اللساني وللعبث البياني في بعض عاهات فكر "السوق السوداء"[xvii] السعي إلى الرد على الفكر الألماني بالمحاكاة الساذجة[xviii]. فيكون الفكر من جنس عمل المترجم بين لسانين حصلا المضامين بدل أن يكون عملا تعبيريا بين كل أدوات التعبير ( وأهمها في الصياغة الفلسفية اللسان ) عن ظاهرة مجهولة الطبيعة ولا تعلم إلا بالقياس إلى أدوات التعبير عنها دون أن تكون من جنسها رغم أننا نحاول صياغتها صياغة تكون في نفس الوقت تصويرا للظاهرة وتطويرا لأدوات التعبير من الداخل بمقتضى قوانينها وليس بمحاكاة قوانين أدوات وضعتها حضارة اخرى تصبح وسيطا بين الظاهرة وأدوات التعبير التي علينا ابداعها خلال ابداع صياغة المضمون ذي الطبيعة المجهولة بالطبع. وطبعا فاللسان هو في حالة الترجمة الأداة المفضلة وعليها سيدور الكلام.
سيكون حيز الخطاب[xix] في محاولة التمثيل لما أسلفنا من خصائص شروط الخطاب العلمي عامة والخطاب الفلسفي خاصة شروطهما عند من يسعى إلى تحقيق شروط الابداع الذاتية فلا يفرض على حضارته أن تبقى تابعة دائما خاصة إذا كان من يتتلمذ عليه يدعي أن لبعض اللغات مزايا تخلو منها اللغات الأخرى فتجعلها متفردة بالقول الفلسفي وكل ما عداها من اللغات عالة عليها بالطبع وليس لمجرد تقصير أصحابها[xx]. لن أخوض في كل هذه الأدواء. سأكتفي باشارات خفيفة ( أرجو الأ تفسد للود قضية ) إشارات إلى الداء الثالث داء القطع مع لغة الفلسفة العربية الوسيطة قطعا غير مبرر إما بالتعريب المفرط أو بالوضع المفرط. وسأحصر البحث في مثالين أحدهما مأخوذ من ترجمة الاستاذ وهبة لكتاب نقد العقل الخالص السابقة ( في هذا الفصل ) والثاني من محاولته ترجمة الوجود والزمان الواردة في هذا العدد وكلا المثالين مقصور على الوضع دون التعريب( في الفصل الموالي )[xxi], علما وأن المثالين كافيان لأن كل ما عداهما يقبل الرد إليهما. وقد ورد المثال الذي نختاره من نقد العقل في هذا العدد كذلك لتذكير الأستاذ وهبة فيه باجتهاداته السابقة.
فما الذي يلجيء الأستاذ وهبة للوضع غير الضروري في هذه الترجمة وكأن أصول بدائله عديمة الوجود في اللغة الفلسفية العربية الوسيطة ¿ فهل غير كنط دوال اللغة الفلسفية ليتابع تغير مدلولاتها أم هو اكتفى باضفاء دلالات جديدة على الدوال القديمة مشيرا إلى بعضها صراحة وتاركا البعض الاخر يتحدد عند القاريء المختص بالسياق والنسق كما هو الشأن في كل خطاب مختص بل وفي كل خطاب¿
اعتراضات جزئية: ولنلخص اعتراضاتنا الجزئية على مبالغة المترجمين في الوضع الاصطلاحي بوصفها تعينات اعتراض كلي نستنتجه من طبيعة التعبير عامة ونؤسس عليه بحثنا. وسنبين أن الدال لا يمكن أن يكون تغيره موازيا لتغير المدلول لأن السلستين ليستا من نفس الطبيعة (سلسلة المدلول لا متناهية وسلسلة الدال متناهية وذلك هو السر في قدرة الانسان على التعبير وقدرة البشر على التفاهم أو هو جوهر اللغة). فالتغيير في المدلول اللساني لا يقتضي تغيير مفردات الدال ولا ينبغي له لعدم الحاجة إلى ذلك فضلا عن كون ذلك مستحيلا. وبهذه التعينات في عمل كنط نفسه نبدأ التمثيل لأدواء الترجمة العربية الحديثة في مجال النص الفلسفي:
1- فكنط أولا لم يبدع الدوال التي أراد المترجم العربي أن يغير دوالها العربية التقليدية. بجرف مثلا مستعملة قبله ترجمة لكونسابتوس في تقابلها مع برسابتوس مستويين للإدراك المعرفي. ولا نجد أدنى تعليق كنطي صريح حول ضرورة تغيير مدلول بجرف فضلا عن تغيير الدال.
2- وكنط ثانيا لم يعط لبجرف مضمونا جديدا بعكس ما فعل هيجل مثلا عندما جعل من منطق التصور جمعا بين نظرية التصورالأرسطية ونظرية التصور الأفلاطونية للمعاني البسيطة ولعلاقاتها فمكن من الجمع الدلالي بين المثال (الذي يتضمن معنى ما ينبغي أن يكون) والصورة ( التي تقتصر على ما هو كائن ) في مفهوم الفكرة التي هي التاليف الجدلي بين الوجود ( صيروة نحو غاية ) والماهية ( غاية صيرورة رغم كونها في اللسان الألماني تقال بما يفيد (بنوع ما اسم) مفعول ماضيا Wesen)في حركية التاريخ الحي بحيث يصبح التصور هو عين العلم المطلق أو الروح المتعين فيتطابق الحاصل وما ينبغي أن يحصل ويكون العقلي واقعيا والواقعي عقليا.
3- وحتى لو سلمنا بأن الوظيفة المتعالية لتصورات العقل تقتضي تغييرا في المدلول فإن المفردات العربية التي تفيد ما يفاد بنفس ذلك الدال تقبل الاثراء المدلولي قبول المفردة الألمانية واللاتينية لهذا الإثراء بحسب تراكم المدلول الذي يحمله نفس الدال. ومن ثم فلا داعي لوضع دال جديد إذا كان الوضع المدلولي كافيا. بحيث إن التصوربمعناه عند ابن سينا من حيث هو ادراك الوحدات التصورية العقلية الدنيا التي لها ما صدق( هو مرجعها ) أو صادقية ( بمصطلح ابن خلدون )ومفهوم ( هو الخاصيات المشتركة بين أفراد ماصدقها أو وحدة مرجعها التصورية ) أو فاهمية ( قياسا على صادقية )يكفي لأنه غير الادراك الحسي الذي يوجد دونه وغير التصديق الذي يوجد فوقه وكلاهما لا يكون من دونه. لذلك فهو غير التمثل Vorstellung وغير التخيل Einbildung وإن لم يخل منهما مرقاة إليه وليس هو من المدركات الحسية وإن لم يستغن عنها نفسيا ولا هو من حدس العلاقات بين تصورات الحدود البسيطة حتى وإن كان شرطهما ترنسندتاليا.
4- والوظيفة الترنسندنتالية التي ينتج عنها قلب العلاقة بين فعل العقل وموضوعه في نظرية الحقيقة التقليدية حسب التبسيط المدرسي (قبلية فعل العقل على موضوعه هي المقصود بالتعالي) بحيث تقاس مقومات الموضوع بمقولات العقل بدل العكس لم يلجيء كنط إلى وضع دال جديد بل أبقى على كلمة مقولة مع الإشارة إلى المدلول الجديد لنفس الدال. فكنط لم يبدع دالا جديدا رغم الدلالة الجديدة التي أضفاها عليه جدة بلغت حد التقابل التام من حيث الطبيعة مقتصرا على التمييز بين التعالي بالمعنى التقليدي (المتعاليات الثلاث ذات الدلالة التناسبية) والمتعالي بمعنى القبلي المعرفي أو شروط إمكان التجربة وشروط امكان موضوعها. فكلاهما له صفة التعالي الدال على التخلل المتجاوز[xxii] على الكثرة التي يوحدها والمادة التي يصورها إما بمعنى ضمانة النظام الوجودي بفضل المتعاليات الثلاثة التقليدية (الواحد والخير والوجود)[xxiii] أو بمعنى ضمانة النظام المعرفي (قبلية صورتي الإدراك الحسي وتصورات الفاهمة ومقولاتها ومثل العقل)[xxiv]. وأساس المحافظة على وحدة الدال مع ذلك لا يزال متوفرا لأن وظيفة المقولة رغم التقابل بين مفهوميها بقيت هي هي: تحديد أجناس الخصائص التي يوصف بها الموضوع ولا يهم مصدرها ما هو هل هو الموضوع ( في النظرية الأرسطية ) أم الذات ( في النظرية الكنطية)[xxv].
5- وأخيرا فإن ما تستمده الفلسفة الكنطية من الانقلاب الكوبرنيكي يجعل كل المفردات القديمة التي يستعملها ذات دلالة مختلفة بحسب تصوراته الخاصة فهل يعني ذلك أنه على كنط أن يبدع دوال لغوية خاصة يعبر بها عن مضمون هذا الانقلاب فيصبح لكنط لسان يخصه باطلاق وتفقد الفكر الفلسفي كل امكانية للتواصل بين ممارسيه ¿ وكيف يقبل ذلك مع زعم هذا الفكر للكلية والعلمية رغم أن الشعر نفسه لم يدع بلوغ امتناع التواصل ! وهل يعني ذلك أن المفهومات التي لم توضع لها دوال جديدة معانيها ما تزال قديمة¿
الاعتراض الكلي: ولنأت الآن إلى الاعتراض الكلي: فهل يمكن القول بضرورة تغيير الدال كلما تغير المدلول إذا اردنا أن يبقى التواصل ممكنا أم إن ذلك لا يكون إلا في حالات حدية ليس هنا مجال حصرها ¿فإذا كان لكل مدلول داله بات عدد الدوال لامتناهيا فامتنعت الدلالة. ثم إننا لو فرضنا ذلك ممكنا على سبيل التيسير ألا تصبح كل دوال الفيلسوف خاصة به ما دامت كل فلسفة عينية هي في الغاية خصوصية المدلولات الجديدة التي بفضلها يعد الفيلسوف متفردا وكل صلة لفلسفته بالفلسفات الأخرى هي اشتراكها معها في الدوال¿ بل هل كان يمكن أن يكون للفيلسوف أي فيلسوف مصطلح ثابت خاصة وعمله الفكري يتطور ومصطلحاته في الأغلب ليست وحيدة المعنى ولا متواطئته¿
لو قبلنا بضرورة تغيير الدال كلما تغير المدلول لأصبح التواصل ممتنعا في نفس الجيل فضلا عنه بين الأجيال. وهذا السلوك هو الذي أنتج الظاهرة التي أطلقنا عليها اسم مرض البابلية في اللغة الفلسفية العربية الحالية. فهذا المرض عند الذهاب به إلى غايته يجعل التواصل بين الذات ونفسها ممتنعا, إذ إن كل لحظة من لحظات تيار الإدراك تختلف عن اللحظة السابقة وعن اللحظة اللاحقة. فما الذي يربط بين المدلولات إذا جعلنا لكل فرق بينها من حيث هي مدلولات مهما كان ضئيلا فرقا بين دوالها التي نعبر بها عنها¿ الوحدة المادية للدال هي التي تصل التعدد المعنوي في المدلول. لذلك كانت مجالات الدلالة بؤرتها وحدة الدال المادية وحدته التي تبقى ثابتة في كل مشتقاته ( على الأقل بالنسبة إلى اللغات الاشتقاقية ).
ولنكتف بمثال واحد من نقد العقل الخالص لعله أكثر الأمثلة دلالة بحكم ما انتهى إليه هذا الوضع بعد أن تبناه المتطفلون على الفكر الفلسفي من صحافيي الثقافة فباتوا يفلسفون الفرق بين المفهوم والأفهوم وعمت هدجرة المتعامقين وثرثرة المتحاذقين فوئد اللسان وفقد البيان: إنه مثال Der Begriff. فما الذي ألجأ الزميل الفاضل إلى التعديل الاصطلاحي فجعله يشتق من مادة "فهم" مصطلح "أفهوم"¿ جوابه لم يقنعني كما لم يقنعني أي تعليل من تعليلاته للأوضاع التي أقدم عليها دون حاجة. أتراه يعتقد أن المواد اللغوية تفيد عند انفصالها عن استعمالاتها وسياقاتاها فتكون ذات دلالة بمعزل عن طبيعة الخطاب (نوع السنة الاصطلاحية) ونسقه (تساند المواضعات في الخطاب ودورها المتبادل في تعريف بعضها بالبعض)¿فالمصطلح في أي اختصاص لا يفيد إلابطبيعة الخطاب الذي يتضمنه وبموقعه منه موقعه الذي يتحدد بمعدل المعنى المحصل من وروداته ومنزلته فيها. ولست أدري هل يمكن أن يقتنع أحد ممن له دراية بتاريخ الفلسفة عامة وبالفلسفة الكنطية خاصة بما ورد في تبريرات الوضع التبريرات التي قدم بها الكاتب لترجمته في الحالات التي أشار إليها والتي سنحاول في دراسة لاحقة فحصها فحصا نسقيا تمهيدا لإستئناف الترجمة من رأس إن أمد الله في العمر.
ولنسأل الآن عن العلاقة بين الزيادة الاشتقاقية في الدال "فهم" للمرور إلى الدال "أفهوم" وبين التغيير الدلالي الذي يتصوره المترجم موجودا في دلالة "بجرف" عند كنط ما هي ¿ وكيف تمكن هذه الزيادة من أداء المعنى المقصود علما وأن هذا المعنى هو ترجمة ألمانية للكلمة اللاتينية "كونسابتوس" دون تغيير أدخله كنط على الدال الذي كان مستعملا في المصطلح المنطقي الفلسفي ويقابله مصطلح بجرف الألماني منذ أن صاغه في شكله النهائي استاذ الجميع من بعده بحسب شهادة كنط أعني فولف صائغ الفلسفة الألمانية في الشكل الذي اعطاها إياه لايبنتس¿
أليست الزيادات الاشتقاقية في العربية أمرا غير تحكمي لكون دلالات الصيغ الاشتقاقية والزيادات الصدرية والذيلية والحشوية الموصولة (وحتى الحرفية المفصولة) معلومة كلها ومحددة في مصنفات الصرف والنحو العربيين¿ أليس الحل السهل المتمثل في اللجوء إلى الوضع الدالي (الخاص بالمفردات وفيه ينحصر التشقيق اللساني العربي الحالي) لإبراز ما نتصور أننا أدركناه مفيدا في الوضع المدلولي (الذي يكاد ينحصر في المؤلفات من المفردات دون ضرورة لتغييرها وبهذه المؤلفات يتعلق الإبداع الحقيقي) عند أحد الفلاسفة مضر بتاريخ المصطلح عامة والمصطلح الفلسفي خاصة بحكم سعي الفكر الفلسفي إلى أن يكون معتمدا على مصطلح يكون مابعدا لكل قول نظري سواء كان موضوعه موضوعات هذا القول أو هذا القول نفسه ¿
ما الذي يجعل ثبات الدال رغم تغير المدلول أمرا ممكنا بل وواجبا في لغة النص الأصلية إلا في الحالات الحدية (عند كنط الذي حافظ على المصطلح الألماني واللاتيني) وغير ممكن في لغة النص المترجم (العربي الذي يريد أن يصبح أمة لوحده)¿ لماذا أمكن لكنط أن يحافظ على جل الدوال التي استعملها في مصنفه كما تحددت قبله في التراث الفلسفي الأوروبي الوسيط والحديث بل وحتى في التراث الفلسفي العربي واليوناني القديم بعصريه الهلنستي والهلني ويريد المترجم العربي أن يبدأ من الصفر ما يجعلنا كالبدو نهد الخيمة القديمة لننصب خيمة جديدة كلما حط الرحال¿
ألم يحافظ كنط على أكثر المصطلحات حاجة إلى التغيير عنده لكونها ممثلة لما يمكن أن ينسب إليه من تثوير للفكر الفلسفي من مدخل النقد مثل دالي الفكرة والمثال ( في معنى مقابل تماما للمعنى الأفلاطوني ) فضلا عن أهمها عنده أعني دال ال" مقولة" الذي بقي عنده الدال المعتاد رغم كون مدلوله الكنطي هو المقابل المطلق لمدلوله الأرسطي الذي كان سائدا قبل النقد على الأقل في ظاهر التصنيفات المدرسية¿ ألم ينقل النقد مفهوم المقولة من كونه خاصية عامة للموجود الذي يعد معيارا للمعرفة العلمية إلى كونه الصورة التي يصوغ بها فعل العقل موضوع العقل شرطا لوجوده ومعيارا لعلمه بمقتضى كونه شرط التصوير العقلي للمعطى الحدسي ومع ذلك بقي الدال "مقولة" واحدا¿
ولماذا حافظ الفلاسفة العرب عند بنائهم اللسان الفلسفي الجمعي بحسب ما يقتضيه الفن على دال "جوهر" رغم أن مدلوله بات عندهم بفضل الفلسفة المشائية نقيض دلالته الكلامية المتقدمة في الوضع ¿ ألم ننتقل من دلالة الجوهر الفرد الذي هو"الوحدة الدنيا الحاملة للآعراض التي لا تبقى زمانين حملا ينتج عن اجتماع وحدتين منه أو فوق ذلك وجود الأجسام" إلى معنييه الأرسطيين أعني الجوهر الأول ( الشخص المؤلف من مادة وصورة معينيتين أعني له خاصية المشار إليه في الخارج ) والجوهر الثاني (مقومات هوية الجوهر الأول أعني المؤلف الصوري من الجنس والنوع)¿
والمعلوم أن أهم خاصية من خاصيات اللسان التعدد الدلالي الذي يحمله نفس الدال إلى حد التناقض. وذلك يعم كل الإفادة باللسان الطبيعي منها وحتى الفني. ولعل أفضل مثال في اللسان الفلسفي العربي واللاتيني على حد سواء هو أهم تصورات الفلسفة الحديثة عنيت تصوري: الذات والموضوع. فكلاهما بات يفيد عكس ما كان يعنيه في اللسان الفلسفي الوسيط أو بصورة أدق احد معانيه المقابلة للباقي منها. فالذات كانت تعني القيام العيني للجوهر من حيث هي ماهية "تأننت" (اشتقاقا من إنية: أي صارت حقيقة تجمع بين كونها ماهية وبين كونها ذات قيام عيني في الوجود الخارجي). لكنها الآن صارت خاصة بالذات العاقلة التي بالإضافة اليها تكون كل الأشياء موضوعات للادراك معرفيا كان أو وجدانيا. فيكون المدلول العقل الواضع أو العقل المتلقي لموضوعاته.
