الرئيسية» الرئيسية دفتر الزوار»دفتر الزوار راسلنا»راسلنا شروط»اتفاقية الاستخدام
تويتر فايسبوك
مدير الموقع
موقع فلسفة
لايستهدف جلب الأنصار و إنما تكوين أناس أحرار

موقع فلسفة
قائمة المحتويات
بكالوريا 2017

فلسفة

 
www.000webhost.com

موقع فلسفة موقع خدمي يسعى إلى تقديم نوع من الخدمة المعرفية ، و هو موقع معني بالفلسفة ، وبالاهتمام بالفلسفة بالمعنى العام للكلمة و يتشرف باستقبال كل موضوع ينسجم مع هذه المرجعية و يتم قبول الموضوعات التي ترد إلى الموقع وفقاً لسياسات موضوعية و منهجية معينة من بينها: المحتوى والحجم ، وكذلك مستوى الموضوع ، و الطبيعة الأساسية للموقع . وبعد حصول الموضوع على الموافقة ،يتم إدراجه في الموقع .

هـُنـَا تـُـقـْـبَـلُ أرَاءُ كُمْ النِيّرَة وَ مَوْضُوعَاتُـكُمْ المُـفِيدَة
*** وجهة نظر *** دورية تصدر عن موقع فلسفة/ جميع حقوق الموقع محفوظة،© موقع فلسفة 2017/2004 - ع.فورار
لا تعبر الآراء الواردة في المقالات المنشورة إلا عن وجهة نظر كاتبيها
الخيال و اللغة و التصوف / علي محمد اليوسف *

الوعي ذات إدراكية انفعالية ناقدة في فهم الواقع وتحليل ظواهره ومعطياته وعلاقة الإنسان بالطبيعة كمعطى أولي متداخل بالوجود الإنساني (الذكي )على الأرض.
إن خاصية الإنسان البدئية في صناعته التاريخ وسيرورة تقدمه الحضاري بدءا من عصر الصيد والالتقاط تم بالمفارقة عن حياة الحيوان بحيازة الإنسان الذكاء وفي القدرة على إعمال العقل والتفكير. وهذه الخاصية الإنسانية استثناءا من دون الكائنات الحية الأخرى , هي بدئية وأزلية في وعي الإنسان لوجوده ورغبته مجاوزة هذا الوجود دوما وباستمرار في توّسل العقل وتشغيل خاصية الذكاء إلى جانب الخيال الاستشرافي , في مراجعة مستمرة نقدية للوجود الإنساني المتعالق مع الطبيعة , وهذا ما لا يتوفر عليه الحيوان الذي يفتقد خاصيتي الذكاء والخيال , ولا يدرك ويعي وجوده . وهذا الاختلاف والمفارقة بين حياة الإنسان والحيوان مثلت اكبر انعطافة انثروبولوجية في تاريخ صنع الإنسان لوجوده الآدمي وبناء حضارته البدئية . وعن هذه الحقيقة يشير براتراند رسل : وجد الإنسان أن ثلاثة أشجار مع ثلاثة اسود مع ثلاثة جبال توحدها خاصية واحدة يحتازوها ويتمايز بها الإنسان عن غيره من الكائنات في امتلاكه خاصية العقل والذكاء .
الذكاء الإنساني ادخله في مشقات وصعاب على امتداد العصور البشرية عندما وجد الإنسان نفسه في صراع واحتدام مع الطبيعة بعلاقة رأسية متقاطعة معها دفاعا عن نفسه ونوعه من الانقراض , ومحاولته تسخير وتطويع معطيات الطبيعة وقوانينها العامة لصالحه ومقتضيات وجوده . بينما بقي الحيوان يجاري الطبيعة ويتكيف معها غريزيا بعيدا عن التقاطع معها وعن إدراك وعي الوجود . في هذه المفارقة بقي الإنسان في حالة تطور دائمية من مرحلة إلى أخرى , وبقي الحيوان كائنا متكيفا مهادنا للطبيعة في حلقة دائرية مفرغة من الحياة التطورية ( يعيش ليأكل ).
