الرئيسية» الرئيسية دفتر الزوار»دفتر الزوار راسلنا»راسلنا شروط»اتفاقية الاستخدام
تويتر فايسبوك
مدير الموقع
موقع فلسفة
لايستهدف جلب الأنصار و إنما تكوين أناس أحرار

موقع فلسفة
قائمة المحتويات
بكالوريا 2017

فلسفة

 
www.000webhost.com

موقع فلسفة موقع خدمي يسعى إلى تقديم نوع من الخدمة المعرفية ، و هو موقع معني بالفلسفة ، وبالاهتمام بالفلسفة بالمعنى العام للكلمة و يتشرف باستقبال كل موضوع ينسجم مع هذه المرجعية و يتم قبول الموضوعات التي ترد إلى الموقع وفقاً لسياسات موضوعية و منهجية معينة من بينها: المحتوى والحجم ، وكذلك مستوى الموضوع ، و الطبيعة الأساسية للموقع . وبعد حصول الموضوع على الموافقة ،يتم إدراجه في الموقع .

هـُنـَا تـُـقـْـبَـلُ أرَاءُ كُمْ النِيّرَة وَ مَوْضُوعَاتُـكُمْ المُـفِيدَة
*** وجهة نظر *** دورية تصدر عن موقع فلسفة/ جميع حقوق الموقع محفوظة،© موقع فلسفة 2016/2004 - ع.فورار
لا تعبر الآراء الواردة في المقالات المنشورة إلا عن وجهة نظر كاتبيها
الميتافيزيقيا الاسماعيلية وقدرها / د.حسين الهنداوي

في حوالي العام 765 الميلادي (145 الهجري) وفي ذروة القمع العباسي للحركة السياسية المعارضة¡ الشيعية أساساً¡ اثر فشل ثورة لها في المدينة ضد ابي جعفر المنصور قادها وقتل فيها بعد ثلاثة ايام من الدفاع محمد بن عبد الله بن الحسن بن علي ابن ابي طالب¡ الملقب بـ "ذو النفس الزكية"¡ واضطرار اكثرية قادتها الباقين على التخفي¡ انشقت هذه الحركة عمودياً الى طائفتين رئيسيتين عرفتا في ما بعد باسمي "الاسماعيلية" و"الاثني عشرية". هذا الانشقاق المؤسس في البدء على اختلاف في تسمية الامام السابع للحركة¡ ما لبث ان تجذر ليشمل كل المجالات الاخرى بما فيها العقائدية او المذهبية.
وعلى العكس من المذهب "الاثني عشري" الذي ركز نسبياً على الاهتمام بآنذاك بديناميته الخاصة مدشناً تقليداً ملتزماً ومحافظاً ضمن وحدته الداخلية لا يزال مستمراً لحد اليوم الى هذا الحد او ذاك¡ اعتنق التيار الاسماعيلي سريعاً حالة من الانفتاح الحيوي على الثقافات والامم الاخرى غير العربية وغير الاسلامية في سعيه السياسي لحماية نفسه. الامر الذي منحه طاقة كبيرة انعكست على حركته اللاحقة سياسياً وفكرياً كما قادت الى تشظيه وانطوائيته في فترات تالية. فعلى الصعيد السياسي افلحت الاسماعيلية في اقامة امبراطورية اسلامية قوية تحت قيادتها هي الدولة الفاطمية التي استمرت لأكثر من قرنين من الزمن¡ ما بين عامي 969 و 1171م¡ اضافة الى عدد من الدول المهمة الاصغر حجماً كالادريسية في المغرب والقرمطية في البحرين والبابكية في اذربيجان وغيرها بغض النظر عن خروجها عن الاصول الفقهية للتيار.