ونفس ما قلناه عن الذات يقال عن "السبيكتوم"Subjectum اللاتينية و"الهيبوكايمينون"اليونانية. فكلاهما كان يعني الموضوع الذي يحمل الصفات تماما كما تفيد ذلك كلمة الذات في العربية سواء عند المتكلمين أو الفلاسفة. فهي مؤنث أحد الأسماء الخمسة: "ذو". ومن ثم فهي الأمر الذي يوصف بكونه "ذا كذا" أو صاحب الصفة التي تحمل عليه. وذلك بالضبط ما يعنيه تصور السبيكتوم اللاتيني والهوبوكايمينون اليوناني في الفلسفة الوسيطة: الموضوع الحامل للمحمولات التي لا تقوم إلا بحمله إياها[xxvi]. لكنه انتقل في الفلسفة الحديثة إلى معنى مخصوص هو الذات المدركة عامة أعني العاقلة والواجدة وليس الذات من حيث هي الموضوع الحامل للصفات (وهو أمر كان لها من حيث هي ذات ككل الذوات عاقلة كانت أو غير عاقلة) بل من حيث هي الذات المدركة للموضوع قبالتها ومن ثم من حيث هي العقل الواضع والمتلقي لأوضاعه ومواضعاته.
إن كون أفعال العقل تتميز كلها عند كنط بالفاعلية التي يقصد بها القبلية الترانسندنتالية (عكس الانفعالية التي يزعم البعض نظرية المعرفة القديمة قائلة بها)[xxvii] يستثني أن يكون القصد من التغيير الدالي عند المرتجم هو ابراز هذه الفاعلية في التصورات. فحتى الاحساسات فضلا عن التمثلات والتخيلات لا يمكن أن يكون أي منها مستغنيا عن الفاعلية بمعنى القبلية بدليل القسم الأول من النقد أعني الحساسية المتعالية التي تشترط تصورين قبليين هما تصور المكان وتصور الزمان. لذلك فإنه يمكن أن نقول بلغة مدرسية جازمة: لا يخلو الأمر في هذه الزيادة من أحد الخليتين التاليتين. فهي إما من زيادة فهم[xxviii] إلى افهم للتعدية. أو بمعنى آخر علينا اكتشافه. والخلية الأولى لا تحتاج إلى بحث لأن المترجم لم يقصد هذه التعدية: لم يقصد بالأفهوم جهل الفاهم مفهما (اسم فاعل من افهم ). لم تبق إلا الخلية الثانية: زيادة ذات معنى آخر علينا اكتشافه بالرجوع إلى صيغ اللسان العربي.
فهب الزيادة في "أفهوم" من "فهم" نظير الزيادة في كلمة "أسلوب" من "سلب" التي يتبين فيها بوضوح أنها ليست من "اسلب" تعدية لسلب جعلا للسالب مسلبا (اسم فاعل من اسلب). ولنسأل عن دلالة هذه الزيادة ما هي¿ المعلوم أن الكلمات التي على صيغة "أفعول" نادرة الوجود في العربية: اسلوب, أخدود, اشدود الخ.... لكن الكلمات المؤنثة التي من جنسها- على صيغة "أفعولة" ويمكن أن تعد مؤنث صيغة أفعول- كثيرة: ارجوحة, امثولة, أضحوكة, ارجوزة, انشودة, أمثولة إلخ.. ولعل وحدة صيغة الجمع بين المذكر والمؤنث مؤكدة لهذه العلاقة. فأسلوب تجمع على أساليب مثلها مثل كل الصيغ المؤنثة كأراجيح وأراجير الخ.. ويستعمل الشكل المؤنث عادة للتصغير صرفا وللتعظيم بلاغة في جل هذه الحالات, مثل ارجوزة وأنشودة.
فهل أرجوزة وأنشودة مشتقتان من رجز ونشد أو من ارجز وانشد¿ المادة واحدة والطبع السليم يقول بالحل الثاني. لكن الزيادة في هذه الصيغ ليست دالة على التعدية لمفعول ثان بل هي تدل على نمط جديد من الزيادة تشبه "تعدية الفعل على نفسه" تعدية تغير معناه بالكامل. فنشد تعني طلب وقصد. لكن أنشد تعني رتل قصيدا أو قرأه للغير (انشد أي جعل النشد نشيدا)ولا تعني جعل الغير ينشد (بفتح الياء)أو ينشد(بضم الياء) إذ حتى التعدية إلى مفعول ثان (أنشد الأمير قصيدا) في هذه الحالةفإنهاليست تعدية ليكون المعنى جعله ينشد بمعنى يطلب و"يسعى إلى"بل بمعنى أنشد له وأسمعه.
وبهذا القياس تكون كلمة "أسلوب" دالة على تحقيق السلب من أجل المخاطب من جنس "خلع عليه" ولكنها تعدية من دون حرف فيكون المؤنث "أسلوبة" بمعنى "خلعة". ولعل القصد هو خلع صفات على الكلام ليفيد ضربا من القصود. وكان يمكن أن نقول عن الخلع إنه أخلوعة لو تصورناه مستمدا من هذا النوع من التعدية المغيرة للمعنى بدل تعديته لأن "الخلع على" يعني أن المرء يخلع قطعة من ثيابه ليلبسها غيره فيكون القصد "خلع ليلبس دلالة على منزلة المخلوع عليه بمنزلة المخلوع عنه". وذلك هو معنى الأسلوب: المؤلف يخلع من ذاته معاني ويخلعها على النص ( يلبسه إياها ) أو يخلع عن المفردات والتراكيب معانيها القديمة ليخلع عليها معاني جديدة قصدها هو ( يلبسها إياها). فيكون القصد بالأسلوب كما في السلب العسكري (يجمع في هذه الحالة على أسلاب لا سلوب ) ضربا من ضروب الكشف والتعرية للذات باكساء النص بما خلع من الذات وخلع على النص وهو ما يقوم بها المؤلف في ابلاغ مقصوده بالقول: الأسلوب هو إذن كيفية كشف من حيث المادة اللغوية ومبالغة في التوكيد على قصد الكشف والتعرية من حيث الصيغة الصرفية وهما يقاسان بما يلبسه المؤلف للنص تماما كما يحدث في عملية الخلع التي أشرنا إليها.
فهل يمكن أن يكون القصد من الزيادة في أفهوم هذا النوع الجديد من التعدية إذ إن المعنى الكنطي فيه ما يشبه "الخلع على" إذ إن معنى الخلع على لم يأت من المزاد على سلب بل من المزاد عليه منه¿ لذلك فجوابنا سيكون بالنفي لأن القصد من "بجرف" ليس تغيير معنى "فهم" هذا النحو من التغيير كما في حالة نشد وأنشد إذا رضينا بالقياس على "أسلوب" التي قسناها على الخلع معيارا للدلالة المقصودة في صيغة أفعول من سلب رغم أن سلب في هذا المعنى تجمع على أسلاب لا على أساليب.
وقد حصرنا الأمر في خليتين لأن فعل "فهم" لا يمكن أن يعد من الأفعال العربية النادرة التي يحصي منها النحاة القليل القليل والتي تكون فيها إضافه الألف علامة على السلب من جنس الألف النافية في اللغة اليونانية ترد في أول الكلمات فتكون أفهم نفيا للفهم مثل اعذر في عبارة "أعذر من انذر"نفيا للعذر لأن القصد في افهوم ليس نفي الفهم بل بالعكس. لذلك فالحل الواحد المقبول هو العودة إلى المعنى المناظر لأنشد تعدية للفعل على نفسه بهذه الدلالة الجديدة للتعدية. فيكون القصد اضفاء معنى جديد على أفهوم جنيسا للمعنى الذي أضفي على النشد ليصير نشيدا وأنشودة وعلى السلب ليصير أسلوبا أو سلبا يجمع على أسلاب لا على سلوب من حيث الصيغة الصرفية دون أن نعلم مفادها الدلالي حتى وإن سلمنا بقصد المبالغة في الفهم مثل المبالغة في السلب عند الكلام عن الأسلاب الموالية لنجاح الغارات العسكرية البدائية والمبالغة في النشد عند انشاد الأمير قصيدا إذا بقينا في مجال المدح عند الشعراء المتكدين: لأنهم ينشدون ( بضم الياء ) القصيد وينشدون (بفتح الياء) المكافأة.
فهل يوجد في دلالة "بجرف" عند كنط أكثر مما في كونسابتوسالتي هي ترجمة ل"تصور" بالمعنى المنطقي التقليدي إدراكا للمعاني المجردة البسيطة حتى لو أضفنا إليها ما يعنيه ديكارت في ارجاعه ادراك العلاقات في الاستنتاج إلى هذا الفعل البسيط من أفعال الحدس العقلي. فالإضافات الذاتية بين التصورات تقبل الرد إلى التصورات في غاية التحليل تبعية صفات الذات الذاتية للذات والأعراض الذاتية للجوهر من حيث هي اساس لاستنباط بعضها من بعضها عند المرور من الحد إلى البرهان في نظرية العلم التقليدية التي تعتمد على علاقة الحدود بعضها بالبعض بتوسط الحد الأوسط بين الحدين الأكبر والأصغر, وحتى في نظرية الشروط الترنسندتالية للوصل بين المنطق الصوري ومضمونه لكون الفرق الوحيد مع النظرية التقليدية للنقلة النظرية هو الحاجة إلى الخطاطة التصورية[xxix]¿
وبعبارة أوضح فإن هذا الضرب من الزيادة على مادة "فهم" كان يمكن أن يكون مقبولا لو كان فيه حقا ما يمكن أن يؤدي معنيي القبلية والفاعلية كما في التصور الكنطي مقابلة مع البعدية والانفعالية كما في التصور الوسيط علما وأن هذا الفهم للتصور في دلالته الوسيطة ليس عاما. فالتصور ليس بعديا ولا انفعاليا بل هو ادراك المقومات التي تتألف منها الصورة الجوهرية بحدس عقلي[xxx] وليس استقراء ومن ثم فهو لا يخلو من القبلية والفاعلية حتى في الفكر الوسيط: فمقومات الصورة الجوهرية التي منها يتألف الحد كما هو معلوم ليست أمرا استنباطيا بالاستقراء ولا بالاستنتاج ومن ثم فهي من فاعليات العقل بل هي جوهر الإدراك العقلي حتى عند أرسطو[xxxi].
الخاتمة
يكفي أن نبين في غاية البحث أن اشكالية الترجمة تمثل ما يمكن ان يعتبر "التجربة الحاسمة" في علاج قضية طبيعة التعبير عامة علاجا يبين أن التعبير اللساني ليس مميزا للانسان إلا بوصفه قمة جبل الثلج الرمزي المميز للانسان تمييزا يجعل كل ضروب التعبير الإنساني غير اللسانية متفوقه على اللسان الدي هو بعد ترجمتها إلى نظام رمزي خاص بمنظور حضارة معينة لضروب التعبير العامة التي تشترك فيها كل الظاهرات الحية بل وكل الموجودات. وتتم هذه الترجمة بآليتي التوظيف الذريعي لما ينتخب من الدوال والمدلولات الممكنة تعبير عن هذا المنظور:
1- آلية ادخال الانفصال الحرفي على الاتصال الصوتي لحصر الوحدات الصوتية كما يحصل في الحروف التي تعتمد عليها الكتابة لتكون الأسماء مؤلفات من وحدات محدودة تتنوع بالتأليف بينها لكأن الرمز من جنس المواد في الكمياء لذلك فالصرف هو علم كيمياء اللسان
2- ثم آلية الوصل بين الوحدات الدالة المؤلفة من تلك العناصر لجعل المعاني هي بدورها مؤلفة من وحدات قابلة للحصر شكلا لا مضمونا من خلال حصر قوانين التأليف فيكون النحو بالقياس إلى اللسان كالفيزياء بالقياس إلى الطبيعة.
وبذلك يكون اللسان الطبيعي مؤسسة اجتماعية تفصل الانسان من صلتيه بما يحيط به طبيعيا وما بعد طبيعي ليحصر الترميز في الثقافي الحضاري الذي تبني عليه السوفسطائية المحدثة حصرها الانسان في المواضعات اللسانية. واطلاق مثل هذا التصور وحصر قدرات الأنسان الترميزية في اللسان أو حتى جعل الترميز اللساني أرقى درجات الترميز الإنساني يجعل الترجمة مستحيلة سواء كانت داخلية أو بين ألسن مختلفة.
لكن ما دون الصرف يعيد إلينا اتصال الصوت المطلق ثم إلى كل الأنظمة الصوتية التي يمكن أن تكون رموزا ( الطبيعة ). وما فوق النحو يعود بنا إلى التأليف المطلق ثم إلى كل الأنظمى التأليفيه التي يمكن أن تكون رموزا متجاوزة للثقافي والحضاري (ما بعد الطبيعة). وبهذين التجاوزين إلى الطبيعة ( معينا مطلقا للدوال الممكنة) وإلى ما يمكن ان يعد ما بعدا لها ( معينا لكل المدلولات الممكنة ) يتخلص الانسان من القطيعة الوجودية المرضية التي تؤسس لكل الانسويات سواء استندت إلى حلول الرب في الإنسان (كل وحدات الوجود الإنسوية) أو إلى نفي الرب وتأليه الإنسان (كل وحدات الوجود الطبعوية). فنجد التأليف اللامتناهي لمادة الدال وراء المنفصلات الصرفية المنتجة للسان الطبيعي الخاص بشعب معين أو بحضارة معينة ولنسمه موسيقى. وهذه التأليفات اللامتناهية أو الموسيقى قابلة لأن تكون أداة تواصل بين كل البشر بل وبينهم وبين كل الموجودات الطبيعية. كما نجد التأليف اللامتناهي لصورة المدلول ولنسمه منطقا. وهذا المنطق لا يتقصر على المنطق اللساني حتى لو ذهبنا به إلى حد مدونة أرسطو (المصنفات الثمانية لكونها جميعا تتعلق بالتأليفات المقصورة على اللساني) بل يتعداه إلى التأليف من جميع أصناف الرموز القادرة على التعبير عن المؤلفات المدلولية بكل ضروب الرموز.
وبذلك يحيط هذا التجاوزان إلى كل الطبيعة وإلى كل ما بعدها يحيطان باللسان الإنساني فيربطانه بما يتصوره الفلاسفة دون الرموز اللسانية أو فوقها أعني يربطانه بكل الرموز أو بالآية التي هي كون كل موجود يدرك بقيامه الذاتي وبمنزلته في منظومة الموجودات فيكون بموقعه من هذا الحير رمزا أو لآية. فكل موجود يمكن أن يكون رمزا لغيره ومرموزا إليه بغيره في نظام ومزي كوني هو شرط التواصل ليس بين الناس فحسب بل مع كل الموجودات شرطا في العلم والعمل وكل ضروب التقويم الخمسة.
إن هذه الرمزية المطلقة هي الرحم الذي تتكون فيه كل الحضارات المختلفة فتكون نسبتها إليها نسبة القوارب إلى المحيط إلى القوارب التي لكن العودة إلى المحيط تحقق التفاهم بمجرد الخروج من القوارب والسباحة فيه. والخروج والسباحة لا يؤديان إلى الغرق في البحر اللهم إلا إذا تصور أصحاب الانغلاق اللساني أن اللسان ليس بذي تاريخ ولم يصبح بعد أن لم يكن. فهما شرط وجود القوارب التي بنتها الحضارات لتيسير الوجود من دون الحاجة إلى بناء القوارب في كل جيل كما هو شأن كل المؤسسات البشرية التي هذه وظيفتها. لكننا نعلم أن كل مبدع يكون مبدعا لكونه يسهم في بناء القارب. وكل من يتصور الفكر الانساني حبيس اللسان الطبيعي يكون كمن يتصور الرزق حبيس نوع معين من العملة أو أن الرزق هو جنس العلمة. العملة مجرد وسيلة لتيسير التبادل من حيث هو مؤسسة وسيطة بين التبادلات الحقيقية في تحويل الانسان للمحيط الطبيعي أعني التبادل الذي يحول جهد العمل إلى حصيلة هي المنتوج ثم في الغذاء والطاقة بينهما عند استمداد الإنسان قيامه البدني من الاغتذاء بما يتسمده من الطبيعة بجهده التحويلي. وليست العملة في ذلك إلا الوسيط لتبادل بين البشر تيسيرا لمعاملاتهم دون أن يكون لها دور من طبيعة التبادل الحقيقي بينهم وبين الطبيعة[xxxii].
فكون جميع الموجودات يمكن ان تكون دوال بالتناوب أو جملة هو المقصود بالطبيعة وكون جميعها يمكن أن يكون مدولولا هو المقصود بما بعد الطبيعة والتطابق بين الأمرين في الغاية المثالية هو المقصود بالوجود بحيث يكون كل موجود من حيث نتوئه على أرضية هذه الغاية المثالية هو نسبته إليها التي يدل عليها محله منها. فإذا اقتصرنا على ما انتختبه حضارة من الحضارات من دوال وما انتخبته من مدلولات ليس إلا منظورا هو بنفسه ينتأ على هذه الأرضية فيتضمن قيامه الذاتي من حيث هو نتوء بالضرورة ذاتية الناتئة ونسبة ذاته إلى الأرضية التي ينتأ عليها وهي أرضية مضاعفة حتما:
1- منظومة دوال حضارته ومدلولاتها وكلاهما نسبيان إلى تلك الحضارة كما يمكن القول إنهما غير قابلتين للترجمة من حيث ما فيهما من خصوصي وتقبلان الترجمة من حيث ما تسعيان إليه من متعاليات تشترك فيها كل الشعوب.
2- وتجاوزهما إلى المنظومة الكونية التي ليست بالضرورة قابلة للعلم ماهية رغم كونها قابلة للعلم وجودا ( أي أننا نعلم أنها موجودة لكننا لانعلم كيف هي وما طبيعة أثرها العام لاقتصارنا على معرفة أثرها الخاص المتمثل في قدرتنا على تجاوز حدود حضارتنا تجاوزا هو شرط التواصل بين البشر من وراء حدود حضاراتهم المختلفة ومن ثم شرط الترجمة )بوصفها نقاط المآل في مناظر الرسم أعني النقاط التي تلتقي عندها كل التوجهات لو بلغت الغاية في السعي إلى معاني الفطرة التي هي أصل أجناس القيم الخمسة[xxxiii].