إن تلازم الوعي النقدي والخيال المنتج عند الإنسان في إدراك وجوده واستشراف مستقبله الأفضل يشبه إلى حد بعيد تماما تلازم الروح والجسد في الكائن الحي , فإذا اعتبرنا الوعي هو عملية العناية بالجسد كوجود إنساني فيزيائي نفسي متطور دائما في علاقاته المتعددة بالطبيعة والميتافيزيقيا والكوني , فان الخيال يصبح اهتمامه ومجال اشتغاله بجنبة الوجود الروحي وآفاقه عند الإنسان وعلاقته بالمطلق وما وراء الطبيعة في التصورات الغيبية وتوظيف استشرافاته الروحية والمادية لخدمة حاجات الجسد والتوازن النفسي وفتح آفاق مستقبلية أمام تقدمه باستمرار ,مكملا - أي الخيال - وظيفة الوعي الإدراكي العقلي في عنايته بالإنسان كوجود مادي عياني ماثل متعين يمثل جزءا من الطبيعة منفصل و متمايز عنها . وجود تدركه الحواس ويسيطر عليه العقل تماما , يتجلى ذلك أن العقل ذو فاعلية نقدية تزوده بها الحواس والوعي الإدراكي في تحليل الوجود وحل مشكلاته وقضاياه .
الخيال المنتج السوي يلازم الوعي الإدراكي ويتكامل ويتعاضد معه أحيانا ويفترق معه أحيانا أخرى , بأسلوب وطرائق مفارقة عديدة , فما يعجز الوعي تحقيقه يدركه الخيال بشكل يوتوبي تعويضي حلمي استشرافي بما يحفز الإدراك في تحقيق الأحلام الخيالية أو جزءا منها على ارض الواقع .الخيال في كل الأحوال عند الإنسان كخاصية يحتازها انه تفكير حلمي خيالي منتج وطموح يسبق ويتجاوز عن عمد وقصد وغائية كل ما لا يستطيع الوعي تحقيقه والاضطلاع بانجازه, في استشراف الخيال عوالم مستجدة يسحبها باستمرار من سديم الأحلام والرؤى إلى إمكانية تحققها ماديا في واقع الإنسان وصيرورة حياته كوجود ونوع . وفي تلازم وتداخل الوعي العقلي الناقد ,والخيال الحلمي المنتج يكون سعي الإنسان بكليهما في إشباع حاجاته المادية وحاجاته الروحية ,وأحيانا حاجاته الإبداعية والفنية بدءا من النقوش والرسومات الكهفية وصولا إلى إبداع الآداب والفنون الحديثة . لذا يكون هذا التعالق المنتج بين الوعي والخيال يمثل خاصية وجودية إنسانية أكثر من ضرورية في فهم الوجود وسيرورته التاريخية وصنع حضارة الإنسان على الأرض .
الخيال الحلمي المنتج في كل العصور البشرية والأزمنة يسبق الوعي الإدراكي المحكوم بوصاية ورقابة العقل على الإنسان كوجود وماهية . لكنه أي الخيال بعصور سحيقة لعب دورا (فوضويا ) في الفتح الاستشرافي المستقبلي في استقدامه واستحضاره واستحداثه ما ينقص الوجود الإنساني من معطيات مادية وروحية تغني ذلك الوجود ,ليستحدث بعدها أخرى بديلا عنها متجاوزا لها على الدوام وهكذا . ليأتي بعد ذلك دور الوعي العقلي النقدي الناظم والمنظم لمنظومة المعطيات الخيالية التي ابتدعها الخيال الجامح , في التهذيب والتشذيب وتحقيق الممكن منها وتخليصها من سديم الفوضى الطوباوية الخيالية غير المنضبطة عقلانيا .