اما فكرياً¡ فمن المؤكد ان تطور الفلسفة الاسلامية مدين بالكثير لهذا التيار بغض النظر عن امكانية او مصداقية الاثبات الجازم¡ كما يدعيه الاسماعيليين ويرفضه غيرهم¡ بانتماء اخوان الصفا والفارابي وابن سينا اليهم. وعلى أية حال فان الفلاسفة الاسماعليين صراحة¡ كالسجستاني وناصر خسرو وأبي حاتم الرازي والكرماني مثلاً¡ هم من كبار المفكرين المسلمين بلا أدنى شك. فبفضل هؤلاء والكثير سواهم امتلكت الاسماعيلية خزيناً مهماً من المفاهيم العرفانية الخاصة بها صار يعرف اكثر تحت تسمية "الغنوصية Gnosticism"¡ وهي مجموعة تصوراتهم الغيبية. لكن وقبل الانتقال الى تلمس بعض هذه المفاهيم واصولها¡ من الضروري ان نلاحظ ان التطور الفكري للحركة يتموضع اساساً في فترة عملها في المعارضة. كما لو ان وجودها في السلطة ارغمها دائماً على الانصراف الكلي لحماية الاخيرة¡ والركون الى الحذر العقائدي والعصبوية مع كل ما يترتب عن ذلك من جدب وتقهقر على شتى الاصعدة.
مهما يكن الامر¡ ومنذ فترة تبلوراتها الاولى¡ اثارت بعض المفاهيم العرفانية الاسماعيلية جدلاً عنيفاً في تاريخ العقائد الاسلامية¡ نجد اصداءه في عدد كبير من المؤلفات الفقهية والفكرية والتاريخية لخصومهم عامة. ولعل كتاب "فضائح الباطنية" للغزالي تضمن بعض اعنف الهجمات على التصورات الاسماعيلية. حيث ذهب اكثر من غيره في اعطاء صورة شوهاء عنها بأكملها¡ بل ذهب الى حد تكفيرها جملة ناسباً اليها على وجه التعميم افكاراً قالها بعض "غلاة" الاسماعيليين وحدهم كالخطابية والمعمرية والجناحية والبيانية بشكل خاص¡ واخرى لم يقلها احد منهم بتاتاً ربما. فالمعروف ان الغزالي¡ ودون الانتقاص من عبقريته الفلسفية¡ كان واحداً من كبار ممثلي التيار المحافظ. وعلى اية حال فهو لم يؤلف هذا الكتاب الا تلبية لطلب الخليفة العباسي "المستظهر" بهدف استخدامه غطاء لقمع المعارضة السياسية ضده.
وفي الواقع ان العرفانية الاسماعيلية الرئيسية كانت في نشأتها اسلامية تماماً نظراً لانها لم تقل بما يتضارب مع جوهر واركان العقيدة القرآنية¡ كما تثبت ذلك نصوصها الاسلامية ذاتها. الا ان التطور اللاحق الذي حققته على الصعيد الفلسفي جعل نظريتها الاسلامية الخالصة في البدء¡ تنفتح¡ بالنسبة لعدد من تياراتها في الاقل¡ على عناصر مستلهمة من الفكر الاغريقي تارة ومن الفكر الايراني القديم وغيره تارة اخرى على الرغم من الروح الاسلامية الواضحة التي حرصت على اضفائها على تلك العناصر.
بلا شك ان المدارس الفكرية الاخرى التي نشأت بعد قرون على ظهور الاسلام لم تسلم هي ايضاً من التأثيرات الثقافية الاجنبية المختلفة¡ يونانية او ايرانية او مسيحية. لكن ما يميز الاسماعيلية هو سعة وعمق استقبالها لتلك التأثيرات بفضل الحرية الكبيرة التي سمح بها اضطرارها على العمل السرّي كحركة دينية سياسية مضطهدة¡ وتشريعها¡ بموجب مبدأ البحث عن الحقيقة¡ تفسيراً رمزياً للنص القرآني يعرف بـ "تأويل الباطن"¡ اشتقت منه فيما بعد تسمية "الباطنية" التي غدت احياناً تطلق جزافا على الاسماعيليين كافة من قبل الجماعات السلفية¡ ذلك لانهم طوروا¡ الى جانب المعنى الظاهري للقرآن والسنة النبوية¡ معنى آخر رمزياً وخفياً للعقيدة لا يكشفون عنه لغيرهم.