ويمكن مواصلة لما قدمته في الجزء الثاني من رسالة الدكتوراه حول الكلي أن اقترح التصنيف التالي لضروب صياغة هذه الرمزية المطلقة. فالفاعلية النظرية هي الرياضيات وعلمها هو المنطق ( بالمعنى الضيق ) والفاعلية العملية هي السياسيات وعلمها هو التاريخ (بالمعنى الضيق). والفكر الفلسفي يعالج هذه الضروب الأربعة من الصياغة من منطلق الفاعلية النظرية إلى الفاعلية العلمية والفكر الديني يعالج نفس الأمور من المنطلق المقابل أي من الفاعلية العملية إلى الفاعلية النظرية. وحتى يكون التصنيف متناسقا فلا بد من تحديد مقومات الفكر الديني ومقومات الفكر الفلسفي في هذين التوجهين المتقابلين.
فمقومات الفكر الديني هي الأسطوريات ( من حيث هي ما بعد تاريخ ) ونقدها ( الذي هو اسطورة سلبية ). ومقومات الفكر الفلسفي هي الانطولوجيات(من حيث هي ما بعد طبيعة ) ونقدها (الذي هو أنطولوجيا سلبية). ويكون الجامع بين هذه الأصناف الاربعة المضاعفة أصلها جميعا أعني السيمائية العامة أو الآداب من حيث هي ابداع ونقد لهذه الأبعاد الاربعة المضاعفة: وذلك هو المنطق والتاريخ المتطابقان بالمعنى الواسع أعني الرمزية الحية والحياة الرمزية أو الدالة أعني وجهي الحضارة في معناها الشامل من حيث هي وحدة تاريخية حية منفتحة على الكون. ومعنى ذلك أن الخطاب الأدبي يتألف من الرياضيات والمنطق والسياسيات والتاريخ إيجابا في ما يشبه البعد الواعي من الحضارة (باستعمال قوانينهما الأولان للشكل والثانيان للمضمون) وسلبا في ما يشبه البعد اللاواعي من الحضارة (باستعمال نقيض ما يضعانه من قوانين الأولان للشكل والثانيان للمضمون). وذلك لأن الخطاب الأدبي يتضمن هذه الخطابات جميعا من خلال تجاوزها إلى الرحم التي تنجبها أعني الأنطولولجيات ونقدها والاسطوريات ونقدها إيجابا وسلبا كذلك وبنفس المعنى.
ورغم أن الآداب تتضمن كل هذه الأجناس فإن أجناس الأدب تقبل التقسيم إلى أنواع بحسب غلبة أحدها عليها ولا دخل للشكل في التجنيس ( لا فرق بين الشعر والقص لأن للقص شعرية معينة وللشعر قص معين ). فيكون الأدب أدب خيال رياضي ومنطقي ( المنطق هو علم الفاعلية الرياضية ونقدها بشرط فهم الرياضيات كما هي فعلا أعني التنسيق النظري لأي بنية مجردة لتقبل العلاج والتحقيق العقليين) وأدب خيال سياسي وتاريخي ( التاريخ هو علم الفاعلية السياسية ونقدها بشرط فهم السياسيات كما هي فعلا أعني التنسيق العملي لاي فعل ليقبل العلاج والتحقيق العقليين) وأدب خيال اسطوري ونقد اسطوري وأدب خيال انطولوجي ونقد أنطولوجي وأدب شامل كما هو شأن النصوص الدينية الأرقى.
وهذه النصوص عندما ننظر إليها في ذاتها وبصرف النظر عن الاعتقاد إيمانا بها أو عدم إيمان هي الاسقاط المطلق بالمعنى الهندسي للكلمة من الوجود كله. وتلك هي علة الدور الشامل الذي تؤديه. فهي في نسبتها إلى السيمياء أو الرمزية العامة التي أشرنا إليها تقبل استعارة نسبة العالم الصغير (النص الديني المرجع ) إلى العالم الكبير(نظام الموجودات من جيث هو نظام دوال شامل لنظام الموجودات من حي هو نظام مدلولات شامل). وكل نوع من هذه الأنواع مع الممارسة التي يتوجه إليها في التاريخ الفعلي هو الرحم الذي يتصور فيها النوع الذي يستمد منه وصفه وينمو ويتطور. فالعلم الرياضي مثلا يتصور في الخيال العلمي الرياضي والمنطقي وينمو ويتطور بل إن ذروة كل علم هي- قبل استقرار ما يصبح حقائق ذلك العلم - يكون ابداعا خياليا بهذا المعنى ما يعني أن كل العلوم التي أشرنا إليها هي بدورها أنواع أدبية استقرت فأصبحت مقصورة على الوظائف التي تؤديها في الممارسة النظرية أو العملية لحضارة من الحضارات.
أبو يعرب المرزوقي
الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا
[i]وهذه حقيقة تاريخية لا يشكك فيها أي دارس لأعمال الفلاسفة العرب في القرون الوسطى. فالكندي لم يتجاوز دوره تحرير نصوص المترجمين وصياغتها صياغة عربية سليمة. وهذه وظيفة لا تحتاج إلى علم باللغة اليونانية المترجم منها بل يكفي فيها العلم باللغة المترجم إليها لأنها مثل عمل المراجع عند الناشرين. وبعض المصطلحات التي نجدها في كتاب الحروف لا تعني أن الفارابي على علم باليونانية. ولم تكن ظاهرة الوساطة خاصة بالعرب والمسلمين. فاللاتين كذلك لجأوا إليها. إذ إن العربية أدت عندهم دور السريانية عندنا في الوساطة بين اللغة الغاية واللغة البداية. كما أن محاولات التخلص من الوساطة العربية عند اللاتين لم يكن بدافع علمي أو نقدي للترجمة كما قد يدعي البعض بل بدافع عقدي. فالتخلص من دور الفكر العربي والمسلم علته تصورهم مميزات الفلسفة العربية المنافية لدينهم ناتجة عن إسلام أصحابها لا لكون الفلسفة التي في كتاباتهم فلسفة. والعامل العقدي أثر عندنا في البداية سلبا للرد على التوظيف الباطني للنظريات الفلسفية إلى أن تجاوز الفكر الفلسفي منزلة الموجود الهامشي وبدأ يصبح إيجابيا وخاصة بفضل تأهيل الغزالي إياه من خلال تصعيد الرد إلى مستوى العلاج الفلسفي إذ إن اعتراضات الغزالي على الميتافزيقا هي عينها الاعتراضات التي قضت عليها وعلى استعمالها الثيولوجي ولو بعد أمد طال ثمانية قرون ( من تهافت الفلاسفة في نهاية العاشر إلى نقد العقل الخالص في نهاية الثامن عشر ).
وقد كان أغلب المترجمين في البداية من النخب التي لم تسلم بعد وأغلبها من مسيحيي الشرق بصورة خاصة لتوسط السريانية لغة الفلسفة عند النخب الفلسفية والدينية قبل تصدر العربية لهذا الدور بالتدريج. وقد حصل ذلك بفضل تحييد العامل العقدي بسبب موقف الإسلام من ممثلي الدينين الكتابيين والدينين الطبيعيين, أعني قبل تحريف الفقهاء لهذا الموقف. ذلك أن الفقهاء جعلوا هذا الذي يرمز إليه "مفهوم" الذمة حولوه إلى أساس للتمييز العنصري بدل أن يبقى كما هو في الأصل أساسا لرعاية الأقليات واحترام حقوقهم في دار الإسلام. لذلك فإن كل كلامي عن الإسلام لا اقصد هذا الإسلام الذي حوله الفقهاء إلى ملة من بين الملل بل الإسلام من حيث هو مابعد الملل. فنصه الأساسي استعراض نقدي للتجربة الدينية البشرية ومحاولة لتأسيس دين الفطرة الكوني منهيا المقابلة بين الدين المنزل والدين الطبيعي كما يرمز إلى ذلك ختم الأول وفتح باب الاجتهاد اللامحدود في الطبيعة والتاريخ وجمع الحج بين المنزل والطبيعي من المشاعر.
ويمكن أن نمثل لدافع حركة العودة إلى النصوص الأصلية عند الغربيين قبيل النهضة بما يشبه ما يسمى بحركة احياء العلوم عندنا خلال الصحوة. فهي من جنس السعي إلى تحرير العلوم والفلسفة مما ينسب إلى عقائد الوسطاء. لكن هذا التوجه انحط عندهم ( تمسيح الفلسفة ) كما هو بصدد الانحطاط عندنا لما تحول إلى أسلمة المعرفة. وكنا قد كتبنا ضد هذا التوجه لأنه بدل السعي قدر الجهد لتحرير الفكر من الأدلجة بات في النهاية أدلجة نسقية باسم الرد على البعد العقدي المنسوب إلى أصحاب الابداعات الغربية.وبذلك يصبح ما عجز الغرب عن تخليص المعرفة منه لجعلها موضوعيه قدر المستطاع هو ما يريد اصحاب اسلامية المعرفة جعله مطلبا ينبغي تحقيقه لأسلمة المعرفة فيصبح البعد العقدي جزءا مطلوبا ادماجه في العلم والفلسفة المؤسلمين بدلا من أن يكون جزءا مطلوبا التخلص منه شرطا في الموضوعية العلمية والفلسفية الممكنة قدر المستطاع. وهذا لعمري من أسخف المواقف المعرفية. وليس هو من الإسلام في شيء الإسلام الذي يعتبر الحقيقة ضالة المؤمن أنى وجدها قال بها.
[ii] الفارابي, الحروف تحقيق محسن مهدي دار الشروق بيروت 1967 الباب الثاني فصل الصناعات القياسية.
[iii] إن ظن علماء الدين علمهم دينيا فيه مغالطة لعل أحسن أدلتها الترجمة الانجليزية لاسم كلية العلوم الدينية والانسانية في الجامعة الاسلامية العالمية. فهم انتقلوا من التسمية بالإضافة " علوم الوحي"Knowledge of Revelation إلى التسمية بالنعت Revealed Knowledge. فبات العلم علما موحى به وليس علما بالوحي. وهذا الخطأ يتبين سخفه بمجرد القول إن علم الطبيعة علم طبيعي اذا لم يكن القصد بالدات نفي كونه موحى به والزعم بأنه من جنس موضوعه. فقد يقبل الانسان أن تنقل العامة قدسية الموضوع ( الدين) إلى العلم ( علم الدين ) فيصبح علم القيمين على هذا العلم بديلا من الموضوع. أما أن يعتمد رجال الدين على هذا النقل فيصبحون هم أيضا يتصورون علمهم دينيا مثل موضوعه فهذا هو السرفي موت علمهم وقتل كل ابداع في حضارتنا منذ أن أصبح العلم مظنونا قطعيا والسؤال حراما. ولهذا السبب ألغى الاسلام كل امكانية لمثل هذا الانقلاب. فهو لا يعتبر علم الدين علما دينيا لكونه ليس مختلفا عن العلم العادي. ويكفي دليلا على ذلك نفي الحاجة إلى مؤسسة لها هذا السلطان ( الكنيسة والكهنوت). لكن ذلك لم يمنع رجال الدين المسلمين من فرض ما يقوم مقام المؤسسة الدينية بهذا المعنى. والأمر صريح عند الشيعة لكنه خفي عند السنة. فكلا المذهبين أوجد مؤسسة وسيطة بين المؤمن وخطاب ربه. والغريب أن ثورة ابن تيمية ضد هذه المؤسسة الوسيطة باتت هي بدورها مصدر المأسسة شبة المطلقة للوساطة إلى حد العودة إلى ثنائية الفرعون والهامان في النظام الوهابي فصار الأمر نظاما بوليسا مزدوجا: بوليس الأمراء وبوليس العلماء. وبدل أن يكون ولاة الأمر ممثلي خلفاء الله باتوا وسطاء بينهم وبين الله في الرزق المادي ( الذي استبد به الأمراء) والرزق الروحي ( الذي استبد به العلماء). ثم عم الأمر بعد أن صار للعلمانين ما يشبه ما للاصلانيين: علم كلام فلسفي ( يدجل أصحابه باسم الديموقراطية الشعبية سابقا وباسم الديموقراطية البرجوازية حاليا ) نظير علم الكلام الديني ( يدجل أصحابه باسم الخلافة الراشدة سابقا وباسم الأمة الراشدة حاليا). ففقدنا الأمراء والعلماء بسبب كل هذه الأدواء ولم يبق منهم الا البلاء. فأصبح للنخب العلمانية نفس الوظيفة التي للنخب الأصلانية. والفرق الوحيد بين الفريقين هو أن دجالي العلم الدنيوي يستندون إلى أشباه أمراء الجيوش استناد دجالي العلم الاخروي إلى أشباه أمراء القبائل .
[iv] أهداني أحد ألأصدقاء في ندوة جمعية الفلسفة المصرية الأخيرة ( القاهرة: نهايات تشرين الأول 2003) نسخة منالعدد الأول من دورية بعنوان "فلسفة" تصدر ببيروت عن جمعية اللقاء الفلسفي( العدد الأول خريف 2003). وقد أسعدني طموح أصحابها الشبابي الذي تعبر عنه نواياهم الجياشة حول استئناف بكر يحرك الفكر الفلسفي ترجمة وابداعا خاصة وهم قد وصلوا سعيهم مباشرة بما كان يعد إلى زمن ليس بالبعيد بؤرة الفكر الفلسفي الحديث المتأخر والمعاصر ( الفلسفة الألمانية عامة ومدرسة هيدجر خاصة) لتجنب خطأ الاتصال الأول ببؤرته اليونانية عندما تعددت الوسائط ولم تشفع بالعودة إلى الأصول.
[v] يمكن أن يوجد دين منزل خاتم. لكن لا معنى لعلم خاتم. فالدين المنزل الخاتم ختم للتنزيل. ومن ثم فهو بداية للعلم البديل من التنزيل. لذلك فهو تأسيس للاجتهاد اللامحدود في الطبيعة والتاريخ إلى حد جعل الخطأ فيه مأجورا تبرئة للمغامرة العقلية وتشجيعا على طلب الحق. ومعنى ذلك أن ختم الوحي تخليص للانسانية من كل ادعاء للعصمة في المعرفة مهما تحايل المتصوفة وادعوا من ولاية بديل يكون صاحبها وصيا على العقول بزعم علم متعال عليها من طبيعة أخرى بعد حصر العقل في ما يسمى الآن بالمركزية المنطقية لكأن جميع التعابير الأخرى ليست من منتوج العقل البشري. إن ختم الوحي تأسيس للعلم والعمل الاجتهاديين بطريقتي التواصي بالحق والتواصي بالصبر وبمعيار التصديق والهمينة كما سيأتي شرحه. أما الزعم بوجود علم خاتم فهو عين النفي للعلم الذي أسس له ختم الوحي. ختم الوحي بداية العلم الاجتهادي والتحرر من كل سلطان روحي. تلك هي الثورة المحمدية. وكل فقيه يزعم غير ذلك يعود إما إلى المسيحية أو إلى اليهودية أو إلى الصابئية أو إلى المجوسية أو إلى الاتحاد بين فرعون وهامان. ومن ثم فهو يعمل بنقيض ما تدعو إليه سورة آل عمران التي نجد فيها تحرير العقل الأنساني من التحريف ( تأسيس عبادة الطاغوت بتحريف الحق الذي أنزل به الكتاب) ومن الجاهلية ( تأسيس الطاغوت بتحريف الحق الذي خلق عليه الحكم ) .
إن ختم الاسلام الاديان هو عينه اعتبار الفطرة التطابق بين ما يدعو إليه الكتاب من مواقف بحسب أجناس القيم وما يوصل إليه الحكم (=الحكمة أحيانا) من حلول وعلاج للموضوعات النظرية والعملية لتنظيم الحياة البشرية من خلال علم شروط التعامل مع البشر في صراعهم من أجل القيم الخمس والعمل بها. فالبشر يلتقون بفضل القيم الخمس ويتصارعون من أجل حيازتها والاستمتاع بها: قيم الذوق ( أساس الحياة العاطفية عامة ومؤسسة التربية خاصة ) وقيم الرزق ( أساس الحياة المادية عامة ومؤسسة الاقتصاد خاصة ) وقيم النظر ( أساس الحياة العقلية عامة ومؤسسة التعليم خاصة ) وقيم العمل ( أساس الحياة الجماعية عامة ومؤسسة الدولة خاصة ) وقيم الوجود ( أساس الحياة باطلاق أو ما يضفي المعنى على القيم السابقة ومؤسسة المعبد خاصة ). وتلك هي موضوعات القول القرآني من حيث النظر والعمل شرطين لتنظيم اللقاء بفضل تلك القيم ا والصراع من أجلها.
وقد جاء نفي تأليه عيسى غاية لنقد السلطان الروحي الذي يؤسسه المحرفون فيكونون مع أصحاب السلطان المادي معنى الطاغوت الذي اعتبر القرآن الكريم الكفر به شرط الإيمان لكونه شرط حرية المعتقد:" لا اكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم" ( البقرة 256). فكانت الحجة هي بيان التناقض بين هذا التأليه والنبوة: " ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله بل كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون" ( آل عمران 79). والتحريف غير ممكن من دون ادعاء العلم المطلق بالمقاصد الإلهية التي يزعم المؤلون معرفتها: لذلك فقسم السورة الأول ( المائة آية الأولى وقلبها الاية 7) يحدد مفهوم التأويل المؤدي إلى هذه النتيجة النظرية: تأليه رجال الدين أنفسهم ليسودوا على الأرواح. وقسمها الثاني ( المائة آية الثانية وقلبها الآية 154) ) يحدد مفهوم الجاهلية المؤدي إلى نتيجة عملية مناظرة في الاستسلام للدهر من خلال التحجج به لرفض العمل الجهادي. والغريب أن الأمرين يجتمعان عند زاعمي العلم المطلق لتأويل آيات الله الكونية والشرعية ودعاة الاستسلام للطاغوت والدهر: التصوف المتفلسف.