يمكننا تقسيم الخيال المرافق لوعي الوجود الإنساني الإدراكي وعقلانيته بثلاث أنواع من الخيال مثلت مراحل متدرجة ومتداخلة مع بعضها أيضا :
- الخيال الأسطوري والخرافي الذي قدم للمسار البشري المتصاعد خدمة جليلة عظيمة في إنتاجه الخرافة والسحر والطوطم وطقوس الرقص الدينية , والأسطورة والميثالوجيا ,وفي مراحل لاحقة أنتج لنا الأديان ما قبل السماوية , وأنتج لنا أيضا الكهنة والعبيد .
- في مرحلة لاحقة انبثقت من رحم الخيال الأسطوري وفي تداخل معه وتجاوز له أيضا , أنتج لنا الخيال الآلهة والملاحم والأساطير , وفي تطور لاحق أنتج لنا الأديان السماوية والإيديولوجيات والإبداع في الآداب والفنون والفلسفة والغناء والموسيقى والرقص والتاريخ والعلوم الإنسانية . ونطلق على هذا النوع من الخيال المنتج( الخيال الإبداعي).
- بعد مرحلتي الخيال الأسطوري والخيال الإبداعي ومن رحمهما انبثق عندنا الخيال العلمي تجاوبا مع مقتضيات التطور المديني والتقدم الحضاري للإنسان . الخيال العلمي في مراحل متقدمة أنتج لنا علوم الطب والفيزياء والفلك والكيمياء والتكنلوجيا المتطورة والفهم الوجودي المعاصر للحياة .
هذا المخيال العلمي المنتج وضع حاضر ومستقبل البشرية مرهونا في حيز الاحتمالات التنفيذية المتحقق والمؤجل منها في استمرار عمل المخيال المخصب المنتج في التنبؤ الاستشرافي لبعض ما يهم مستقبل الوجود الإنساني الأرضي وعلاقته بالطبيعة والكوني ومستجدات العلوم ومتطورات التكنلوجيا بصورة مطردة متعالية في نشدان الأفضل دائما مرحلة تليها أخرى .
من الملاحظ جيدا أن هذه الأنواع من الخيالات المنتجة الإنسانية المتداخلة رغم القطوعات التي تفصل بينها ك( بنيات ) متكونة من منظومات فكرية عديدة مستقلة إحداها عن الأخرى , بنفس وقت تداخلها مع بعضها على امتداد التحقيب الزمني لكل واحدة .فهي لا زالت مجتمعة تلعب دورا أساسيا في تفسير وفهم الوجود الإنساني ماديا وروحيا , وفتح مجالات التنبؤ الاستشرافي المخصب والإبداع المنتج بما يغني ثراء الوجود الإنساني أسطوريا وإبداعيا وعلميا .
مما مربنا نستنتج أن فهم الخيال المنتج غير التهويمي اللاشعوري - وسنأتي على تفصيل هذا لاحقا - انه دائم النظر الاستشرافي في سحب غير الممكن الوجود وغير المتحقق من ثنايا الغيب والمستقبل المجهول إلى إمكانية التوظيف في الواقع المادي للإنسان عندما يعجز الوعي والإرادة تحقيق تلك المتطلبات . الخيال حركة دائبة في تحفيزادراك الوجود على مجاوزة الواقع المادي المتعين . فما يتحقق في فترة زمنية تخبو صلاحيتها وجاذبيتها المبتكرة بمرور الوقت ,لتصبح حاجة استحداث أخرى أفضل منها بديلة عنها اكثرضرورة.
النقطة التي لا ارغب دون الإشارة لتوكيدها والتي سبق أن ذكرتها أن الخيال الإبداعي المنتج لعب في مراحل بدائية من عمر البشرية دورا على جانب كبير من الأهمية وان كنا نعامل هذه المراحل التي انتجت لنا الطقوس الدينية والميثلوجيا والسحر والشعوذة والخرافة والأساطير , وفي مرحلة لاحقة متقدمة انتجت لنا الأديان , وفي مرحلة متقدمة جدا انتجت لنا منجزات الخيال العلمي والتطور التكنلوجي والعلوم في كافة المجالات , والفهم الكوني للوجود. نعاملها اليوم بمقاييس عصرنا الخاطئة أحيانا.