صحيح تماماً ان مفهوم التأويل هذا ليس من ابتكارهم في الاصل كما لم يكن حكراً عليهم¡ ما دمنا نعرف ان منبعه الاول يعود الى الآية القرآنية الكريمة "وما يعلم تأويله الا الله والراسخون في العلم" كما جاء في سورة "آل عمران"¡ والتي استند اليها المتصوفة في بلورة نظريتهم المعرفية القائمة على مبدأ الكشف بدون واسطة والقائل بان الله "يظهر بهم ما لم يظهره لأحد من العالمين" كما يرى الصوفي ذو النون المصري. لكن الاسماعيليين تبنوا التأويل الشامل للنص القرآني على اساس نظرية دينية فلسفية¡ تتلخص في ان الله جعل كل معاني الدين في الموجودات المحيطة بالانسان¡ ولذلك ينبغي ان لا تؤخذ النصوص المقدسة على معناها الظاهر فقط انما ايضاً ان نكتشف ما يدل عليه ذلك الظاهر من معان باطنية. وقد دافعوا عن وجوب التأويل بالقول ان الآيات القرآنية باعتبارها كلام الله هي كنوز عظيمة من الايحاءات الرمزية ينبغي استنباط دلالالتها الفعلية. وبما ان الكشف دون واسطة فكرة مرفوضة لديهم¡ فلابد اذن ان يتم بواسطة "فوق بشرية" قالوا انها النبي أولاً وبعده الآئمة ثم الأولياء من ذريتهم. لكنهم امتنعوا غالباً عن اعلان استنتاجاتهم التأويلية تلك مفضلين مد تكتمهم السياسي الى معارفهم الدينية أيضاً.
هذا المنهج خلق صعوبة كبرى امام المؤرخ القديم¡ حتى المسلم¡ الساعي الى معرفة ماهية المنظورات الاسماعيلية لاسيما الميتافيزيقية منها. لكن الباحث الحديث يصطدم اضافة الى ذلك بمشكلة انعدام المصادر الكفيلة بتقديم فهم كامل وتفصيلي عن افكارهم الجوهرية. فرغم وجود معلومات كافية عن اسماء المؤلفات الاسماعيلية الرئيسية في الفلسفة¡ لا زال معظمها مفقوداً لحد الآن بفعل ضياعه مع مرور الزمن والاحداث السياسية منذ سقوط الدولة الفاطمية في مصر.
غير ان العثور مؤخراً على وثائق ومخطوطات جديدة في الارشيف القبطي في "نجع حمادي" بمصر فتح المجال من جديد حول امكانية تكوين صورة متكاملة نسبياً عنها مع ان هذه الوثائق تظل ضئيلة نسبياً مقارنة مع الكم الكبير للمؤلفات الاسماعيلية التي اشارت لها المصادر التاريخية. ولعل كتاب "الزمان الدوري والغنوصية الاسماعيلية" للمستشرق الفرنسي هنري كوربان هو اهم دراسة ظهرت لحد الآن اعتماداً على المخطوطات المعثور عليها تلك¡ على الرغم من اقتصاره على تناول جانب واحد من الجوانب المركزية في الميتافيزيقيا الاسماعيلية ونعني به الزمان المطلق والذي سنتعرض له بعد قليل من جهة التأثيرات الاجنبية على فكرتهم عنه.
اما المسألة الأولى التي تبدو فيها تلك التأثيرات على نظريتهم الميتافيزيقية فهي فكرتهم عن الله. فهذه فكرة اسلامية في الجوهر¡ الا ان صياغتها الفلسفية تقوم على القول بأن الله يستعلي على مراتب الوجود كلها كمالاً ونقصاناً¡ ووحدة وكثرة. اي انه مبدع الوجود بطريقة الأمر بالكلمة "كن فيكون"¡ وعن طريق ذلك ابدع في الوجود كل ما هو موجود¡ واول ما ابدع موجوداً اول ترتب عنه وجود ما سواه من الموجودات. لكن الله وحده مبدع الموجودات وعلة وجودها الاولى.