[vi] وهي لا تزال كذلك في أغلب البلاد العربية التي حافظت على تدريس الفلسفة. لذلك فقد فشلت كل محاولات الترجمة لاستغناء اهل الاختصاص عنها ولعدم الحاجة إليها في التعليم الجامعي إذ إن النص الفلسفي باللسان القومي لم يصبح أمرا مطلوبا في المساقات الرسمية فضلا عن عدم تشجيع البيئة المحافظة كل خطاب قد يجادل في ما يتصورونه من قطعيات الفكر الفكر الديني الذي لا يزال سائدا بين أصحاب الكلمة الفصل للققهاء الذين يكادون يقتلون بسياسة سد الذرائع كل اجتهاد وجرأة فكرية في مجالات القيم الذوقية والرزقية والنظرية والعملية والوجودية. وأغلب الفقهاء يتصورون علم الأحكام الشرعية كافيا في حين أن علم الأحكام يشترط ضربين من العلوم التي من دونها تتحول الأحكام الشرعية إلى قتل الحياة الجماعية. فأما الضرب الأول فهو علم الأدوات اللسانية بكل أصناف علومها والمنطقية بكل أصناف علومها والعلم الموحد لها أعني علم استعمال هذه العلوم للفهم أو إن شئنا علوم تأويل الأدوات الرمزية المعبرة عن العمران البشري لسانا ومنطقا. وأما الضرب الثاني فهو علم الموضوعات التي تتعلق بها الأحكام وهي نوعان يوحد بينهما ثالث. فهو علوم الموضوعات بعدة العلوم التي اكتشفها العقل الإنساني من حيث هي طبيعية ومنها الانسان والعمران ثم من حيث هي إنسانية أو علوم مواقف الانسان الواعية وغير الواعية الفردية والجماعية من تلك العلوم ومن موضوعاتها في خلال التعامل البشري بها أو الصراع عليها ثم العلم الموحد بين الوجهين أعني علوم تأويل الغايات التاريخية للعمران البشري. فمن دون هذين النوعين من العلوم المساعدة منهجيا ومعرفيا ومن دون محاولة تحقيق التطابق بينها يمتنع على المشرع أن يشرع سواء كان شرعه وضعيا أو دينيا لأنه من دونهما يصبح رميا في عماية.
[vii]إن أهمية مشروع هذه الدورية تتمثل في كون أصحابها يحاولون تجاوز هذا المستوى الشخصي إلى تشريح المعضلة الحقيقية التي تعاني منها الفلسفة العربية المعاصرة بتأسيس ما يشبه مدرسة فكرية ندعو لها بالنجاح في مستويي التنظير والممارسة. لذلك فسنعتبر هذا المشروع خطوة مباركة ننتهز اعلانها عن نفسها وعن بواكير اجتهاداتها مناسبة لتقويم فلسفة الترجمة الفلسفية التي غلبت على محاولات الفكر العربي منذ الشروع في النهضة وخاصة ترجمة النصوص الالمانية
[viii] اعتذر للقارئ غير المختص عن ازدواج مستويات العلاج: متن وهوامش. وأعتذر له خاصة عن تعقيد الهوامش وكثرتها وطولهالتضمنها التعليلات الدقيقة لهذا الوجه النقدي . فقد أوردت في الكثير منها بعض التدقيقات اللطيفة تجنبا لاغراق المتن بالتفريعات التي قد تبدو استطرادية فتحول دون متابعة خطوط العلاج العامة. لكن المتخصين الذين يهمهم امتحان أسس البحث النظرية لا تزعجهم هذه الدقائق بل بالعكس فإن غيابها هو الذي قد يلغي كل فائدة في الحوار العلمي بعمقيه: الاطلاععلى ما عليه المسألة بصفتهم متابعين للبحث في الميدان والغوص إلى المعاني الدقيقة التي يستحيل الوصول إليها من دون النفاذ الشخصي للمسائل بتجاوز صيغها وفنون التعبير عنها. ولعل ما أشار إليه ابن خلدون في حديثه عن كيفية النفاذ إلى المعاني من وراء حجب الألفاط والمصطلحات يساعد على فهم القصد من هذا العمق الثاني للبحث العلمي. وكل من لم يتخلص من الحجب اللفظية يبقى حبيس التبسيطات المدرسية فلا يشرع في التفلسف مهما اتسع اطلاعه بل لعل اتساع الاطلاع في هذه الحالة يصبح أكبر العوائق لظن صاحبه أنه بديل من حدة النفاذ وعمق الفهم.
[ix] حاولنا ابراز بعض الوجوه من هذا الامر في كتابنا الشعر المطلق والاعجاز القرآني ( دار الطليعة بيروت 1999 ) وفي مقال حول جوته صدر في أعمال الملتقى الذي نظمته كلية العلوم الإنسانية بحامعة تونس الأولى سنة 2001 بالتعاون مع معهد جوته في تونس.
[x] كما هو الشأن في جل محاولات هابرماس مثلا حيث نجد نقدا للعقل التنويري لا يذهب إلى حد التنكر للتنوير أو القول بالنسبية الثقافوية المطلقة التي انتهى إليها ما بعد الحداثيين من أمثال دريدا أو بعض الذريعيين المتأخرين من أمثال رورتي وكلا النوعين يمثل ما يمكن ان نطلق عليه اسم السوفسطائية المحدثة.
[xi] بحيث لا يكون النقد عملا يحصل بالصدفة فيقوم به فيلسوف بعينه بل هو حصيلة النضوج التاريخي للعقل البشري. لذلك كان العنوان الأصلي لفينومينولجيا العقل علم تجربة العقل قاصدا به ما يرتقي إليه الروح الشخصي والجمعي من حيث هو حصيلة تاريخ الفكر البشري لكل الحضارات التي أثرت بالتوالي والتساوق الجدليين في تكوين الفكر الكلي.
[xii] وهذا الموقف لا يخلو من احدى خليتين. فإما أن يكون انكشاف الوجود في العبارة الرمزية عن اللحظات التاريخية اتفاقيا باطلاق ومن ثم فلا يمكن تجاوز الانكشاف لحظته ولا يقبل الفهم لاحقا فضلا عن أن يتوقع سابقا. وإما أن يكون تعبيرا خاصا عن كلي قابل للانكشاف الخاضع لمنطق كما يتصور هيجل في فلسفة التاريخ التي هي الوقوع العرضي لما يحصل في المنطق لكون الأمرين وجهين للعلم المطلق. وعندئذ فلا فضل للحظة على لحظة إلا بتجاوزها إياها فتكون كل اللحظات اضافية القيمة للحظة الاخيرة التي تخبر عن اللعنة التي أصابت كل اللحظات فجعلت كل واحدة منها حال حصولها لا يكون فيها ذا قيمة الا عدم وعيها بكونها معناها الوحيد هو نفي ذاتها اعدادا لما يليها دون أن يكون لكونها ولكون ما تقدم عليها وما تأخر عنها غير العدم المخلخل لقيام الجميع. وهو في الحالتين يضعنا أما صراع الجزئيات المتناكرة أو صراع الكليات المتنافية لا فرق بين الأمرين لكونهما قولا بالدهر الذي هو أعمى في الحالة الأولى وأعور في الحالة الثانية.
[xiii] استقلال مخيال التسمية من أهم شروط الابداع لعلتين. فهو منبع الرافعة الرمزية التي تشكل المعدوم تشكيلا يحول الممكن التصوري إلى واقع فعلي في مجال العلوم الطبيعية وفي تطبيقاتها أعني فنيات علاج العالم الطبيعي أو التكنولوجيا. ولعل أفضل الأمثلة هو أدب العلم الخيالي في علاقته بالخيال العلمي. فأدب العلم الخيالي جنس ادبي لعل أفضل أمثلته عندنا ألف ليلة وليلة في تصور الحركة بسرعة تكاد تلغي لاتناهي المكان باختصار زمان قطعه إلى الصفر اعتمادا على فكرة نقلة الجن اللحظية والسحر وبساط الريح الخ... والخيال العلمي ليس علما خياليا بل هو جنس معرفي لعل أفضل أمثلته الفيزياء الفرضية أو الرياضية التي تبني عالما فرضيا تستنبطه من الفرضيات عودة منها إلى شروطها بوصفها تاليها أو انطلاقا منها إلى نتائجها بوصفها مقدمها. وكلاهما ضرب من خيال تسمية المعدوم منطلقا لإيجاده حتى إن قصة استخلاف آدم الرمزية كانت حجتها الأساسية في الحوار بين الله والملائكة المعترضين عليه بمدفعي الفساد في الارض وسفك الدماء الآدميين هي قدرة آدم على التسمية الكلية. لكن الأهم من ذلك هو دور خيال التسمية في فتح الآفاق الجديدة للوجود الإنساني نفسه. وعندئذ لا يتعلق الأمر بإيجاد شيء أو علاج العالم بل في إيجاد الإنسان نفسه وعلاج التاريخ.
وهذه هي المهمة الأساسية للابداع الفني الجمالي عامة والأدبي خاصة. وكلا الابداعين يبلغ الذروة في النصوص المؤسسة. ولعل أفضل الأمثلة منها عندنا النص القرآني من حيث هو اعادة تأويل للتاريخ البشري عامة والديني خاصة لتأسيس دور العرب والمسلمين في التاريخ الكوني. أما مثاله الثاني فهو كل النصوص التأسيسية في تاريخ الفكر الإنساني. وفيها نجد جوهر مخيال التسمية. لكن التمييز بين هذه النصوص والآداب الراقية التي تفترض العلوم النظرية والعملية من جهة والأساطير والآداب الشعبية التي لا تفترض تلك العلوم من جهة ثانية ضرورية حتى لا نتصور أن كل الانتاج الثقافي مجرة واحدة ذات طبعة واحدة كما يوهم بذلك التصور التفكيكي والذريعي المحدث في السوفسطائية المحدثة التي أشرنا إليها. فهذا النوع الثاني من الانتاج الثقافي يتصف بالخصوصية الثقافية ويمكن أن يكون أساسا للموقف النسبوي. لكن النوع الأول من الانتاج الثقافي أساسه نقد هذا النوع ومن ثم التجاوز إلى الكلي العلمي والقيمي في النظر والعمل والذوق والرزق والوجود كما نلاحظ ذلك بوضوح في الابداعات الفنية الراقية التي لا يمكن تصورها من غير افتراض تضمنها منجزات العلوم النظرية والعملية والخبرة التاريخية البشرية الكلية.
[xiv] من يقرأ الآية الثانية من سورة يوسف( إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون) قد يتعجل فيفهم عكس ما نحاول بيانه لأن رجاء الفهم يبدو مشروطا بعروبة اللسان. لكن الآيتين المحيطتين بها قبلها وبعدها يبينان القصد. فلا يمكن أن يكون القصد من الآيات التي تنسب إلى الكتاب المبين في الآية الأولى ( الر تلك آيات الكتاب المبين ) وحدات النص القرآني الدنيا بل كل الموجودات من حيث هي رموز متعالية الدلالة على التعبير اللساني. فلعل هنا تعني أن التنبيه تنبيه إلى الدوال الكونية غير الغربية. لذلك كانت الإشارة في الاية الثالثة ( نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين) إلى الغفلة المتقدمة على نزول القرآن الذي يفيد بمستويي الافادة: اللسانية تنبيها إلى الإفادة المتعالية التي تمكن من ادراك معاني الخطاب الالهي بأدوات تبليغ كونية تحقق للكتاب وصفه بالمبين دون قيد. فلو كان الكتاب مبلغا بلسانه العربي فحسب لكان مبينا للعرب وحدهم أو لمن يتعلم العربية من غيرهم. من هنا أتى الكلام عن أحسن القصص الذي سيخرج النبي من الغفلة فضلا عن غيره من البشر. ولما كان بعض تأويلات الحروف المقطعة في القرآن الكريم أنها يرجح أن تكون الحروف الأولى من اسماء الامور المشار إليها فإنه يمكن أن نعتبر: 1- الألف رمزا لحرف النداء أصلا لكل تواصل 2- واللام رمزا للسان منطلقا للتواصل الخاص بالثقافات ثقافة ثقافة معدة للتجاوز 3- والراء دالة على الرمز المطلق أعني الرمز الذي يكون داله عين مدلوله ( كما في خطاب الله ومن ثم يكون غنيا عن الترجمة لكونه خطابا موجها إلى كل البشر).
فالسورة جعلت حياة البشر الأسرية (وقيم الذوق والجنس ورمزها واضح في القصة من حيث العلاقة مع زوجة العزيز ) وحياتهم الاقتصادية (وقيم الرزق والقدرة ورمزها واضح في القصة من حيث حضور الأخوة لاكتيال الحب وقصة البقرات ) وحياتهم المعرفية ( قيم النظر والخبرة والرمز واضح من حيث تأويل الرؤى والتدبير السياسي والاقتصادي ) وحياتهم السياسية ( قيم العمل والسلطة والرمز واضح من حيث استوزار يوسف ) وحياتهم الوجودية (قيم القيام وشرط كل القيم والامر واضح من حيث ما يقوله يوسف عن صموده أمام الاغراء وتسليم أبيه للقدر) دال الخطاب الموجه إليهم ومدلوله. وتلك هي الآيات المشار إليها باسم الاشارة "تلك" بخلاف ما قد يذهب إليه البعض فيتصور المقصود بها الآيات بمعنى الوحدات المعنوية الدنيا في النص القرآني. وليس من الصدفة أن تبدأ السورة بحروف مقطعة لا تفيد بذاتها معانى بعينها ومن ثم فهي بحاجة إلى التأويل الذي تدور السورة كلها عليه أعني تأويل الرؤى أو تعبير الأحلام. لكن أداة التعالي هذه ( المرور من التعبير اللساني إلى التعبير القصصي عن التعبير الدرامي الحي ) يمكن ان ينكص بها الافق الثقافي إلى قيم ينسبها القرآن الكريم إلى التحريف. فدور يوسف عليه السلام في التوارة هو تأسيس الاقطاع لأنه حسب القصة التوراتية نصح الفرعون باحتكار أسباب العيش لأخذ كل الأراضي وتحويل كل المصريين إلى أقنان عند الفرعون. أما دوره في القرآن الكريم فهو التوزيع العادل لأسباب العيش مع تحديد دور التدبير السياسي في علاقته بالتدبير الرزقي.
[xv] ويمكن أن نضع لهذه التعليمات جملة من الرموز المنطقية تتعلق بكيفيات تناول الرموز الرياضية فنستغني عن الكلام أصلا. لذلك فإن الأبكم يمكن أن يتعلم الرياضيات التي تقبل الحصر في المكتوب المرئي من العمليات التي تناول بها الرموز بحيث يستطيع المرء تعريف الرمز في هذه الحالة بكونه مجرد علامة تشير للعملية. والواقع أن كل الرموز المنطقية هي من هذا الجنس وهي جميعها لا تتعلق بالمضمون العلمي بل بالعمليات التي نقوم بها على الرموز نيابة عن المرموزات: وأولها علمية الاثبات والنفي ثم عملية الوصل وعملية الفصل وعملية الشرط الخ.. وكل هذه العمليات يمكن تعريفها بمجرد القيام بها ويمكن أن تكتب كتابة تصويرية: فنثبت مثلا بوضع الرمز وننفي بشطبه ونصل بمطة وصل بين الرمزين ونفصل بشطب مطة الوصل بينهما ونشترط بالسهم بحسب التوجيه الخ...
[xvi] تبدو العلاقة بين ترجمة الأدب وترجمة العلم متناظرة بالتعاكس. فالتطابق بين الدال والمدلول في الأدب تحول دون الترجمة إلا إذا طلبنا الرموز الكلية المشار إليها وراء هذا التطابق فنتمكن من الترجمة أو أردنا أن نذوق الخصوصية الثقافية فننغمس فيها تجربة تعاش ولا تقبل الترجمة فنستغني عن الترجمة. في الحالة الأولى تصبح الترجمة ممكنة فيكون المطلوب ترجمته هو معنى المعني بمصطلح الجرجاني. والأدبية الكلية هي أدبية معنى المعنى. وبذلك فإن اللغات نوعان: اللغات الطبيعية وهي تخص ثقافة ودون ثقافة واللغات الصناعية وهي لغة التخاطب بين العلماء والمبدعين في كل الثقافات. وكلا النوعين يمكن أن يستعمل مفصولا عن المتعاليات عندما يتحول إلى لغة ميتة خالية من النزوع إلى الأعلى الذي تكون فيه الألسن مقفزا نحو المتعاليات الكلية التي تشمل كل البشر بل وكل الموجودات. ولولا هذا المعنى من شروط الترجمة وقصدها لامتنع أن يكون المسلم غير عربي لانه لن يفهم القرآن إذا هو تصور أن معناه هو ما تفيده مفرداته العربية بخصوصياتها الثقافية وليس بما فيها من إشارات إلى معنى المعنى من ورائها. لكننا لو تصورنا مواضعات بين الأدباء للرمز برموز صناعية لمعنى المعنى الادبي كما أشرنا إليه في ما يقبل الترجمة من التعبير الادبي لكان وضع الآداب في الترجمة من جنس وضع العلوم. فما هو دراما شخوص في الأدب هو دراما متعلقات القانون العلمي أو مقومات التعابير العلمية المحاكية لمقومات الظاهرات التي هي قوانين لها. والعلم والادب كلاهما لا يهتم إلا بابداع المتعلقات شخوصا كانت أو معاني مجردة وبدراسة ما بينها من علاقات هي وصف لدراما في الادب ووصف لقوانين في العلم.
[xvii] " السوق" جمع ساق. لكن المعنى الثاني مقصود كذلك بنفس منطق توارد المعاني بحسب العامل اللساني والجوار المكاني أو الزماني. وحتى المعنى الثالث بعد التأنيث فهو ليس مستثنى: أصحاب الساق السوداء (الأقليات الاستعمارية الفرنسية التي عادت إلى بلدها بعد حروب التحرير) والسوق السوداء (التجارة الخفية وغير القانونية ) والسوقة (أسفل رتب العامة) . إن التطفل المزدوج- بعدم الاسهام في الجهد الجماعي وبالاستحواذ على ثمراته- مميز لاصحاب هذه المعاني الثلاثة. لكن المسروق في هذه الحالة هو الأفكار التي اخذت من بقايا مدارس الفكر الألماني بعد تحريفها وادعاء المزايدة عليها في ما ذهبت إليه من أفكار ثورية قائلة بالتاريخانية المطلقة وما ينتج عنها من النسبية الثقافية. فما نراه يحصل من تطفل على الفكر الفلسفي الحديث بالسطو على فكرة التحرر بالتوارد اللساني عند هيدجر من المركزية المنطقية والميتافيزيقا وتحويله إلى لعب سخيف ببعض الأغراض من فكر الكبار الفلسفي والعلمي واللساني والمنطقي. فهي انحطت إلى درجة فوضاها تذكر بالخلط الحاصل في الذاكرة المرهقة لطلبة المسابقات الفرنسية ( التبريز ). وقد حصل نظير هذا التطفل على الفكر الشرقي الديني القديم بنفس لعبة التوارد السخيف بين بعض الاغراض من فكر الكبار الديني الأغراض التي تذكر بالخليط الحاصل في أذهان المدارس الدينية بحسب تقاليد مصر الفرعونية وبلاد ما بين النهرين. والغريب أن الدور الأول في التطفلين كان ولا يزال راجعا إلى نفس السوق السوداء بمعاني الكلمة الثلاثة. فجل تراث الشرق القديم قد قتل قتلا لم يبق منه إلا ما حافظ عليه تطفل نفس اللصوص أعني ما صار يسمى بالاسرائيليات التي يعود إليها ما يسمى بالأصل اليهودي المسيحي للروحانية الغربية وخاصة في ما يسمى باليمين المسيحي الأمريكي. ذلك هو تحريف الفكر الشرقي. وإلى ما هو من جنسه يعود تحريف الفكر الغربي الحديث الذي هو الوجه الثاني الملازم للوجه الأول في ثقافة ما بعد الحداثة الأمريكية التي هي سوفسطائية محدثة كما بينا في غير موضع.