إن هذه المعطيات التي ادرجناها في أهمية الخيال المنتج أصبح من المتاح أمامنا اليوم تعويض ما لم يدركه الخيال في مراحل سحيقة ,متاحا أمامنا في ما ينتجه لنا الخيال الإبداعي من معارف وآداب وفلسفة وفنون ,وكذلك الخيال العلمي في تقدم الحياة الإنسانية .
كما أن عودة الفلسفة المعاصرة وحفريات المعرفة ومدارس البنيوية والتفكيك إلى مخلفات الخيال الإبداعي الأسطوري ودراسة تلك المراحل التاريخية القديمة أصبحت اليوم معتمدة في التنقيبات في فتح آفاق معرفية وفلسفية وعلمية جديدة على جنبة كبيرة من الأهمية لم تكن علوم المعرفة على دراية بها سابقا.
الخيال واللغة :
قبل دخول هذا الباب أود التنبيه إلى مسألة معقدة تهم مفهوم الخيال وعلاقته باللغة . فنحن نتوفر على أكثر من نوع من التعبير , وشكل ومحتوى يرتبط بشكل وآخر بالخيال الإنساني :
- عندنا أولا لغة التواصل الاجتماعي كلهجات وكلام تواصلي وتفاهم شفاهي , وكذلك لغة المخاطبة في الفصحى قراءة وكتابة في المتعارف عليه . هنا لغة الخيال اللغوي صادرة شعوريا عن وصاية ورقابة العقل على تنظيمها وإعطاء تراتبية الشكل المنظم للغة , وتماسك وتناغم المعنى المراد توصيله تجريديا.
- لغة اللاشعور الإبداعي كما في النتاجات الأدبية والفنية أبرزها مدارس الفن التجريدي التشكيلي كما في السريالية والدادائية والبرناسية والتكعيبية .
- لغة اللاشعور المرتبط بتعاطي المخدرات في محاولة تخصيب الخيال الإبداعي لإنتاج الفعاليات الأدبية والفنية المستمدة من عوالم غير مسبوقة .
- لغة اللاشعور المرتبط بهلاوس المرضى العصابيين والانفصاميين ومرضى التوحد وهذاءات وغطرفة المجانين . وهنا تكون اللغة معطلة التواصل مع الآخر , في غياب وتغييب التفكير الشعوري المتجانس عقليا في توجيه وتنظيم هذا النوع من التعبير اللغوي .
- لغة الشعور في الوجدانات الصامتة المعبر عنها بحركات الجسد في الرقص والغناء والبالية واليوغا ومسرحيات الشخص الواحد الصامتة وبعض الألعاب الإيحائية .
- لغة اللاشعور عند الصوفية وسنأتي على تفصيلها لاحقا .
إذا جاز لنا اعتبار حركات الجسد في الرقص والغناء واليوغا لغة تواصل وجداني عاطفي مع الآخر في لغة صامتة لامنطوقة ولا مقروءة ولا مكتوبة ، فان عالم اللغات لوفيدج فتنشجتين يعتبر هذا النوع من لغة الصمت المعبر عنها بمرموزات حركية صادرة عن الجسد ، تكون اقدر على التواصل , وما نعجز التعبير عنه بالكلمات يكون التعبير عنه بالصمت . وتعبيرات لغة الصمت المرتبطة بتشكيلات إيحائية أو جمالية مصاحبة لفعالية الرقص أو المسرح الانفرادي لشخص واحد أو عدة أشخاص،ورقص البالية ، وحركات اليوغا ،وعن ارتباط اللغة بحياة الإنسان وملازمة وجوده كأرث ملازم ومكمل له يرى فنتشجتين انه ( لامعنى لأي لفظة لغوية إلا في مجرى الحياة .) ويتابع بأن كل ما يقال يجب أن يقال بوضوح وإلا علينا أن نلوذ(بالصمت كمستودع نودع فيه ما نجهله).