ويدافع الاسماعيليون عن مفهوم خاص بهم يرى ان الله "لا يمكن ان يكون ليساً ولا ايساً"¡ اي انه لا يصح ان يكون غير موجود ولا ان يكون موجوداً من نوع الموجودات التي وجدت عنه. فالله اذن هو اول الموجودات لكنه ليس كالموجودات لانه "ليس كمثله شيء" كما تقول الآية الكريمة. ورغم توافق هذه التحديدات مع العقيدة الاسلامية فان التأثير الاغريقي حاضر فيها اذ تنطوي على بعض هموم فلسفية افلاطونية وافلوطينية خصوصاً. الا ان التأثير الفيثاغوري يبدو جلياً في تقديسهم للاعداد لاسيما العدد سبعة¡ الذي صاروا يسمون بـ"السبعية" بفضله¡ حيث جعلوه معيارهم في تصنيف مراتب العوالم الغيبية والافلاك والانبياء والآئمة والى غير ذلك.
وتأثرت العرفانية الاسماعيلية أيضاً بالغنوصيات الايرانية والمسيحية التي عرفت في العالم الاسلامي آنذاك. وبالطبع فان هذا الاستنتاج وسابقه فيما يتعلق بالغنوصية الاغريقية¡ لا يقودنا مطلقاً الى الغاء الاصالة الخاصة بها¡ والشروط المستقلة لظهورها. فالقضية ليست مجرد تقليد او استنساخ¡ انما محض تفاعل له اسبابه الموضوعية وضروراته التاريخية.
ونستطيع ان نضيف استنتاجاً آخر هو ان جميع التيارات الغنوصية الشرقية والغربية لم تتردد في تبادل التأثير والاخذ ضمن حركة التفاعل الطبيعية بينها كتيارات فكرية وروحانية متقاربة الى هذا الحد او ذاك في الاتجاه والصيرورة. اذ من الثابت مثلاً ان الغنوصية المسيحية في المرحلة الاولى من ظهورها¡ تأثرت الى حد مهم بالغنوصية المزدكية والمانوية واخذت منها الكثير من مادتها. فمن الجوانب التي تبدو فيها استفادة العرفانية الاسماعيلية من مثيلاتها المزدكية والمسيحية واضحة هو موضوع الازمنة الكونية. وهذا الموضوع اخذ اهمية مركزية في كتابات هنري كوربان لاسيما كتابه المذكور اعلاه والذي نعتمده اساساً في ملاحظاتنا التالية.
تقوم النظرية الكونية في الديانة المزدكية على جملة من العقائد التي تتكون منها قصة هرمز واهريمان والصراع بينهما. الاول يمثل له النور المطلق والاخر يمثل الظلمات. ومع هذا الصراع تبدأ الحركة وبالتالي يبدأ الزمان. لكن هذه التصورات تظل ناقصة في الكشف عن تعقيدات هذه العملية التي بدون فهمها يصعب فهم جوهر الفلسفة الكونية للمزدكية وللزرادشتية كذلك. ففي كتاب يعود الى القرن السادس الميلادي¡ مدون باللغة الفهلوية الايرانية¡ ومتخصص بالمعتقدات المزدكية¡ هناك عدد من الاسئلة نجد منها:
"من انا والى أي شيء انتمي¿
من اين جئت والى اين اؤوب¿
ما هو موقعي في العالم الدنيوي¿
هل انا من العالم السماوي ام من العالم الارضي¿
هل انتمي الى هرمز ام الى اهريمان¿
الى الملائكة ام الى الشياطين¿...".
اما الاجوبة التي يقدمها الكتاب على سلسلة الاسئلة تلك فهي كما يلي دفعة واحدة:
"جئت من العالم السماوي واعود اليه¡ وليس في العالم الارضي بدأت وانتهي. كنت في البداية روحاً¡ ليس لها أي أصل ارضي. لذا فأنا انتمي الى روح النور والخير والصفاء: هرمز¡ واناقض روح الشر: اهريمان الذي سينتهي من الوجود في آخر الزمان...".
هذه الاسئلة والاجوبة على بساطتها¡ هي صياغات حاسمة جداً في المخطط الكوني للمزدكية. والمهم هنا انها تخبر بوجود سابق على الوجود الارضي ومفارق له. وتشير الى ان بداية حياة الانسان على الارض ليست بداية وجوده ولا نهايته. لأن الانسان "يجيء من السماء روحاً" عند ولادته الجسدية ككائن ارضي ثم يعود الى السماء "روحاً" بعد موت جسده الارضي.