ذلك هو التزييف الذي ينبني عليه تاريخ التطفل على الابداع الشرقي (تحريف الأديان لتأسيس نظرية الشعب المختار) والابداع الغربي (تحريف الفلسفات بتأسيس النسبوية الثقافية ونفي كل الأسس التي بقوم عليها أساس الاخوة البشرية أي كلية الدين والفلسفة وكونية القيم). فالاسرائيليات تحريف لامور مسروقة من التراث الشرقي القديم ومعزولة عن مناخها النظري والعملي بمقتضى بداوة مستعمليها تباع في السوق السوداء للتاثير الروحي الكوني. وكذلك الشأن بالنسبة إلى ما يحدث في الفلسفة الفرنسية التي تحرف بقايا الفكر الالماني الساعي إلى نظرية شعب الله المختار الفلسفي ما أدى إلى الصدام الصريح أو الضمني بين القائلين بالشعب المختار دينيا والقائلين بالشعب المختار فلسفيا.
والمعلوم أن الحضارة الاسلامية كان نصها التأسيسي للعمران والوجود على الأخوة البشرية نقدا نسقيا لنظرية الشعب المختار دينيا لتخليص البشر من العنصرية المؤسسة على العقيدة الدينية ( بضربي الكلي توزيعا وشمولا: فلكل شعب رسول بلسانه والرسالة الأخيرة تشمل كل الشعوب بمضمون مدلوله ألا فضل لانسان على إنسان إلا بالتقوى أي باحترام القيم الكلية التي شرعها الله لكل البشر). والمعلوم كذلك أن نصها المؤسس لعلم العمران والوجود كان نقدا نسقيا لنظرية الشعب المختار فلسفيا لتخليص البشر من النسبوية الثقافية ( رفض الفقهاء للفلسفة بوصفها تراثا أجنبيا رد عليه ابن خلدون بنسبة العلوم العقلية والحكمة إلى الانسان من حيث هو انسان محددا الفلسفة في نفس الوقت بكونها المعرفة الحاصلة عن اجتهاد العقل وتراكم الخبرة ). ومن ثم فليس غريبا إذا كنا ممن يرفض كلتا المدرستين. فالتنسيب الذي يزعم أن العلوم العقلية هي بدورها جنس ثقافي مخصوص يمكن لبعض الحضارات أن تخلو منه لكونه من خصائص البعض دون البعض من المضحكات التي نتجت عن نظرية شعب الله المختار فلسفيا تماما كالزعم بأن العقائد الدينية الكلية من خصوصيات بعض الشعوب دون الشعوب الاخرى. والنسبوية في الحالتين ليست بغرض الحد من الاطلاق الطغياني أو من التواضع العلمي بل هي من اطلاق الطغيان: فالنسبوية لا تعني المساواة بين الحضارات بل هي تعني أن بعض الحضارات مبدعه وبعضها الآخر عقيم أو إن شئنا هو موقف يسحب عقيدة التاريخ الطبيعي في نسبوية الأنواع إلى نسبوية الحضارات. فالنسبوية في التاريخ الطبيعي يسلم اصحابها بأن التطور يجعل كل الخصائص العضوية متساوية في العرضية ليجعل بعض الأنواع أفضل من بعضها تعليلا لبقاء الأصلح بهذه الأفضلية في ابداع ما به تتكيف لتبقى بازاحة غيرها.
ولكن شتان بين أن تقول إن العلوم ليست كلية بمعنى أنها ليست حقائق مطلقة وبين أن تقول إنها ليست كلية بمعنى أنها لا تشمل كل البشر شرطا لوجودها العمراني لكأن بعض العمران يمكن ان يكون من دونها في الدرجة المناسبة منها للدرجة المناسبة منه. فالنفي الأول أمر مسلم: لا توجد حقائق مطلقة في العلم لان الحقائق المطلقة الوحيدة إن سلمنا بوجودها تكون إيمانية لا علمية. لكنه توجد حقائق كلية بمعنى شمول العمران البشري من حيث هو عمران بشري لكونه من دونها لا يمكنه أن يقوم بوظائفه: فليس يخلو عمران من اقتصاد وجباية وتوزيع ثروات وتعامل مع الارض والسماء والماء وكل العناصر وجميعها يمتنع التعامل معها بمجرد التصورات الخرافية التي لا تخلو هي بدورها من نواة تجربية. فمهما كانت بدائية العمران نجد فيه معرفة علمية بالفصول والمناخ والنبات والحيوان والانسان والعمران والصناعات الأساسية كما يقول ابن خلدون. وكل هذه الخبرات تختلف صياغاتها باختلاف اللغات وعادات التعبير. لكن ما تتلكم فيه من حقائق متماثل على الاقل من حيث الوظائف التي يؤديها تماما كما هو الشأن بالنسبة إلى التاريخ الطبيعي حيث يمكن أن تتطور الأعضاء من أجل تجويد تحقيق الوظائف التي تبقى متماثلة عند كل الكائنات الحية. وفي كل الأحوال فالنسبية بالقياس إلى هذه الوظائف الحيوانية والعمرانية دون النسبية بالقياس إلى ما دونها كلية من الجنسين. لكن ذلك ليس خصيصة عرقية ولا حضارية بل هو نتيجة لعدم الوصول إلى مرحلة النمو الحضاري التي تقتضيها.
والمبدأ العام عندنا هو أنه يوجد تفاوت في النسبية بحسب درجة الكلية كما يوجد تفاوت في سرعة التغير والحركة بحسب جنس الظاهرات أو العوالم: فالظاهرات الطبيعية أبطأ تغيرا من الظاهرات العضوية والظاهرات العضوية أكثر بطءا من الظاهرات التاريخية والظاهرات التاريخية الجمعية أكثر بطءا من الظاهرات الفردية. وبهذا المعنى فكل المجتمعات لها نظريات علمية مهما كانت بدائية مثل بعض القواعد الهندسية لقيس الارض حتى وإن لم تكن كلها قد وصلت إلى التنظير الذي من جنس التنظير اليوناني. لكن التنظير الذي حصل في ما بين النهرين والذي ظنه البعض دون التنظير اليوناني تبين في ما بعد أنه أكثر فاعلية وحداثة منه كما بينا في كتابي الابستمولوجيا البديل والرياضيات القديمة: فاعتماد الخوارزمية العددية ( عند البابليين) أكثر نجاعة نظرية وتقنية من اعتماد الحدسية الهندسية ( عند اليونان). والحقيقة أن العقل البشري يتطور بالتناوب والتعاون بين هذين الضربين من العلاج. ولعل أهم مقومات الثورة العلمية العربية الإسلامية قد اعتمدت على محاولة التوحيد بينهما بصورة أدت إلى الاشرئباب إلى ارهاصات الرياضيات الحديثة.
ولنضرب مثالين يبينان أن العمران البشري مهما كان بدائيا لا يخلو من العلم في أرقى أشكاله رغم اختلاف أساليب التعبير ونسقية الصياغة. فنحن نقيس الزمان الماضي بما لنا من قدرة على قيس تغير ظاهرة من الظاهرات نجعلها معيارا لقيس مدته. فلا فرق عندي بين معرفة سن الحيوان بالنظر في أسنانه ومعرفة تاريخ الاحاثيات بتآكل الكربون. كلاهما قيس لسن الأشياء بقدرتنا على قيس الزمان بمقياس مناسب نطمئن لانتظامه وثبات قوانينه. ونحن نستعمل التناظر بين المجموعات قديما وحديثا أداة لحصر الموجود مثلا دون أن نعلم بوجه الدقة عدده: فلا فرق بين الراعي الذي يتأكد من دخول أنعامه كلها للزريبة بالتناظر بينها وبين حبات السبحة وبين أي رياضي يقيس ظاهرة علمية بالتناظر بين متغيرات الثابت فيها هو العلاقة بين المجموعتين المتناظرتين. ومن ثم فالفرق بين الثقافات في الانجاز العلمي والوعي بشروطه ليس خصيصة عرقية ولا حضارية بل هو نتيجة لعدم الوصول إلى مرحلة النمو الحضاري التي تقتضيها. ويمكن أن نعتبر الوحداث الثقافية والألسن القومية حيلة إلهية لابداع عقل جماعي فوق عقول الأفراد مرحلة وسيطة بينها وبين العقل النوعي. فتكون نسبة الثقافات إلى النوع نسبة الأفراد إلى الثقافة بشرط اعتبار الأفراد متجاوزين للثقافة بالمتعاليات الفطرية واعتبار الثقافة الجهاز الذي يوفر لهم شروط إبداع الأدوات المحققة لأدوات الوصول إلى تلك المتعاليات بفضل أدوات التواصل الكونية أو الأباديع الادبية والعلمية الشارطين لتواصل الأجيال المتلاحقة بالتراث بدل الميراث لأن المعارف المكتسبة ليست متوارثة عضويا. لذلك اعتبر القرآن الكريم تعدد الألسن من الآيات الربوبية في مجال استعمال التنوع وسيلة لتحقيق الوحدة: نسبة تعدد الألسن إلى وحدة متعاليات التواصل من جنس نسبة تعدد الشرائع إلى وحدة متعاليات العقائد في القرآن الكريم.
[xviii] لا أولى أي أهمية لموضة التفكيك في شكلها الفرنسي. فالتلاعب على مجالات الدلالة بالقياس إلى التواردات التي توحي بها مفردات بعض اللغات الاوروبية الميتة ( اليونانية واللاتينية ) والحية ( الألمانية والفرنسية خاصة) بمستوييها المنطوق والمكتوب قد يكون تمرينا دالا على تعالم صاحبه. لكنه لا يفيد علما بأمر محدد عدا الزعم بأن اللغات الطبيعية تعبر عن "أرواح" الشعوب المدركة لمعاني الوجود. وكل ذلك من أوهام عبقريات الشعوب والعنصرية الإثنية. فاللغات عندنا أكثر النظم الرمزية سطحية. وهي لا تعبر عن أعماق الوجود بل هي مقصورة على صدف التاريخ التي ألفت الحضارات بمقتضى صراع القوى الاجتاعية في الشعوب شعبا شعبا. وعندنا أن علم الوجود أو على الأقل ادراك معانيه الكلية لا يكون إلا بتخليص العقل الانساني من التراكمات السطحية لهذا الصراع بدل اعتباره معبرا عن حقائق الوجود. لذلك فهذه الألعاب اللسانية ليست عندي من الفكر الفلسفي في شيء حتى وإن استملحها المرء. ودورها لا يتجاوز وظيفة ايديولوجية تعبر عن ظاهرتين: احداهما تخص نخب الفلسفة والانسانيات تعبيرا عن منزلتهم في سلم النخب الغربية والثانية تخص تعميم هذا الوعي النخبوي ليصبح وعيا جمعيا للنخب الاوروبية بمنزلة حضارتهم في عالم استأنفت فيه الحضارات الاخرى دورها بعد رفض الاستسلام للهيمنة والنجاح في حروب التحرير. وهي في الجملة موضة يثبت بها البعض الذات بالخروج على نوع النخبة التي ينتسب إليها بعد أن همشها استثناء محترفي مهنة الفلاسفة (مهنة جامعية) من ميدان المعرفة العلمية والتأثير النخبوي في المجتمعات الغربية بعد أن فقدت الايديولوجيات الشمولية والثورات المزعومة عليها بريقها.
فقد فقدوا سلطانهم حتى في آخر معاقلهم أعني في محاولات تمييز العلوم الانسانية على العلوم الطبيعية ( بعد أن تقدمت الأولى في الصوغ الرياضي لما يقبل الصوغ الرياضي من الظاهرات العمرانية وتراجعات الثانية عن اطلاق الشكل التجريبي من البناء النظري ) وكذلك في ما انحدرت إليه مزاعم فلسفة العلوم من ثرثرة لا تسمن ولا تغني لخلطها بين المحددات العرضية للممارسة العلمية التي لها المنزلة الاولى في تحديد منزلة العلم والعلماء والتأثير في نسق البحث العلمي والمحددات الذاتية التي لها المنزلة الأولى في علمية العلم فضلا عن أثرها في نسق البحث لكون اكتشاف واحد يمكن أن يقلب كل التاريخ رأسا على عقب فضلا عن نسق العلم سرعة وبطءا ووجهة. إن هم هذه المحاولات لا يتجاوز السعي إلى تعويض سلطان اللاهوت على العلم بسلطان نوع جديد من القول بديل من الفلسفة بشكلها القديم سلطان عليه بالحط منه واعتباره مجرد تكنولوجيا كما هو الشأن في كل مزاعم هيدجر. وهي محاولة استمرت استمرار الموضة التي نتجت عن فشل فوضى اللقاء بين الماركسية والوجودية في تحقيق التغيير اليتوبي للعمران البشري بغير أدوات التغيير الحقيقية أعني بالعمل على علم المشروطين في العلم والعمل الفعليين اللذين للرمز فيهما دور بشرط أن يكون غير مقصور على الخيال. لكن كل هذه الموضات محاولات لا تجدي نفعا للابقاء على بقية مجال للكلام من دون شروط القول الفلسفي بمعناه التقليدي والذي يتلازم فيه القول العلمي وما بعده العائد عليه لنقده مع مكملهما الخيالي الذي له نسبة في التأثير الناتج. ومن هذه النخبة المهمشة لم ينج إلا القليل ممن غير وجهة بحثه فحاول أن يسهم في العلوم الانسانية الفعلية بدل الكلام عن رؤى العالم أو عن المقولات الوجودية البديل من المقولات الانطولوحية. لكن البقية أبقت على نسخة مسيخة من الحد الثاني دون الحد الاول اللذين لا يحيا الفكر الفلسفي إلا بالمراوحة بينهما.
لا شك أن النقد والسخرية يمكن ان يحدا من قتامة العلماء النافين للعودة النقدية الملازمة. ولا شك أن التشكيك في اطلاق الحقيقة العلمية من جوهر السعي اليها بشرط عدم استثناء اطلاق الشك من الشك في الاطلاق. فلا ينبغي أن ينسينا ذلك أنه لا توجد حقيقة أخرى غير الحقيقة العلمية المدركة لحدودها أعني الحقيقة العلمية بكل مستوياتها من مجرد التخمين والفرض عند الاستكشاف والبحث إلى الحقائق المستقرة والأنساق بعد الاستقرار الذي هو استقرار مؤقت دائما. وبهذا المعنى فالخيال والتعبير الاستعاري عندما يكون الفكر في مرحلة التحسس المبدع يعدان جزءا لا يتجزا من المعرفة العلمية التي هي فلسفية في نفس الوقت أعني عائدة على نفسها بالنقد والتأسيس والتجاوز. لكن النقد بمجرد أن ينقلب إلى موضة من نوع هوامش دريدا يتحول إلى مزحة ليس أثقل منها وليس ما فيها من السخرية إلا الريق البارد الذي يمكن أن يكون مقبولا في البداية نوعا من موضة خفة الروح التي تحد من عبوس الجد العلمي. لكنها لا ينبغي أن تصبح عبوس الجد الجهلي. فليس أقبح من الهزل إذ يستجده صاحبه فيتصوره بضاعة قابلة لان يتجاوز دورها دور المزينات للبضاعة الفعلية أعني المعرفة العلمية التي لا ينفع فيه التلاعب على الكلام بكل ابهام بغرض التمويه ببعض الصوت عند العوام الذين يدعون أنهم من ذوي الافهام كما هو شأن الأعلام من نجوم الأقوام. وكان ينبغي أن يعلم الباحثون عن خطاب يشكك في ما يزعمونه للقول الفلسفي من مركزية منطقية أنه لم يصبح كذلك إلا بعد أن صارت الفلسفة مقصورة على هذا الدور الهامشي بمقتضى تهميشهم إياها وظنها ذات مجال يخصها حصروه في القدر الضئيل من العلم الذي لهم بمقدار انجلاء الفلسفة المتدرج من كل مجال بلغ فيه العلم مبلغا يستدعي نصبا لم يعيدوا يطيقونه فيفرون إلى بعض الجناسات والطباقات يتلاعبون عليها في النجومية الصحفية والتلفزية والمحاضرات العامة. فبعد أن صار العلم الشامل لكل العلوم مجرد دعوى لم يعد أحد يصدقها بات المجال الوحيد لمثل هذه الممارسة البحث في ما يمكن ان يكون بديلا من الشمول المفقود: وذلك هو دور القول السوفسطائي المستند إلى وحدة الدال اللساني والخطاب الأدبي في مدلوله المنحط أعني الأخد من كل شيء بطرف.
لكن حقيقة الفلسفة كما هي عند الكبار الذين يحاول الأقزام التقليل من شأنهم بهذا الطنز الثقيل هي التلازم بين الأمرين علما وما بعد علم في جدود الامكان ( تلازم الوعي بالوعي وباللاوعي بمنطق فلسفة الوعي وتلازم اللغة وما بعد اللغة بمنطق فلسفة اللغة ) لمجرد كونها في نفس الوقت محاولة البناء النسقي للمعرفة العلمية صوغا لمجالات البحث والعودة الدائمة عليها لتجاوزها وادراك قصوراتها. الفلسفة لم تصبح مقصورة على الميتافيزيقا أو على القول الربوبي الوجودي كما يزعمون إلا عند فلاسفة العصر الحديث المتأخر أعني بعد لايبنتس. هم الذين جعلوها تصبح كذلك بعد أن أخرجوها بعجزهم عن منجزات الكبار من افلاطون إلى لايبنتس وعليها أخرجوها من موقعها الحقيقي: أعني موقع ريادة السؤال الفلسفي بوصفه رأس حربة أفعال العقل الانساني الخمسة وتقويماتها أعني فعل الذوق وفعل الرزق وفعل النظر وفعل العمل وفعل الوجود ثم تقويماتها الملازمة لها لمجرد كونها أفعالا بشرية يتلازم فيها الوعي بالموضوع والوعي بالوعي بالموضوع. إنها علاقة العقل السائل علاقته بكل أوجه الحياة البشرية في صلتها بمقومات وجوده وبأفعاله. فلا أفلاطون ولا أرسطو ولا ديكارت ولا لايبنتس يقبل أن يناقش بالصورة التي يناقش بها نيتشه أو هيدجر أو دريدا وجها مفصولا من عملهم متصورين الفلسفة عندأولئك كما هي عند هؤلاء. فهي ليست مقصورة عندهم على الميتافيزيقا ولا على الثيوانطولوجيا لأنه لا أحد منهم يسلم بأن الفلسفة ترد إليهما ما داموا جميعا يعتبرون البعد العلمي من الفكر الفلسفي أساس البعد ما بعد العلمي منه إذ لا معنى للتجاوز إلى المتجاوز من غير المتجاوز.