هنا علينا توضيح التباس متوقع ونحن نعرض(الصمت) لغة توصيل في الفعاليات الراقصة والمسرحية,إن لغة الصمت التي عناها عالم اللغات,هي في عجز اللغة (المنطوقة والمسموعة) أن تكون لغة أفكار تعبيرية توصيلية,وهذا الصمت يختلف عن(توظيف) الصمت في إيصال الفعاليات الوجدانية العاطفية التي تكون الحركات التمثيلية والإشارات الإيحائية(لغة) معبرة معدة وموضوعة سلفا في أهمية وقدرة حركة الجسد توصيل الفهم والمعنى المطلوب في تعطيل لغة التخاطب التقليدية المسموعة (صوتيا).
الصمت هنا في لغة الجسد الإيحائية والحركات لا يمثل عجز اللغة المعتادة عن التوصيل,بل تعطيل وظيفة اللغة من اجل بلوغ هدف التوصيل إيحائيا حركيا. إن الصمت في الفعاليات التمثيلية والمسرحية الصامتة,يكون عدم البوح بالمعنى وتعطيل وظيفة اللغة سماعيا يتم بإرادة مسبقة,وليس الصمت مكبوتا نتيجة عجز لغوي تعبيري قاصر عن بلوغ هدف التوصيل.كما هو الحال مع وظيفة اللغة تقليديا.
إذن ما موقع الوعي والخيال من اللغة وكيف يتوسلانها في الإفصاح الوجداني والتعبير !؟
هذا يقودنا إلى تفريق أن الوعي يتعامل بأكثر من لغة ، يتعامل بها الخيال فهو يتعامل مع اللغة إدراكيا في اعتبار اللغة الشفاهية هي مرموزات إيحائية وتجريدية تحقق التواصل البشري واجتماعيتهم المطلوبة في تمشية أمورهم ومتطلبات حياتهم . ويدخل ضمن هذه اللغة الحوار الشفاهي واللهجات المحلية ولغة تواصل الإبداع الأدبي والثقافي والمعرفي والفلسفي ، وهذه اللغة التي يعول عليها أدبيا وثقافيا واجتماعيا لغة منظمة ومتسقة.
كذلك نجد لغة الإدراك المعرفي العلمي في علوم الطب والرياضيات والفيزياء والكيمياء والهندسة والحاسوب ، هي مرموزات اشارية تتوسلها العلوم كمعادلات رياضية ذات خصوصية بنيوية مستقلة تماما . وهذا النوع اللغوي من التعبير محكوم بوعي إدراكي عقلاني صارم لايقبل بغير الاستقلالية التامة وخضوع اللغة لرقابة المنطق وصرامته بامتياز .
أجد من المفيد أن جيل ديلوز نقلا عن منصف الوهايبي صنّف الخطاب اللغوي إلى ثلاثة أنماط تعبيرية: الخطاب الفلسفي معقودا على التوسل بالمفهوم, فيما الخطاب الفني معقود على التوسل بالإدراك,والخطاب الديني معقود على التوسل بالانفعال والوجدان. وهذا الأخير يتداخل في تلقي الشعر وبعض الفنون القولية الأخرى.
الخيال ولغة التصوف:
أهم أنواع التعبير اللغوي التي يمتزج فيها الإدراك العقلي مع اللاشعور المتسامي نحو المثال والحلول في الذات الإلهية ، هي لغة الخيال التصوفي ، فالمتصوف أو العرفاني ينطلق بحسب رأيي من منطلق أن أردأ أنواع العاطفة والوجدان ما تستطيع اللغة التعبير عنه واستيعابه..والعواطف والوجدانات العميقة الثرة المتسامية تعجز اللغة التعبير عنها.