فالموت والولادة حدثان¡ محض حدثين¡ عديما الاهمية. وهذا يعني انهما لا يمثلان لحظتين جوهريتين في الزمان المطلق. ووفقاً لذلك¡ تصبح مصطلحات "الماضي" و"الحاضر" و"المستقبل"¡ كلمات لا قيمة اساسية لها. اما الزمان فيأخذ صيغة المطلق بالنسبة لهرمز. بالمقابل¡ ان الصيرورة الارضية لها زماناتها الخاصة التي تأخذ شكل ازمنة دورية داخل الزمان المطلق نفسه. فما دامت للحياة الارضية بداية ونهاية¡ وما دامت هناك عملية مجيء وعودة¡ نزول وصعود من والى العالم السماوي¡ عالم الزمان المطلق¡ يترتب اذن بالضرورة ان الزمان الدوري حادث داخل الزمان المطلق.
وبكلمة أخرى¡ تقسم النظرية الكونية المزدكية الزمان الى اثنين: "زمان مطلق" بلا حدود ولا بداية ونهاية¡ و"زمان متناهي" اي محدود باستمرارية قد تكون طويلة الا انها متناهية. واذا كان الزمان المطلق الازلي واحداً ويتجسد في النور ورمزه هرمز¡ فان الزمان المتناهي متعدد¡ وموجود على شكل دورات او ادوار متعاقبة هي انعكاس وتجسيد لافعال هرمز ذاته¡ تتوالي في حلقاته تتابعية مطبوعة كل واحدة منها بفعل كوني داخلي لا تأثير له على سيرورة واستمرارية ومطلقية الزمان الازلي. بمعنى آخر انها انعكاسات لصورة الزمان المطلق في تطورات سيرورته المذكورة منذ ان قام هرمز بخلق اهريمان. والزمان المطلق في المزدكية هو هرمز الخالق نفسه. وهذا الامر يؤكده نص زرادشتي بشكل جلي حيث نجد فيه ما يلي: "كل شيء مخلوق باستثناء الزمان المطلق. فالزمان المطلق هو الخالق".
اذن فالزمان المطلق هو النور والحركة وهرمز معاً وفي نفس الوقت وهو موجود كروح واحدة ازلية خارج العالم الارضي. في حين ان الزمان المتناهي هو من خلق هرمز وحالة من حالاته¡ اي من خلق الزمان المطلق. لهذا تؤكد الزرادشتية ان الزمان المتناهي لا معنى له ولا قيمة الا بالقدر الذي يستمدهما - المعنى والقيمة - من الزمان المطلق باعتبارهما تجسيده الدوري في الحياة الارضية. فالتغيرات التي تحدث على العالم الارضي هي تغيرات قادمة من السماء. اما سببيتها¡ فتراها المزدكية والزرادشتية معاً في الفكرة التالية: ان هرمز عندما خلق العالم الارضي اراد رفعه الى عالم النور. لكن اهريمان اله الظلمات¡ الموجود كمعادل او نقيض لهرمز¡ سارع الى نشر ظلماته على العالم الارضي. ولهذا فان هرمز يسعى دائماً الى اعادة نوره الى العالم الانساني. وهذا الامر يتطلب عدة دورات زمنية تنتهي في آخر المطاف بانتصار هرمز واندحار اهريمان.
على هذا التصور الجوهري للزمان المطلق والزمان المتناهي تقوم جميع التفاصيل الاخرى الخاصة بالمنظور الكوني للمزدكية. وهذا المنظور ترك تأثيرات كبيرة على مجمل التيارات الدينية التي احتكت به المسيحية منها او الاسلامية¡ لكن الاسماعيلية هي الاكثر تأثراً كما يرى كوربان.