ولم يصبح هذا البعد مجرد نتيجة للبعد الميتافيزيقي أو الثيوأنطولوجي إلا منذ باتت الفلسفة تعتبر مقصورة على القول العام في نظرية رؤى العالم بدءا بالنقد ذي الدافع الديني للتقليل من شأن العقل وختما بالنقد ذي الدافع الفئوي للتقليل من شأن النخب العلمية من أجل النخب السوفسطائية (وظيفة المتكلمين بلغة الفارابي ولكن من منطلق الفئات الاجتماعية لا من منطلق المذاهب الدينية ). لست أدري ما الذي يكون الأمر لو تبين أن العكس هو الصحيح وأن كل النظريات الميتافيزيقية وكل رؤى العالم ليست في الحقيقة إلا استكمالا وهميا لثغرات العلم بادعاء علم معدوم. وهو علم لم يحصل بعد في حالة الاستكمال الابداعي وسيحصل. لكنه علم لن يحصل أبدا في حالة الاستكمال الاتباعي الذي هو أساس سلطان الدجالين في كل خطاب بما في ذلك الخطاب المزعوم نقديا أو تقكيكيا ¿ كل ما يقوله هيدجر ودريدا عن الفلسفة لا يصح إلا على ممارستهم هم للفلسفة: هي عندهم ثرثرة تحاكي العلم دون علم والادب دون أدب والفلسفة دون فلسفة. ويكاد هذا الكلام يصح على كل الخطاب الفلسفي الحديث المتأخر أعني ما تلا لايبنتس. فرؤى العالم أغلبها ذات مرجعية دينية محرفة ترد الفعل بالمواقف النقدية أو علمية ناقصة ترد الفعل بالحط من شأن العلم . ولو نحيت بعض منجزات منطق أرسطو من كل الفلسفة الموالية لسعي لايبنتس للبناء عليها لما بقي غير محاولات تأويل علمهما ( أرسطو ولايبنتس) تأويلا دينيا وميتافيزيقيا في المثالية الألمانية بدءا بكنط وختما بهيجل أعني لا شيء غير التوظيف الايديولوجي في مجالات القيم الأخرى وخاصة في قيم الاخلاق والذوق. وكل ما يقال عن التفكيك والنقد اللساني أو الثقافي والاجتماعي يبقى دون بذرات أجناس هذا النقد جميعا في أي محاورة من محاورات افلاطون تعالج هذه الاغراض.
وحتى محاولات التخلص من اسلوب الكتابة الفلسفية النسقية فهي أيضا ليست بالأمر الجديد. وحتى الكتابة التواردية فإننا نجد أهم نماذجها في كتابات كثيرة قديمة ووسيطة. ولعل أفضل ممثل لها عندنا كتابات المعري. فمهما حاول دريدا من تلاعب على التوارد الدالي والمدلولي وعلى مستويات الكلام والاختاصاصات فإن محاولاته تبقى دون رسالة الغفران. ثم إن اسلوب الكتابة الأفلاطوني يبين أن الفلاسفة لم يكونوا من الغفلة بحيث يتصورون النسقية السخيفة التي بات يتصورها أصحاب المثالية الألمانية عين الفكر الفلسفي. كان أفلاطون وأرسطو وديكارت ولايبنتس يتصورونها أمرا ممكنا في الحدود الضرورية للمنهجة وتنظيم الفكر من أجل اكتشاف الثغرات المحددة لتوجهات البحث المستمر إلى غير غاية. لم يزعم أحد منهم أن النسق الفلسفي هو عين نسق الوجود. ومهما حاول دريدا ومن لف لفه محاكاة الكراتيل فإن رقابهم ستقصم لا محالة بالاشرئباب الذي لا ينتهي والالتفات الذي لا يرعوي. ولعل محاولات فلاسفتنا العرب والمسلمين والمتصوفين منهم بصورة أخص تثبت أن نقائص الكتابة النسقية كانت بينة للجميع. لذلك فقد مال أغلبهم إلى الكتابة المزمارية عند الابداع وقصروا الكتابة النسقية على متون التدريس. لكن فساد الخطاب الفلسفي نتج عن شبة الاقتصار التام على اسلوب المتون التدريسية في الفلسفة الالمانية بعد أوهام المثالية الألمانية التي نتجت في مناخ كنسي ديني لا في مناخ حر وعلمي.
ولو أخذت أقصى ما يمكن أن ينسب من ابداع لرأس المدرسة الثائرة على الفلسفة المدرسية عنيت نيتشه لوجدت ثورته اسلوبية خالصة لأن مضامين فكره ترد كلها إلى نظريات أبدعها غيره أعني الفلاسفة العلماء الذين يستحوذ على فكرهم دون تنويه ويكتفي بالاشادة بنفسه وعبقريته التي لا تتعدى التنميق الاسلوبي والثورة على الجامعة – وهي علة اعجاب نخب الجامعات الغربية الغاضبة لفقدانها السلطة بعد ظهور نخب من طبيعة أخرى مثل نخب التسيير الاقتصادي والاداري والاعلامي- وفشله في التأقلم مع نخبة عصره. ماذا يبقى من نيتشه من دون فلسفة من يزعم نفسه قد قلب فلسفته رأسا على عقب ¿ ولو حذفت التأويل الدارويني للظاهرات النفسية والجمعية (البايوسايكولوجي والبايوسوسيولوجي) وتحليلات اللاوعي النفسي والجمعي الافلاطونين (في الجمهورية وفي المأدبة ) وفلسفة اللغة والمعرفة عند الميتافيزيقيين الذين أدركوا العلاقة الوثيقة بين المنطق الارسطي والميتافيزيقا (شيلنج وهيجل وضروب نفدهما الاربعة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر أعني الماركسية والكيرجاردية والوضعية والشوبنهاورية صاحبة التأثير الأول عليه )¿ أيكفي التعبير عن أحوال نفوس بعض المتعبقرين الفاقدين لصبر البحث العلمي الرصين وهزات قلق النخبة الجامعية التي همشها انتقال الثقل النخبوي منهم إلى غيرهم لكي نعتبر ذلك ثورة خلقية أو روحية كونية في حين أنه مجرد فساد مزاج ثقافي يعبر عن فطرة مستنفرة في فترة غير مستقرة من تاريخ الغرب الحديث المتأخر¿ ثم أي معنى لمحاكاة هذا المزاج عند نخبنا من دون شروطه¿ فأين الأنساق الفلسفية الخانقة التي يثور عليها مفكرونا فيميلوا إلى الكتابة في الهامش والاسلوب المزماري عند زمارين فاقدين للمزمار الذي لا يكون من دون مبدع السلطان على اللسان ونافذ الوجدان إلى سر الأكوان ¿ إن جل مفكرينا لا يتجاوز زادهم اللغوي زاد متعلم ابتدائي لو طلبت منه أن يقرأ المعري أو الشعر الجاهلي فضلا عن القرآن الكريم لكانت النصوص تحميلا إياه لما لا يطاق لأنها باتت عنده أجنبية باطلاق!
ورغم أنه ليس من غرض هذا العمل دحض النوع الثاني من التحيل في العلاقة بالفكر الغربي الحديث نظيرا للتحيل في العلاقة بالفكر الشرقي القديم فإني أشير إلى اعتراضين يكفي تعميقهما لبيان سخف كل محاولات دريدا لتحرير العقل الإنساني المزعوم مما يسميه المركزية المنطقية بحجج كلها مستمدة من المركزية اللسانية التي هي عودة لمركزية الشعوب المختاره بتوسط الألسن المختاره التي تستمد منها الكناية والاستعارة في فكر شبه مقصور على الدعارة. فأما الاعتراض الأول فهو يرجع كل أشباه الأدلة التي يستعملها دريدا إلى ضمير هو افتراض كل الرموز تمثيلية تحضر بديلا عن مدلولها الغائب. وتلك عله تعويض مفهوم الفرق بمفهوم التراخي تلاعبا على حرفي الe والa في الكلمة الفرنسية. لكن ذلك لا يصح على الرموز التي يتطابق فيها الدال والمدلول أعني اسماء الصوت ألتي اعتبرناها بالتعميم فعل الأسم في كتاب الشعر المطلق. وهي لا تصح من باب أولى على الرموز من حيث هي دوال نفسها. فاسم الفعل بالمعنى المعمم الذي أعطيناه إياه في كتاب الشعر المطلق يجعل مدلول العبارة دالا على مدلول ثان أعني معنى المعنى بلغة الجرجاني فيحصل التراخي بين مدلولين رمزيين وليس بين دال ومدلول ولا بين رامز ومرموز. هو تراخ مؤقت إذ إن المعنى الأول الذي أصبح رمزا للمعنى الثاني حاضر. فلا بد أن استحضر "يقدم رجلا ويؤخر أخرى" معنى أولا اسمي به فعل المشي لأفيد به المعنى الثاني: يتردد. لذلك فالمعنى الثاني ذو حضورين: كل متعين يقبل المماثلة مع المعنى الأول الحاضر ( ممثل الماصدق ) ثم وجه المماثلة مع المعنى الثاني( ممثل المفهوم ) الذي هو المعنى الذي لا معنى للكلام عن غيابه ما دام حضور الكلي لا يكون أبدا بالأعيان التي تمثله.
وأما الاعتراض الثاني فهو يخص الرموز عامة. فالرموز التمثيلية لا يقتصر وجودها على وظيفتها التمثيلية بل إن لها حضورا لولاه لاستحال علينا أن ندرك الوظيفة التي تؤديها بل ولاستحال عليها أن تؤدي الوظيفة. فماذا يقال عن هذا الحضور حضور الرمز نفسه بصرف النظر عن وظيفته ¿ هل يقبل اعتراض التراخي المستمر¿ ولما كانت الرموز التمثيلية التي تحضر بديلا من مدلولها راجعة في الحقيقة إلى الأدلة التي هي عين مدلولاتها بالاستناد إلى الحرف ووظيفتيه( اسم الفعل وفعل الاسم) فإن كل محاولات استبدال نظرية الحضور الوجودي ( للدال أولا إذ لا يهم ما الحاضر بل المهم أن الحضور لا بد منه للعلم أولا ولتجاوز المعلوم المعين إلى مابه يكون المعلوم معلوما والموجود موجودا, ثم يقاس المدلول على الدال) بالعدم الرمزي ليست قابلة للذهاب إلى اكثر من التلاعب على مجالات الدلالة بحسب التوارد. ولولا ضرب من الحضور لكان التوارد غير الواعي نفسه مستحيلا فضلا عن التوريد الواعي من خلال نوعي صلات الرحم الدالية والمدلولية. ومن أمثلة هذه الصلات التي لا بد من حضورها ليحصل التوارد لعل أفضل علاماتها الاشتقاق وتاريخ الكلمات والأسر الدالية كما في اللغات التي نعلم أصولها في اللغات الميتة . فالتوارد يكون إما بجاذبية صلات رحم الدال ( وهي صلات مادة الدال أعني صلات مادية أساسا ومن ثم فهي ترجع إلى الصوت وجودا وعدما على أرضية الحركة في الزمان عجلة إلى لا غاية وتأنيا إلى حد السكون ويحكم الجميع قوانين السمع الرياضية التي من دونها لا معنى للنسب الموسيقية وإليها تعود النسب النغمية ووسط السمع الذي هو من جنس نسبة الضوء إلى الرؤية) أو بجاذبية صلات رحم المدلول (وهي صلات مادة المدلول أعني صلات صورية أساسا ومن ثم فهي ترجع إلى الصورة وجودا وعدما على أرضية الحركة في المكان عجلة إلى لاغاية وتأنيا إلى حد السكون ويحكم الجميع قوانين البصر الرياضية التي من دونها لامعنى للنسب الشكلية وإليها تعود النسب اللونية والضوئية). والتوارد بكلا نوعيه البسيطين وبنوعيه الحاصلين من قياس أحدهما إلى الآخر ثم بوحدة الكل في الغناء الراقص أو في الرقص المصوت يجعله خاضعا لسنن تقبل العلم الذي هو مقصود البحث الفلسفي. ومن ثم فهو لا يخلص من المركزية المنطقية بل هو من ضروبها البدائية بخلاف ما يتصوره التفكيكيون.
ولعل أفضل من حاول ذلك بكل هذه المعاني ( تعويضا لدور الجسد بنظرية اللذة والالم ) هو أفلاطون في محاورة الفيلابوس. لذلك فالمناسبة قد أزفت للتمييز بين المتعاليات التي نقصدها والمتعاليات الأفلاطونية. ففي محاورة الفيلابس حاول افلاطون أن يحدد أمرين بالاستناد إلى مثالين متصلين وثيق الاتصال بموضوعنا. فأما الأمران فهما تحديد القيم الخلقية في متصل السيلان الابدي للذة والألم والقيم المعرفية في متصل السيلان الأبدي الواصل بين الواحد والكثير أو المحدد واللامدد. وأما المثالان فهما مثال تعيين الأصوات المفيدة في متصل الصوت أصوات اللسان وأصوات الموسيقى ومعهما حروف الكتابة والمثال الثاني هو العدد وتحديد المقادير عامة بما في ذلك حل معضلة المقادير الصماء. فكيف نميز متعالياتنا عن متعاليات أفلاطون¿ أظن أن الحل يكمن في تحليل المثالين قبل تحديد طبيعة الامرين. فبين أن الكلي في تحديد الأصوات ليس هو أعيان الأصوات المحددة لان ذلك لا يجادل أحد في عدم كونيته بل في ضرورة التحديد لجعل الصوت أداة ترميز. كل الألسن تشترك في ضرورة اختيار بعض الثوابت في الصوت لجعله أداة للتواصل دون أن يكون ما تختاره الحضارت واحدا. الواحد إذن هو ضرورة التحديد والاختيار. وقد أدرك الفارابي ذلك جيد الإدراك في كتاب الحروف عندما تحدث عن نشأة الألسن. لكن افلاطون والفارابي اللذين لا يجهلان هذه الحقيقة تصورا ذلك مقصورا على الألسن ولا يتعداها إلى الموسيقى فتصوروا العناصر الثابتة فيها كلية. ونفس الأمر تصوروه في الرياضات هندسة وعددا. لكننا الآن بتنا نعلم أن الكلي في الهندسة ليس عين العناصر بل ضرورة العنصرة بحسب نسق الحدود والمسلمات.
فإذا عدنا الآن إلى الأمرين اللذين أراد أفلاطون تحديد متعالياتهما في الفيلابوس أعني متعاليات العلم بالوجود ( إذ هو في الفييلابوس سبق أرسطو في تحديد العلل الأربع) ومتعاليات الأخلاق ( حيث جعل الخير الأسمى هو الحياة التأملية ) فإننا نعتقد أن ما قلناه عن المثالين ينطبق على الأمرين في تصورهما الأفلاطوني. فما هو متعال عندنا ليس الحدود أو الصور التي تعين المعلوم والمقيم في المتصل الذي هو مادة العلم أو العمل بل كون العلم والعمل لا بد فيهما من تحديد معين ليكونا ممكنين. وتعين التحديد في الحالتين نسبي إلى الحضارات وإلى اللحظات التاريخية في نفس الحضارة. لذلك اعتبرنا المتعاليات هي القيم الخمس وتمايزها وتداخلها وما تمليه على الإنسان فردا وجماعات من توجهات أو غايات متماثلة دون أن تكون أعيانها متحدة. وحدة التوجهات التي هي عين القيم هي الفطرة التي فطر الله الناس عليها وكليتها من حيث هي توجهات دون تحديد لاعيان التحديد مضمونا وشكلا هو شرط الحرية التي تحقق تلك القيم تحقيقا تاريخيا متحررا من التأثيم بلغة ابن خلدون لكون الاجتهاد والجهاد مبرأين إذا حصلا بشروطهما وبقصد يحكمه التواصي بالحق والتواصي بالصبر. وذلك هو المدلول الحقيقي لمفهوم الكسب بالمعنى الأشعري العميق أعني الجهد المعرفي (اجتهاد) والعملي (جهاد) لتحقيق الفطرة دون الزعم بأن الحصيلة معلولة للجهد لكونه شرطا ضروريا دون أن يكون كافيا. وإذن فالمتعاليات الوحيده التي نقول بها هي هذه الفطرة وذلك هو الدين الكوني كما يعرفه القرآن الكريم.
[xix] أقصد بهذا المصطلح ما ينقل حرفيا عادة ب"عالم الخطاب".
[xx] ولعل أكثر المواضع التي يعرب فيها هيدجر بأكبر صراحة عن رأيه في المسألة ترجمته للمقالة الاولى من السماع الطبيعي وما يقوله في مثالب اللغة اللاتينية وعجزها عن أداء ما أدته اللغة اليونانية وما ستؤديه اللغة الالمانية في محاولته. وكل من اطلع على الترجمة العربية القديمة يدرك أن محاولة هيدجر لم تأت بأي جديد عدى محاولة فرض الفهم الفينومينولوجي على تصورات فلسفة أرسطو الأساسية.
[xxi] فالتعريب يعود سلبا إلى النقل لأنه ينتج إما عن التسليم بامتناع النقل أو عن ضرورة الاقتصاد والاستغناء عنه لكلفته الاصطلاحية. ويثبت تاريخ الوضع المتدرج للغة أي فن بالوضع المترجم أو بالوضع الأصلي أن التعريب يتناقص والنقل أو الوضع الاصلي يتزايد كلما تقدم أهل الفن في التمكن منه.