من هذا المنطلق يعتبر تعطيل فاعلية اللغة التواصلية مع الآخر قاصرة تماما في حال مرور المتصوف بتجربة الكشف الاستبطاني وحالة التسامي الذي يشل الحواس والإدراك الواعي للعقل ، اللغة التصوفية تأتي على شكل مرموزات وشطحات لغوية فكرية تخييلية منجذبة نحو التعالي فوق الواقع الحسي والتعالي على العقل أيضا. لغة غائبة تماما عن مجريات الحياة والمحيط والوجود الإنساني للآخر بجميع اشتمالاته المادية ، ما عدا الشحن الوجداني العاطفي اللاشعوري المرتبط بإمعان ورغبة التدرج في معارج الكشف نحو المثال المتسامي ونشدان الوصول إلى مراتب متقدمة من الخالق والذات الإلهية. لغة التصوف ترتبط بحالة اللاشعور في تغييب الوعي والحس المادي ليلتقي بهذاءات المجانين إلى حد ما مع فارق انه في بعض الحالات التصوفية كما هي عند ابن عربي والحلاج والنفري وغيرهم، فهي تحمل مدلولات تواصلية فلسفية مع الآخر يتدخل الوعي الشعوري والإدراكي بتسجيلها . في حين تكون مثل هذه الفعالية التواصلية بقدرات اللغة والتعبير معدومة تماما في هلوسة وهذيان المجنون ، وهذا ينطبق أيضا على الكثير من التجارب التصوفية غير الناضجة .
كلا التعبيرين اللغويين لغة التصوف وهذاءات المجانيين يتقاسمان صفة(لغة الخيال اللاشعوري غير المنتج ) في تغييب الوجود الواقعي العقلاني,وإعدام فرص التواصل بالآخر.
لغة التصوف تلغي الفعالية الواقعية العقلانية في جانبين: تلغي فاعلية الوجدان المنتج - ماعدا استثناءات تجارب تصوفية ناضجة غير مبالغ بها ولا مفتعلة - وإعدام رقابة العقل على اللغة المنطوقة تصوفيا,يتجلى ذلك في عدم قدرة المتصوف ضبط تداعيات اللغة التعبيرية المنطوقة عنده, بمنطق لغوي منظم يستطيع التواصل مع الآخر بعيدا عن شطحات تداعيات اللاشعور في توصيل التجربة الذاتية من خلال إمكانية المتلقي فك مرموزات اللغة الاشارية , بما يخدم تجربة المتصوف والمتلقي معا.
الجانب الثاني من الإلغاء في لغة المتصوف يتمثل في تخريب الإخصاب التخييلي,في عجز التعبير التصوفي وفي اللقاء مع هذاءات المجنون وفي عجزهما المشترك أن يكون تعبيرهما اللغوي لغة تواصل يعتد الأخذ بها ,فقط باستثناءات تجارب تصوفية متقدمة يمكن أن يكون التواصل التصوفي مع المجتمع متحققا فيها.
إذن ما الفرق بين غطرفة وهذاءات المجنون,وشطحات المتصوف اللغوية التعبيرية !؟
هذاءات المجنون وهلوسة الانفصامي المرضية تصدر عن غياب تام لتداعيات الشعور الحلمي المنتج-لا كما نجده عند المبدع والفنان-فهي عند المجنون تخييلات لا شعورية مكبوتة تفصح عن نفسها ,في تعبيرات مشفرة ناقصة المعنى المفهومي,سائبة غير منظمة ولا منضبطة سطحية وانفعالية,غبر مفهومة ولا متسقة تعبيريا,طلاسم لغوية مغلقة على عوالم خيالية مرضية. الخيال اللاشعوري عند المتصوف يطرح لغة مفككة أيضا لا تعطي فهما ومعنى منظما.ومن هنا تلتقي لغة المتصوف مع هلوسات الجنون ,ويفترقان كليهما عن لغة الخيال الإبداعية عند الفنان أو الأديب.
يقترب هيدجر في تناوله وظيفة اللغة في التجربة الصوفية ,أنها لغة رمزية صعبة وعسيرة في التعبير عن تجاربهم ومعاناتهم التصوفية,إذ يعجز المتصوف نقل أو تمييز الوجود,عن نسيان الوجود الحقيقي, إذ يقع المتصوف في حالة من تغييب الوجود عقليا وحسيا ,و يعيش حالة من المثالية العرفانية في تجربته الذاتية الصرف.