فمن جانب¡ تقوم النظرية الكونية الاسماعيلية على فكرة الكشف بواسطة "الأئمة العارفين". وهذا الكشف له طابع غائي يشبه الى حد كبير حسب هنري كوربان غائية النظرية الكونية المزدكية. لكن وبينما ينتهي الزمان الارضي في الاسماعيلية بقيام القيامة وانتهاء الشر والظلام وسيادة المعرفة الالهية بشكل يؤدي حتمياً الى انتقال الانسان الى العالم الالهي السماوي¡ تقول المزدكية هي الاخرى بانتهاء الزمان او العالم الارضي باندحار اهريمان وانتقال العالم الانساني الى السماء والعودة الى هرمز. وهذا يعني انها ترى هي ايضاً وجود زمانين¡ مطلق ومتناهي. فالزمان الالهي هو زمان مطلق¡ وهذه مسألة يؤكدها الاسلام والنص القرآني بشكل واضح ويتفق عليها جميع المفكرين المسلمين: الله موجود منذ الازل وباق خارج أي نهاية او بداية لا أول له ولا آخر. اما الزمان المتناهي¡ فتقول النظرية الاسماعيلية¡ الوجودية- المعرفية¡ بسبعة دورات زمانية تتوافق مع فكرة الأئمة السبعة.
وعلاوة على الغائية والتقسيم الزماني¡ تتقارب العرفانية الاسماعيلية مع الغنوصية المزدكية حول فكرة التجليات الالهية. اذ كما يتجلى هرمز في العالم الارضي عبر النور¡ الذي هو المعرفة¡ وكما تتطور هذه انعكاساً لتطور التجلي الالهي حتى تحقيق الغاية النهائية¡ فان العرفانية الاسماعيلية تقول هي ايضاً بفكرة التجلي الالهي في العالم الارضي عبر الأئمة. وهي فكرة تعني فلسفياً ان الله هو العقل الكلي¡ وان هذا الاخير موجود في العالم العلوي. والعقل الكلي هو العقل الاول والكامل بالفعل. وانه يبدع بطريقة الارادة التي بها ابدع النفس الاولى (الملائكة) في العالم العلوي. اما في العالم الارضي فقد ابدع العقل الشخصاني والنفس الشخصانية. والعقل الشخصاني عقل أول وكامل وهو النبي. اما النفس الشخصانية فهو الامام. وهذا متجه نحو الكمال الذي يحققه يوم القيامة. وهكذا وبتحقق الكمال يظهر الامام وينتهي العالم الارضي صائراً الى العالم السماوي. اما نفوس البشر فهي جميعاً نفوس شخصانية لكن لا تتجه نحو الكمال بارشاد الهي مباشر انما بارشاد النبي او الامام. فالدورات الزمنية في الاسماعيلية هي اذن ادوات الحركة باتجاه الكمال المعرفي كما ان الدورات الزمانية في المزدكية ادوات الحركة نحو النور او المعرفة.
هذا الاطار العام للتناظر يبدو واضحاً جداً في كتابات كبار مفكري الاسماعيلية وفلاسفتها كأبي حاتم الرازي وناصر خسرو وغيرهم. ولعل كون العرفانية الاسماعيلية تبلورت بشكل بدئي على يد مفكرين ذوي ثقافة ايرانية عميقة¡ يفسر بشكل كبير سبب ذلك ومصدره. اما بعدئذ فان ابتعاد الاسماعليين عن الثقافة الايرانية وتمحورها حول الدعوة الفاطمية المتجهة للتركيز على السياسة والسلطة¡ ادى الى تخليها عن الافكار ذات التأثيرات الغنوصية المزدكية. لكنها عادت الى تمثل بعض الافكار الكونية المزدكية بعد سقوط الدولة الفاطمية والعودة مع حسن الصباح الى ايران. ومع ذلك فان هذا التمثل ظل في اطار العقيدة الاسلامية الجوهرية بشكل جلي وعن وعي ملموس.
من جهة اخرى¡ ان تلك التماثلات سارت بموازاة مشابهات مثيرة بين افكار ومعطيات معرفية اسماعيلية واخرى مسيحية. لكن يجب التحديد قبل كل شيء ان المسيحية المقصودة هنا هي ليست المسيحية الرسمية التي تطورت وهذبت وحددت بدقة من قبل الكنيسة عبر العصور. انما المسيحية الاولى والمعتقدات الخاصة بالفرق المنشقة في القرون العليا من العصر الوسيط. اي تلك الفروق والكتابات والافكار -الشرقية بمعظمها- التي يسميها المسيحيون اليوم "هرطقة" او "منحولة" وتعتمدها فرق غنوصية تشبه في موقعها موقع "الغلاة".