[xxii] المتعالي يتخلل المتعالى عليه ويتجاوزه فيحقق فيه الوحدة إما الوحدة الشارطة لفعل الإدراك وموضوعه كما هو مدلول ترسندنتالي عند كنط وهوسرل أو الوحدة الشارطة لتعالي الشيء على موضوع الإدراك وفعله كما في مدلول ترنسندنس عند هوسرل أوبمعنى أعمق في مدلول الشيء في ذاته عند كنط. فتكون مادة المصطلحين دالة على التخلل المتجاوز بحيث إن الشارطية في الحالتين متوفره وهي دلالة تقتصر على المعرفة واعطاء المعنى في الفلسفة الحديثة لكنها تتجاوزهما إلى الحقيقة والجود بالوجود في الفلسفة القديمة والوسيطة.ولعل أقرب كلمة عربية فيها معنيي التخلل والتجاوز هي كلمة الشك التي تعني دخول السهم من جانب الشيء وشكه للخروج من جانبه الآخر. والتعالي في مدلوله الترنسندنتالي يعني ذلك إذ من دون رفع الحكم حول دعوى الوجود لأشياء العالم والعالم نفسه ليس للوظيفة الشارطة من معنى. فعل الرفع هو الذي يشك العالم شكا فيتجاوزه إلى شرط الدلالة التي تصبح له بفضل فعل التعالي المؤسس (وهو ما يذكر بوجه الشبه المنهجي بين الشك المنهجي الديكارتي والرفع الهسرلي رغم اختلاف الغاية لكون الأول ينتقل من الشك إلى يقين المشكوك فيه والثاني يقتصر على الرفع لتحديد طبيعة أفعال الذات المتعالية ). وهنا لا بد من الإشارة إلى أن فعل التأسيس الذي لأفعال العقل لا يتجاوز أفعاله المبدعة مثالات العالم التي لا يبدعها الفكر المتعالي بخلاف التأسيس العلمي الذي هو مبدع المثالات في الذهن وما تتضمنه من أثر معرفي يطابق فعالية الأشياء التي في العالم بدليل القدرة على صنع البديل منها البديل الذي له أثارها الحقيقية في الوجود العيني.
لذلك فكل المعاني التي يصل إليها الوصف الفينومينولوجي للمعاني (لا للعنايات) مستمدة إما من مبدعات الوعي الغفل أو مما استقر من مبدعات الوعي العلمي ومن ثم فهي بنت التوهمات التعبيرية المغفول عنها. وعندما حصل الانتباه إلى ذلك حصل ما أطلق عليه اسم المنعرج اللساني. فتبين الفكر الفلسفي أن كل توهمات الوعي المتعالي آثار الوقع اللساني المغفول عنه بحيث إن كل القصود العنائية ليست إلا ظلال أساليب التعبير اللسانية. وحتى نتخلص من هذه التوهمات حاولنا أن نبين في كتاب الابسمتولوجيا البديل أن تاريخ المعرفة البشرية لا يمكن أن يستمد من التصورات والمفاهيم ( التي هي تابعة لفلسفة الوعي ضرورة وتقتضي الاستبطان ) بل من الأدوات الرمزية في مستوياتها الخمسة المغنية عن فلسفة الوعي والاستبطان: 1- في التعبير الحي بكل أدوات التعبير 2- ثم فيها مترجمة إلى ما يقبل التخزين المكتوب أو المسوع أو المرئي (وبكل المدارك) 3- ثم فيها مترجمة إلى تطبيقات عينية 4- ثم في ترجمة التطبيقات العينية للنظريات إلى تعبيرات قابلة للتخزين 5- وأخيرا في أصل الكل أعني الأرشيف التوثيقي للحضارات بجميع حوامل الرموز من الحجارة والالواح الطينية إلى الكلام الحي أو المكتوب إلى كل أدوات تخزين المعلومات الحديثة. المعرفة توجد في هذا القيام المادي للرموز وفي علاقة الوعي الحي بها وليس في تصورات الوعي بها: إنها البعد المعنوي من الحضارة بكل تعيناتها الدالة على أثار عمل الإنسان وعلمه في مجالات القيم التي سنعرفها لاحقا في احد الهوامش.
[xxiii] وقد حاولت في كتاب ابستمولوجية أرسطو بيان عدم اكتمال نظرية المتعاليات الثلاث. ذلك أن منطق تعاليها يقتضي أن تكون عشرة لا ثلاثة. فالواحد لا معنى له من دون الكثرة. لكن الكثرة التي يوحدها الواحد تصبح مقوما من مقوماته فتكون غير ما في الكثرة من عوامل مستعصية على التوحيد. وذلك هو المقابل المطلق للوحدة أي ما لا يقبل الرد إلى الوحدة مهما كانت محاولات التوحيد. وقس عليه ما في المتعاليين الآخرين من قوابل تتضمن ما ينضوي تحتها وما يتستعصي على الانضواء. فما لا يقبل الوحدة والخير والوجود هي الشرور التي ينسبها أفلاطون إلى ما في المادة من استعصاء عن الخضوع إليها والتصور بها. وهذا المستعصيات فرادى ومتحدة في المادة من حيث هي الشر المطلق لا يمكن أن تكون هي ما توحده المتعاليات الثلاثة وتخيره وتوجده. فتكون المتعاليات الموجبة ثلاثة ذات أصل واحد يفعل بها في أصل مقابل يخلصه بفعله من نقائضها التي ينبغي أن تكون ثلاثة كذلك. ويكون حاصل هذه العمليات إذا تحققت معا بسبب وحدة الأصل صورة منه : الواحد والخير والوجود أفعال لأصل مجهول الطبيعة ينسب إليه العقل الفعل في اصل مجهول ينسب إليه الانفعال. والفاعل يضفي على القابل الوحدة والخير والوجود إيجابا فيخلصه من مقابلاتها سلبا. وقد تصور أفلاطون هذا الفاعل باسم الإله الصانع وهو غير مثال المثل أو الخير المطلق. والحصيلة من التفاعل الذي يحركه الأله الصانع هي العالم الذي هو نسخة من صاحب الأفعال الحقيقي أو الخير المطلق بلغة الطيماوس.
فتكون المتعاليات ستة مع أصلين قبل التفاعل ونتيجتين بعده. فيكون عدد المتعاليات بأصليها وحصيلتيها قبل التفاعل وبعده عشرة: الأصل الفاعل قبل الفعل (ورمزه الله) وبعده ( ورمزه خليفة الله أو الإنسان ) والاصل المنفعل قبل الفعل ( ورمزه المادة المطلقة) وبعده ( ورمزه تصور خليفة المادة أو العالم الطبيعي) ثم الواحد والكثير والخير والشر والوجود والعدم. وفي هذا تلتقي الأساطير والفلسفات والأديان بأساليب مختلفة: فالله بفعله في المادة التي هي كثرة وشر وعدم يخلق العالم بما يضفيه من وحدة على الكثرة وخير على الشر ووجود على العدم فعل في نفسه التي هي وحدة وخير ووجود ليخلق الإنسان ليستخلفه في العالم كما في تأويل الغزالي للتناظر بين العالمين الكبير والصغير وتفسيره لآية النور. وقد حاولت أن أسمي الذات المتعالية التي تحقق هذا التكوين المتعالي بالذات المتعالية الربوبية قياسا على الذات المتعالية الإنسانية التي يزعم أنها تحقق التكوين المتعالي في الفلسفة الحديثة. وبمجرد أن نثبت هذه العلاقة ندرك أن كل الفلسفة الحديثة تقبل القراءة بمفهومات الثيولوجيا بمجرد وضع الذات المتعالية الناسوتية في خانة الذات المتعالية الربوبية. ومن ثم فإنه يحق لنا أن نعتبر الفلسفة المتعالية علم كلام أو ثيولوجيا متنكرة في شكل انثروبولوجيا.
[xxiv] لذلك فإن كل المزاعم النافية لاستعمال المتعالي للدلالة على معناه الكنطي مزاعم ليس لها أساس من الصحة بشرط أن نعلم أن التعالي لم يعد متعلقا بخاصية ذاتية للشيء فحسب بل وكذلك بخاصية ذاتية لتعقله مع التفريق بين المعنيين بصيغة ما. ومثلما أن تغير دلالة المقولة نفس هذا التغير لم يمنع كنط من المحافظة على المصطلح فيمكن كذلك بالنسبة إلى التعالي أن نحافظ على نفس الإسم. لا شيء يمنع الفيلسوف العربي من الإبقاء على نفس المصطلح مع التنبيه إلى الفرق بين المعنيين كما فعل هوسرل تمييزا بين ترنسندنتالي وترانسندس: التعالي في فعل العقل يعني القبلية المؤسسة للتصوير والتعالي في موضوعه يعني عدم استنفاذ الإدراك للموضوع الخارجي.
[xxv] وهنا أيضا ساسمح لنفسي بالتشكيك في المقابلة. فهي من التبسيط المدرسي وليست من حقائق تاريخ الفكر الدقيق. فلما كانت المقولات عند أرسطو هي أصناف المحمول ( تسعة ) وصنف الحامل الوحيد أو الموضوع ( الجوهر سواء كان أولا أو ثانيا لأن مقومات الجوهر الأول في وحدة الحد يمكن أن تكون موضوعا لمحمول بل في الحقيقة موضوع المحمول ليس الجوهر الأول بل هو دائما حده: فعندما أثبت لزوايا المثلث في الهندسة الإقليدية خاصية القائمتين لا تكون النسبة لمثلث عيني بل للمثلث باطلاق أي لتصوره كما يرسمه حده) بات من الثابت أنها ليست حقا صفات للموضوع في ذاته- رغم أن كون هذا التمييز لم يكن ذا معنى في الفلسفة القديمة لأنها لم تصل حتى إلى المقابلة بين الكيفات الأولى والكيفيات الثانية بل اقتصرت على القابلة بين ادراك العقل السوي والعقل الفاقد لشروط الادراك السوي ( كالمرور أو المخمور ألخ ...) – فإن المقولات تتعلق بفعل الحمل وليس بطبيعة الحامل ولا بطبيعة المحمول. ومن ثم فأولى بها أن تعد مفيدة ضروب الحمل ما يجعلها قريبة من معنى فعل العقل المحدد لشروط الادراك ولشروط المدرك العلمي. فيكون الفرق الحقيقي متأتيا ( أي متعلقا بالقضية ) من تقدم فكر أرسطو على فكر كنط لكونه لم يفصل بين فعل الحمل القضوي المنطقي المحيل على الحقائق الموضوعية وفعل الحمل الجملي في اللسان المحيل إلى عباراتها اللسانية وبين ما يجري في الذهن كما يفعل كنط الدي يتكلم عن أفعال العقل وكأنها أرواح بلا أجساد. وكل من اطلع على مؤلفات هردر الثلاثة في ما بعد النقد يعلم أن حجة هردر الأساسية مستمدة من هذا الخطأ الرئيسي للنظريات المزعومة متعالية. أما ما يميز بين التصور الأرسطي والتصور الكنطي من حيث الشحنة الوجدانية ( الذي له علاقة بالموقف القضوي لا بالقضية) فهو أمر آخر: إنه الطابع المتفائل للفلسفة القديمة والوسيطة اللتين كانتا تريان العقل الإنساني غير محجوب عن ادراك الحقيقة لانها لا تقول بنظرية السقوط التي يؤمن بها كنط في أعماق نفسه تسليما منه بنظرية اللعنة المطلقة التي ينطلق منها الإصلاح الديني كما نرى ذلك في كتابه حول الدين بحسب العقل بمجرده إذ كله مبني على هذه النظريةDie Erbsuende وعلى الصراع بين الخير والشر.
[xxvi] ولشرط القيام هذا مستويان. فهو مطلق عند المتكلمين لقولهم بامتناع قيام العرض بالعرض. لكنه يبقى مع ذلك حتى عند القول بقابلية قيام العرض بالعرض قياما نسبيا لكون العرض المحل في هذه الحالة يقوم بالجوهر. مثال ذلك قيام عرض السرعة بعرض الحركة التي تقوم بالجوهر المتحرك عند المدرسيين. وهذا التعليق يساعد على فهم سر النقلة من تصور الذات العام إلى تصورها المخصوص. ذلك أن الذات المخصوصة بالإنسان تعني أنه صار واضع الموضوع لكأن كل الموضوعات باتت أعراضا لعرض موضوع رئيس ( الإنسان). وهذا العرض هو فعل الوضع الذي جعلوه شبيها بفعل الخلق الإلهي فلا يقتصر على وضع ما في ذهن صاحبه ولا حتى المعنى المشترك بين الأذهان بل المرجع نفسه. ومن هنا جاء داء الذاتوية التي يريد هيدجر تخليص الفكر الحديث منها ليترك الأشياء تكون بذاتها عودة منه لمدلول الفيزيس. وبهذا المعنى فإن فلسفة هيدجر رغم كل تصريحاته ليست فينومينولوجية بالمعنى المتعارف والذي بمقتضاه يكون كل موضوع مجرد متضايف مع واضع هو الذات المتعالية وأفعالها المدركة. فالموضوع ليس في الحقيقة إلا المعنى المقصود أو المعلوم الذي ينقسم إلى موجود ومعدوم وليس هو بالضرورة الشيء الموجود خارج الذهن أو المفارق المكاني بالمصطلح المدرسي. إنه الموضوع العنائي أو القصدي: Intentional object =. هيدجر يسعى إلى تجاوز المقابلة بين الذات والموضوع إلى ما يقرب من تصور "الجوهر الذات" او "الذات الجوهر" بمعنى المصطلحين المتعاكسين عند هيجل. وذلكما هما مدخلا عملية تكاشف الزاين والدازاين.
وليس من محض الصدفة أن كان التطور الاصطلاحي لكلا التصورين متماثلا. فما حصل من حصر لتصور الذات في الذات المدركة من حيث هي واضعة حصل لتصور الدازاين الذي حصر في "أمر" يشبه تصور الروح المتعين الذي يكشف إذ ينكشف وينكشف إذ يكشف في تواصل ذي طبيعة صعبة التحديد تواصل بينه وبين الزاين تماما كما يحصل في التواصل ذي الطبيعة صعبة التحديد بين الروح المتعين والروح الكلي عند هيجل بحيث إن احاطة الروح الكلي بالروج الجزئي هي عينها احاطة الزاين بالدازين وقوام الزاين بالدازيان هو عينها قوام الروح الكلي بالروح الجزئي بشرط أن نستثني التحديد القبلي للصيرورة بالغائية التي تجعل الأرواح الجزئية المتوالية مراحل واجبة يقتضيها تحرير الفكرة. فيكون الدازاين غير الذات بالمعنى الحديث لأنه يترك الفيزيس تكون أو تنكشف بذاتها فلا ترد إلى أفعاله الوضعية. لكن إذا كان هذا الدازاين هو الإنسان العيني ذي اللحم والدم الملقى في ظرفية ليس له فيها بد فكيف يمكننا أن نفهم التمييز بين انكشافاته وانكشافات الزاين به من دون أن نجعل هذه الانكشافات متوالية من المصادفات التي لا يصل لاحقها بسابقها أي قانون ¿ وكيف تتدخل الظاهرات العضورية والنفسيه التي تخصه¿ وما طبيعة بديل هيجدر من المقولات الدازاين وهل يبقى لما ينسبه إليها من مفهوم كلي معنى يمكننا أن نقول إنه بديل من نصور الانسان الكلي في الفلسفة التقليدية¿ كيف تكون مشكاتي الخاصة مشكاة ( Die Lichtung) للوجود لها مع مشاكي الآخرين فتدرك كلها معاني كلية مشتركة من دون العودة إلى الميتافيزيقا التي يزعم هيدجر تخليصنا منها أم إن الوجود سيتعدد بتعدد كاشفيه بمشاكيهم ¿ وكيف يحصل التكاشف بين المشكاة وما يستنير به المينر والمنار ( وجود الموجودات ) تناورا غير مقصور على وهم المنارة من دون التلاؤم المسبق بينهما بمعناه عند لايبنتس¿
[xxvii] نصان أساسيان يمكن الرجوع إليهما لفهم هذه المسألة أحدها لأفلاطون ورد في محاورة الطيماوس والثاني لأرسطو ورد في المقالة الثانية من التحليلات الأواخر. ولا أظن أحدا يجهل النصين ما يغنينا عن الاحالة. فكلا النصين يتعلق بكيفية التلاؤم بين العلم في النفس والمعلوم في الخارج. فأما أفلاطون فشبه الأمر بما يحدث في عملية اهتزاز الغربال علميته التي تجعل النفس بمفعول حركة الغربلة تصل إلى لحظة التلاؤم مع الأمور التي تغربلها أعني أحداث العالم فيحصل التطابق بين ما في النفس وما في الوجود الخارجي. وأما أرسطو فشبهه بما يحدث للجيش المنهزم وكيف يعود إلى انتظام الصفوف بعد مرحلة الهروب الأولى. والمشترك بين الفيلسوفين هو الصدام الأصلي بين ظاهرين من النفس والعالم والتوافق النهائي بين حقيقتهما من خلال صراع مثل له الأول باهتزازات الغربال والثاني باضطرابات الجنود الفارين تحت وطأة الخوف. والثابت في الحالتين أن عودة النظام إلى الجيش تعني أن للجيش نظاما يعود حتى بعد الفقدان وأن الغربلة الساعية إلى تحقيق التطابق بين عيون الغربال وما يمر بها من الوجود الخارجي يعني أن نظاما ما يتحقق في الغاية بين الأمرين: النفس العالمة والوجود المعلوم دون زعم بأن أيا منهما يفرض نظامه على الآخر.
الأمر كله ثمرة عملية جدلية يكون فيها كلا طرفيها فاعلا ومنفعلا ولا يمكن أن ننسب إلى احدهما الفاعلية المطلقة فنستثني منها الآخر ولا الانفعالية المطلقة فنستثني منها الآخر كذلك. وما يؤيد صحة هذا الفهم هو أن كلا الفيلسوفين يرفض النظريتين اللتين كانتا سائدتين لتفسير ظاهرة المعرفة: نظرية التماثل واللاتماثل بين النفس والعالم أي أن الشبيه يعلم الشبيه أو غير الشبيه يعلم غير الشبيه. فقالا بضرورة الامرين معا. لا بد أن يكون العالم والنفس متشابهين من وجوه لتفسير حصول التلاؤم في الغاية وغير متشابهين من وجوه لتفسير عدمه في البداية والجمع بين الأمرين يحقق التفاعل الذي هو عينه تاريخ العلم وتاريخ البشرية فيكون المعلوم فاعلا ومنفعلا ويكون العالم كذلك. والفرق الوحيد بين الفيلسوفين هو طبيعية قيام العالم والمعلوم الفاعلان والمنفلان: أحدهما يراهما خارج النفس والعالم الطبيعيين ( افلاطون ) والثاني يراهما فيهما ( ارسطو). وذلك هو مصدر الفرق بين المثال والصورة مدرَكين ومدرِكين..
[xxviii] وسنتساهل فلا نطيل القول في اختيار مادة "ف.ه.م" منطلقا لهذا المصطلح. فالمعلوم أن فهم لا تؤدي معنى التصور لأنها أحد أبعاده. فالمناطقة العرب مثل كل مناطقة العالم يميزون بين مفهومية التصور (intention) وصادقيته(extension) . والأول يعني الصفات المشتركة بين العناصر التي يكون الثاني صنفها أو نوعها أو- بلغة رياضية حديثة- مجموعتها. فكل عنصر يتوفر فيه مفهوم التصور يعد عنصرا من ماصدقة أي عنصرأ يصدق عليه المفهوم فيكون واقعا تحت التصور فيحق له الانتساب إلى المجوعة. فإذا انطلقنا من فهم نكون قد اخترنا أحد أبعاد التصور ولم نؤد المعنى المقصود في كلمة "بجرف" باعتباره المقابل الألماني لكونسابتوس اللاتيني وللتصور العربي ببعديهما.
[xxix] لما يحاول المرء أن يفهم علل اقرار الفلاسفة العرب المترجمين على اختيارهم كلمة تصور لأداء هذا المعنى يدرك قدرة المترجمين على فهم المعنى المقصود والتعامل مع عبقرية اللسان العربي جيد التعامل. فالتصور مصدر تفعل من صور. وهو إذن في مدلوله الأول يفيد المطاوعة. فيكون الفكر قد تصور لما صوره مصور. والمقصود هنا المعنى الصورى في الموضوع أو صورة الموضوع الذي يدركه المتصور. لكن خاصية هذه الصيغة أنها صيغة مطاوعة متعدية من جنس التلقي. فالفكر لا يتصور لكون مصور صوره فحسب بل هو يتصور موضوعا تماما كما أن التلقي ليس مطاوعة انفعالية بل هو مطاوعة فعلية: فهو يتلقى أمرا فيفعل فيه ولا يقتصر على مطاوعة ما يلقى إليه. فإذا أضفنا إلى ذلك أن مدلول التصوير في القرآن الكريم ( مثل "يصوركم في الأرحام" ) تعني الفاعلية الخالقة ( ومنها استوحى ابن سينا نظرية واهب الصور) بات المفهوم مطابقا مطابقة تامة لما قيس عليه لاحقا في المصطلح اللاتيني لأن الكونسابتوس لها أيضا هذه الدلالة التصويرية الخالقة كما في سر ال"إماكيولت كونسابشن" السر الذي يناظره في القرآن الكريم معجزة النفخ في فرج مريم لتحمل بالمسيح من دون جماع. فيكون التصور بهذا المعنى مفيدا أمرا أكثر مطابقة للدلالة الكنطية لأثر العقل التصويري في المعرفة منه لدلالة التصور المنفعل في النظرية المعرفية القديمة والوسيطة ( كما يعرضها التبسيط المدرسي الذي هو أبعد ما يكون عن الصحة كما نبين هنا في بعض التعليقات) ما يفيد بأن الحفاظ على هذا المصطلح مع مثل هذه التوضيحات للدلالة أولى من ادخال صيغة ليس لها في الصرف العربي دلالة عدا التعدية وهي عندئد لا يمكن أن تعطي أفهوما بل افهاما لأن مصدر أفهم هو افهام وليس افهوم.
[xxx] وهذا الحدس العقلي الواصل بين الجواهر الثانية والجواهر الأولى أو بين الماهيات وتعيناتها الوجودية ( والذي تمكن أرسطو بفضله من تجاوز عقتبي الجدل ألأفلاطوني: عقبة عدم قابلية المثل لتفسير الفاعلية المعرفية وعقبة عدم قابليتها لتفسير الفاعلية الوجودية المنسوبتين إليها. فكان هذا التجاوز ببعديه علة تعويض تصور المثال بتصور الصورة . ولأن هيجل أدرك هذه العلاقة التي أشار إليها بوضوح في درسه عن فلسفة أفلاطون اعتبر أرسطو الوريث الحقيقي لفلسفة أفلاطون بل وأكثر فهما لفلسفة أفلاطون من أفلاطون نفسه لما حققه بفضل هذا الوصل بين العالمين) هذا الحدس ليس بعيدا عن الوظيفة المتعالية للخطاطية أو Schematismus الذي يبالغ الناس في تصورهأمرا جديدا من ابداع كنط. فليس ذلك إلا وهما نتج عن التبسيطات التعليمية والافراط في المقابلات لتيسير الفهم بالتناظر المركز على الفروق بالمبالغة فيها من أجل التوضيح لا غير. فأرسطو هو أول من قال إن العقل لا يمكن أن يستغني عن شيء هو من جنس الخطاطة التصورية أو الصور التمثلية التي هي غير نسخة الشيء الباقية في الذاكرة والتخيل لأنها شرط الإدراك الحسي لا نتيجته.
وحتى ما يمكن أن ينسب إلى كنط من تميز في هذا فإنه مشكوك لما سنرى لاحقا. فالخطاطة التصورية التي يتحدث عنها كنط هي نموذح عمل العقل التصوري وليست النسخ الباقية في المخيلة من الشيء المدرك بوصفه عينا من التصور. وهذا بالضبط ما يعنيه أرسطو بالصور الخيالية التي لا يمكن للعقل أن يتسغني عنها في النظر وفي مرحلة الروية من العمل. فهو يقيس دورها على دور اليد في علاقتها بالآلات اليد التي يصفها بكونها نموذج الآلة وليست آلة إذ هي نموذج لكل آلة. لذلك سماها آلة الآلات. ودور الصور الخيالية التي يحتاج إليها العقل للادراكات هي عنده مثل دور اليد بالقياس إلى الآلات. إنها إذن من جنس الخطاطة التصورية أو على الأقل تقوم بدورها في نظرية المعرفة الأرسطية. وهي غير الحس المشترك بمعناه العادي لأن دورها ليس تحقيق شرط المقارنة بين المدارك الحسية العنصرية فحسب بل هي شرط المدارك الحسية العنصرية نفسها.
ذلك أن الخطاطة التصورية ليست شرط الربط بين الحدود التصورية كما هو شأن الحد الأوسط فحسب بل هي تربط بين الحدود التصورية ومضمونها كذلك. ومن ثم فهي ذات بعدين متعامدين: شرط الربط بين عناصر مفهوم التصور وأعراضه الذاتية في نظرية الحكم (التصديق ) لتحافظ على التوحيد بين الماهية والأعراض الذاتية وهذا من جنس دور المنطق العادي ثم شرط الربط بينها وبين الماصدق لتحقق المطابقة بين مفهوم التصور وماصدقه وهذا من جنس المنطق المتعالي بالمعنى الكنطي للكلمة لأنه يتعلق بصلة شكل التصور بمضمونه. ولما كان أرسطو يعتبر طلب الحد الأوسط متصلا دائما بدور الصور الخيالية التي أشرنا إلى وظيفتها صار أثر الحد الأوسط في العلم القديم والوسيط هو شرط الربط بين صورة القول ومادته وبين عناصر صورة القول ومن ثم فهو عين دور الخطاطة التصورية في المنطق عامة وفي المنطق الترنسندنتالي على وجه الخصوص: إنه يكون أنى يكون العقل عندما لا يكون في أحد عناصر المفهوم بل بينها أو في أحد عنصري الحكم ليصل بين الموضوع والمحمول. وطبعا فكل هذه العلاقات هي من اللطاقة والدقة بحيث يعسر فهمها إذا اقتصرنا على التبسيطات التدريسية التي نحتاج إليها لإفهام الطلبة خلال مراحل التعليم المبسط ولم ننشغل بالدقائق عند طلب الحقيقة العلمية في تاريخ المعرفة البشرية. لذلك فكثيرا ما يتحدث الناس عن قطائع وهمية بين النظريات التي يربط بينها خيط لطيف قد لا يراه من يعتبر شق الشعر النظري من الانشغال بما لا نفع فيه كما يغلب على فكرنا بعد أن حط الرحال في انحطاط المآل.
[xxxi] وهذه المقابلة هي أيضا مقابلة نسلم بها جدلا فقط لأنها مجرد مقابلة مدرسية لا تطابق تاريخ اللطائف الفكرية كما هي في الحقيقة التاريخية والتصورية. إنها غير صحيحة بمعيار المعرفة المتخلصة من التعميمات المدرسية. الفرق ليس هنا. فليس صحيحا أن الفلسفة القديمة والوسيطة كانت تتصور المعرفة منفعلة وبعدية وتعتبر الموضوع مقياس العلم وأن كنط هو الذي قلب العلاقة في ما يسمى بانقلاب كوبرنيكوس. فكنط نفسه يسلم بأن كل ممارسة نظرية لا تصبح علما إلا إذا حققت هذا الانقلاب ومن ثم فقد حصل الانقلاب في العلوم التي يريد كنط أن يحقق على منوالها انقلابه في الميتافيزيقا: مثل الرياضيات في العصر القديم والفيزياء والكيماء في العصر الكلاسيكي حسب تحليل كنط. ثم إن التمييز نفسه بين الذاتي والموضوعي المطلقين لم يكن أمرا موجودا ومن ثم فلا يمكن تصور مدخلي الفاعلية كما يعرض مدرسيا فضلا عن كون هذا التمييز قد بات من الأمور التي يسخر منها كل من له دراية بالثورة على هذه المقابلة في سعي الفلسفة لتجاوز النقد الكنطي المبني عليها. بل إن الفكر القديم والوسيط لم يكن يقبل حتى بالتمييز بين الكيفيات الأولية والكيفيات الثانوية. كان يميز بين ادراك الممرور أو السكران وادراك السوي أو الصاحي من أصحاب العقول. لكنه لم يكن يقول بمقابلة بين ما يعلمه النظر عندما يكون علميا وما عليه الأشياء في ذاتها خارج كل علم. فهذا من أوهام النقد الكنطي الذي تخلصت منه المثالية الألمانية بالافراط وما بعد الحداثة بالتفريط.
ولعل الفكر الديني هو الذي قارب مثل هذه الفكرة ولكن بمعنى المقابلة بين منزلة المعلوم في علمين من طبيعة مختلفة. فهو قد قال بأن الأشياء لها حقيقة في ذاتها خارج كل علم إنساني لكنه وضع أنها في العلم الألهي لا تختلف عن علمها. وتلك هي حجته الأساسية في الحاجة إلى النبوة التي تتوسط بين العلمين. والواقع أن كنط حتى وإن لم يصرح بذلك فإنه يستمد فكرته عن الفصل بين العالمين ( الشاهد الظاهراتي والغائب الباطناتي ) من هذا التصور الديني بدليل قوله بضرورة الحد من العلم افساحا للايمان في فاتحة طبعة النقد الثانية. لذلك فإن الفرق بين العصرين المتقدمين على كنط والعصرين اللاحقين هو ما يمكن أن يستمد من فكر ديني دهري أو طبعاني ينفي التواصل بين العلمين الربوبي المطلق والبشري النسبي استنادا إلى الفصل بين عالم الشهادة وعالم الغيب مع نفي النبوة والاستعاضة عنها بعبقرية الشاعر الموهوب. لكن الفكر القديم والوسيط غير الديني أو غير المستثني للغيب من العلم الإنساني كان يعتبر المفهومات القبلية والفاعلية موضوعية أو إن شئنا مطابقة للاشياء في ذاتها. أما في الفكر الحديث فإن النتيجة المنطقية للقبلية والفعلية قد كانت حصرهما في ما هو إضافي إلى الإنسان والتمييز بين الأشياء في علم الإنسان والأشياء في ذاتها. وهذا ايضا لم يدم طويلا بعد أن تخلى الفكر الحديث بسبب ثمرتي المثالية الألمانية إفراطا وتفريطا عن هذا الفرق واعتبار الشيء في ذاته من أوهام كنط مرجعا ما يتعالى على الظاهرات والعلية في النظر إلى الإرادة الإنسانية والحرية في العمل.
[xxxii] وفي الحقيقة فإن اللسان لا يقول شيئا عن الاشياء وليس له دلالة إلا في نظام التبادل الوسيط بين البشر من حيث التداول حول التبادلين الحيين والإشارة إلى عناصرهما إشارة لا يفهمها أحد من الرمز اللغوي لحاله بل من المصاحب الفعلي من التبادلين الحيين. فعندما يتبادل شخصان عملة فإن هذا التبادل يكون بين البشر في عملية التواصل حول التبادل الحقيقي بين البشر وما ترمز إليه العملات من مواد تؤكل أو تلبس أو تصنع إلخ... فلا يتم التفاهم إلا من خلال هذه الممارسات المصاحبة للتبادل الرمزي اللساني.
[xxxiii] وحاصل القول أن ظاهرة التشقيق اللغوي علتها حصر الفكر الفلسفي ثرثرات التفكيكيين وما بعد الحداثيين وأثر ذلك على حركة الترجمة إلى العربية. فالقول الفلسفي فقد الصلة بالعلم فصار عديم الحول الرمزي والقوة التقنية. وتلك هي العلة الحقيقية لنقمة أصحابه على النخب التي باتت سيدة حدي الابداع الإنساني المجردين ( الفني والعلمي ) وحديه المعينين ( التجربة الوجودية والتجربة العلمية ) لما لها من سلطان على أدوات الفعل الرمزي والمادي نظرا وتطبيقا ولاخراجها النخب المتفلسفة من دون ابداع فني أو علمي من اللعبة التاريخية الفعلية. فقد أفلس القول الفلسفي الذي تأدلج بسبب فقدانه الصلة الحية بهذه الينابيع الأربعة (الابداع الأدبي والتجربة الوجودية والابداع العلمي والتجربة العلمية) وبات افلاسه مصدرا لنقمة المتفلسفين الذين باتوا يصرفون فنا جديدا يأخذ من هذه الحدود الأربعة بطرف لينتجوا ما يتصورونه "ما بعد أدب" وهو في الحقيقة الأدب في أفسد معانيه كما عرفه نقاد العرب خلال انحطاط الابداع العربي. فهو ليس أدبا ولا علما ولا تجربة وجودية ولا تجربة علمية. وهذا أيضا مما نتصور فريق المجلة مدركا لمخاطره وساعيا لتجنبه.
ومن علامات افلاس الفكر الفلسفي الغربي المعاصر سوفسطائيته المحدثة التي حاولنا سابقا فحصها فبينا أنها التمهيد الفكري والتأسيس الضمني للمسيحية المتصهينة التي تمثل العمود الفقري للعولمة الأمريكية[xxxiii]. فمن دون التحقير من الينابيع الأربعة ومصدرها الرئيسي أعني الحياة في أجل معناها لاتمكن العودة إلى الدين التوراتي البدائي ليكون ماوراء بديلا من التطابق بين النوير العقلاني والتنوير الوجداني في الرسالة الخاتمة. أما بفضلها فإن الخطاب الفلسفي يصبح قابلا للاقتصار على التعالي السلبي خطابا يمهد الأرض لدين شعب الله المختار. وذلك هو في الغاية مصدر قبول عتاة الفكر الصهيوني الفرنسي بالتشقيق الهيدجري ذي التخريجات اللسانية التي طالما أشبعنا كراتيل أفلاطون منها "اسخورة".
كيف يمكن أن تبلغ السذاجة بالبعض إلى القبول بالسخافة القائلة إن معاني الوجود التي من المفروض أن تكون بعدد التجارب البشرية التي لا تكاد تتناهي – تسليما بأن منارة كشف هذه المعاني هي الدازاين- قد انحصرت في ما يسميه هيدجر مصير الغرب حسب تخريجاته اللسانية المستندة إلى فقه اللغة التحكمي التي يطبقها على الغة اليونانية خلال نقله إياها إلى اللغة الألمانية فيصبح طلب نظائر لبعض التعامقات الاشتقاقية والجناسات اللفظية غاية جهد المترجمين العرب الفكري الذي غالبا ما يكون بعد المرور بالغربال الفرنسية أو الإنجليزية علنا أو سرا¿
أليست أهم أسباب عقم فكرنا العربي المعاصر هو كونه لم يتخلص بعد من هذا الهاجس حتى عند من لم يمارس الترجمة وحصر الفكر في بعض التفريعات اللغوية ( مثل أصحاب المشروعات من مفكري المغرب العربي ) التفريعات التي هي دون المعاني الاشتقاقية في صرف أي لغة مهما كانت بدائية. ذلك أن الصيغ الفعلية العربية مثلا تتضمن كل أفعال القول التي نسبتها إلى أجناس وظائف الفعل مناظرة لنسبة أجناس وظائف الإسم وأجناس وظائف الحرف وأجناس وظائف أسم الصوت وأجناس وظائف أسم الفعل كما بينا في كتاب الشعر المطلق والاعجاز القرآني: وكلها معان لا بد أن تكون قد كانت غائبة عن بال المترجمين إذ يستنقصون من شأن اللسان العربي لتزكية جهدهم الترجماني في محاولة تعويض عمق المعاني بعجمة المباني.
وإذا كان التشقيق اللساني زبد الفكر المتفاني فإنه قد يناسب صالونات العاطلين من أكاديميي الأمم الباذخة الذين فقدوا وظيفتهم في فعاليات العمران الغربي بسبب انتقال السلطان من رجال الدين وورثتهم من الفلاسفة إلى الأدباء والعلماء وكل المبدعين من خلال العيش الفعلي للتجربة الوجودية والعلمية الحيتين فإنه لا يمكن أن يحقق ما نصبو إليه من فكر فلسفي عربي نريده مسهما في النهضة اسهام فكر الغرب الفلسفي عندما كان ذا صلة بهذه الينابيع أعني قبل انحطاط الفكر الديني والفلسفي الذي ورثه بعد الإصلاح في الحضارة الغربية. لا بد من فكر في العلوم ذات العمود الفقري ( الطبيعية والإنسانية وتطبيقاتهما على العمران البشري والاجتماع الإنساني ) وفي الفنون ذات الأثر الوجداني فكر يناظر الفكر الذي حقق النهضات عند الغرب قبل وصوله إلى ترف التشقيق اللساني وتخريف علم الكلام المتنكر في ما يشبه الخطاب الوجداني والعودة بالفكر الإنساني إلى بنى اللسان اليوناني والجرماني اللذين يتصورهما هيدجر ومدرسته غاية البيان والعرفان.


كل الحقوق محفوظة لموقع فلسفة 2017/2004

لا تعبر الآراء الواردة في موقع فلسفة إلا عن وجهة نظر كاتبيها