لقد اشار القرآن بوضوح الى ان التماثل والتقارب في الافكار الاسلامية والمسيحية تعود الى وحدانية المصدر الالهي للقرآن والانجيل قبل ان يتعرض الانجيل والتوراة للتحريف على يد اليهود والمسيحيين. هذا التأكيد يحل كافة الاشكالات ويجيب على جميع الاسئلة المتعلقة بذلك التماثل. لكن الامر لا يتحقق هنا بالنصوص المقدسة ذاتها¡ انما بجملة من التصورات الثانوية او الداخلية التي لا نجدها في العقيدتين الاسلامية والمسيحية الرسميتين¡ بل لدى الفرق الخارجة على التيار السلفي في الجانبين. ونستطيع القول انطلاقاً من ذلك ان العرفانية الاسماعيلية بلورت الى هذا الحد او ذاك تصورات مماثلة لتلك التي بلورتها العرفانية المسيحية "المنشقة"¡ مكيفة اياها بشكل ينسجم مع مجمل المظهر الخاص ببنيتها العقائدية الاسلامية.
ومن المحتمل جداً ان التأثير الذي لعبته الغنوصية المسيحية على العرفانية الاسماعيلية مر عبر قناتين. الاولى هي النصوص¡ اذ يلاحظ كوربان مثلاً ان لدى بعض كتاب ومؤرخي الاسماعيلية معرفة مثيرة بنصوص طويلة من الاناجيل يوردونها في مجرى تحليلاتهم ورواياتهم المختلفة مما يؤكد اطلاعهم المباشر على الكتاب المسيحي المقدس. لكن هذا الاطلاع لا يبدو مقتصراً على هذا الكتاب وحده انما يحتمل جداً ان تكون بعض الكتب والنصوص المسيحية "المزورة" و"المنتحلة" قد وقعت بايديهم. وفي هذه بالذات توجد معظم افكار الغنوصية المسيحية. فالسجستاني مثلاً يورد نصوصاً من انجيل القديس متي¡ في استشهاداته عارضاً في نفس الوقت بعض التغيرات التي نجدها لدى فرق مسيحية غنوصية. اما القناة الثانية فيبدو ان النخبة الفكرية الاسماعيلية لم تكن مغلقة امام امكانية تسلل من يحمل بعض الافكار الفلسفية المسيحية والزرادشتية الى صفوفها. فوجود هؤلاء كان بلا شك مصدر بث بعض افكار غير اسلامية الاصل ما لبثت ان تكيفت واعتمدت من قبل الميتافيزيقيا الاسماعيلية بعد اعطائها الاطر الرمزية الملائمة.
اما تلك التصورات والافكار فنذكر منها التشابه في القول بنوع من الحلولية وإن جزئياً. ففي احد النصوص المحسوبة ضمن مجمعة الكتابات المسيحية "المزورة" المنتشرة بشكل واسع في اوساط المسيحية الشرقية المنشقة¡ هناك نص يشير الى ان القديسين بطرس وجاك كانا يتمتعان بمنزلة خاصة لدى الله الذي يزعمون انه كان يغمرهم دون سواهم من البشر بنور سماوي شديد السمو والبهاء. هذه الحالة من العلاقة الالهية مع القديسين والخاصة بتلك الفرق المسيحية¡ نجدها بشكل كبير لدى الاسماعيلية فيما يتعلق بالآئمة السبعة خاصة وورثتهم ايضاً. فهم عموماً يشبّهون الامام بالسيد المسيح لدى المسيحيين باعتباره مصدر المعرفة¡ اي ان معرفته ليست مكتسبة بل هي معرفة من الله مباشرة. وتمتد التشابهات الى الكثير من الرموز والافكار كتوافق المسيح الازلي مع فكرة الامام الازلي¡ وفكرة عصمة الامام¡ والمماثلة في تقديس مريم العذراء وفاطمة الزهراء.
بعد كل ما تقدم¡ يصبح من المحتمل جداً ان تكون الميتافيزيقا الاسماعيلية قد تأثرت فعلاً ببعض التراث الغنوصي السابق عليها كالايراني او اليوناني او المسيحي بالقدر الذي سمح به المحيط الذي ولدت وترعرت فيه. بيد ان المعطيات المتوفرة حالياً لا تسمح بعقد مقارنة شاملة وحاسمة تعيد ترتيب العلاقة الحقيقية التي ربطتها بما سبقها من غنوصيات. فالوثائق المكتشفة لحد الآن تحتاج الى دراسة جدية وشاملة لانجاز ذلك. ولكن من الممكن القول مع ذلك بحتمية وجود علاقة تأثير قوية.
وبالطبع مما يستحق الاسف الشديد ضعف الاهتمام في الشرق كما في الغرب بفهم التماثل الروحاني بين التيارات العرفانية المختلفة لاسيما من قبل مؤسسات المذاهب السائدة او الرسمية باستثناء تكريس الجهل والتشويه وتعميق المواقف السلبية التي هيمنت لحد الآن منها. والحال ان الميتافيزيقيا الاسماعيلية وكل ميتافيزيقيا¡ هي بنية لا تعرف حدوداً عقائدية تتحصن بها¡ وبالتالي فهي تظل حرة بل تزداد حيوية في هذا الاتجاه بفعل واقع تناقضاتها الخارجية والداخلية.
لكن وعندما نقول ان الميتافيزيقيا الاسماعيلية بوجه خاص استفادت من الغنوصيات القديمة¡ فان هذا لا يعني بتاتاً اننا نستطيع ان نتعامل معها كمجرد امتداد لتلك الغنوصيات انما ظلت بنية متميزة ومستقلة¡ تسلك طريقاً خاصاً بها وحدها جديداً كلياً بل ومتجدداً عبر استلهامها بثقة مذهلة ما تراه هي مناسباً لها ورافضة ما لا تراه كذلك. فمهما قيل يظل الاساس المركزي للميتافيزيقيا الاسماعيلية اسلامياً ما دامت تسعى هي نفسها وباصرار على صيانة ذلك. كما ان نظرية الكشف لديها هي نظرية الكشف القرآنية ذاتها على وجه التحديد مع تحليقات واضافات تسمح بها او تقتضيها الى هذا الحد او ذاك¡ سواء على صعيد الاشخاص او الاحداث او الرموز لاسيما في الجوانب التي هي في جوهرها ليست حصراً على الاسلام بصفته ديانة تحقق ولادتها ونموها في عالم التنزيل. ذلك لأن العرفانية الاسماعيلية¡ كغيرها¡ تتحقق وتنمو في عالم التأويل اساساً في نفس الوقت الذي تحرص فيه ان تتوافق مبدئياً مع عالم التنزيل.
وهكذا فعلى صعيد نظريتها الكونية¡ كان طبيعياً ان تستلهم العرفانية الاسماعيلية عناصر كثيرة من المانوية ومن المسيحية في محاولتها اعادة بناء بنيتها وتطويرها والاضافة اليها على اساسها الاسلامي الخاص. واذا كانت قد خالفت التقليد الاسلامي احياناً¡ فان هذه المخالفة تظل بالنسبة لها ظاهرية وحسب.
لكن الميتافيزيقيا الاسماعيلية لم تلبث كما نعتقد ان تخلّت لاحقاً عن حريتها الاولى وانفتاحها البدئي والاستعاضة عنه بنزعة مفرطة المحافظة والانغلاق في سعيها لحماية نفسها ضد التهديدات الخارجية التي راحت تحدق بها منذ سقوط¡ او بالاحرى قيام¡ الدولة الفاطمية في مصر. الامر الذي فرض تحولها الى منظومة عقائدية صارمة لا تختلف في روحيتها عن السلفيات الدينية الاخرى الا ظاهرياً¡ وهو ما يفسر تشتتها الى فرق لا تولد الا للانطواء على نفسها ضمن اطر وهرميات راحت تضيق اكثر فاكثر في حين كانت اولوية الهم الكوني منبع طاقاتها الهائلة من قبل.


كل الحقوق محفوظة لموقع فلسفة 2017/2004

لا تعبر الآراء الواردة في موقع فلسفة إلا عن وجهة نظر كاتبيها