كما يعيب براتراند رسل على المتصوفة عقم وعجز اللغة عندهم ,بأنها عاجزة أن تقول شيئا يعتد ويؤخذ به.كما أن العلم من وجهة نظره أيضا يسخر من اللغة الصوفية سخرية لاذعة.
وفي المنحى ذاته يذهب جورج باتاي أن التجربة الايروسية-الشبقية تتوازى مع التجربة الصوفية في كونهما فيضين لا تستوعبها اللغة.من هنا يمكنني التذكير بأهمية العبارة التي أورد تها سابقا حين أشرت أن المتصوف ينطلق من واقعة أن أردأ أنواع العاطفة والوجدان هو ما تستطيع اللغة التعبير عنه واستيعابه.على اعتبار أن التجربة التصوفية هي غوص في مسالك الكشف الاستبطاني المتسامي المتعالي,تنعدم معها أن تكون اللغة ذات جدوى تواصلية مع الآخر.هنا بحسب هذا الفهم لانستغرب ربط جورج باتاي بين التجربة الصوفية والتجربة الجنسية والتقائهما في أن اللغة بكلتا التجربتين تتماهى في العجز واستعصائها تحقيق التواصل بالآخر.
إما الشاعر المفكر ادونيس فيعتبر لغة التصوف(الإسلامي) هي لغة استكشاف معرفي في الدين والفلسفة والوجود.وان السرياليين اخترعوا الكتابة الأوتوماتيكية-يقصد بذلك كتابة تداعيات اللاشعور---وإلغاء العقل واستخدموا لذلك المخدرات. ويضيف أن المتصوف ألغى رقابة العقل بالسيطرة الذاتية على الجسد .وسمي آنذاك الكتابة (إلهيا سماويا) وهي ذاتها الكتابة التي نادى بها السورياليون.
هنا ادونيس استخدم عبارة إلغاء العقل عوضا عن تغييب تداعيات اللاشعور الحلمي المنتج في كتابة الشعر وإنتاجية الفنون التشكيلية كما في السريالية والتجريد الفني وهذا الخيال الإنتاجي المخصب عند الفنان أو الأديب يختلف جذريا عن المخيال المعطل غير المنتج عند المتصوف,الذي يتأرجح بين تغييب الرقابة العقلية والحسية,وبين تداعيات اللاشعور عندما تكون اللغة اقرب إلى الهلوسة والهذاءات عند المجنون. باختلاف بسيط أن المتصوف يعي عجز اللغة عنده في تحقيق التواصل مع الآخر,وقدرته أحيانا على البوح بإفصاح تعبيري لغوي يتجاوز هذاءات المجنون المغلقة.بينما هي غير ذلك عند المجنون في هذاءاته بلا معنى ولا ترابط.
إما المفكر محمد عابد الجابري يرى أن الحقيقة في التصوف الإسلامي هي عندهم ليست الحقيقة الدينية,ولا الحقيقة الفلسفية,ولا الحقيقة العلمية,بل الحقيقة عندهم هي الرؤية السحرية للعالم التي تكرسها الأسطورة.وأن العرفان(التصوف) يلغي العقل,ومن حق العقل الدفاع عن نفسه ليس بالطريقة السحرية بل بالتحليل العقلي.
أود توضيح نقطة مررنا بها سريعا, ما هو الفرق بين لغة الإبداع الأدبي - الفني ولغة التصوف!؟
إن فرويد تعامل مع الخيال بوصفه مصدر الإلهام وخزان الإبداع,وكشف تأثير اللاشعور في السلوكيات المنحرفة والسوية.
برأينا الفنان كالعصابي المريض أو المنفصم شخصيا كلاهما ينسحبان من الواقع المحسوس والمدرك عقلانيا إلى دنيا الخيال غير المحدود, بخلاف جوهري مهم جدا أن العصابي المريض لايستطيع العودة من رحلة الخيال إلى واقع الحياة والمجتمع ثانية , وأن ما يبتدعه له الخيال من واقع وهمي يتصوره ويتعامل معه انه الواقع الحقيقي والحياة السوية. في حين أن الفنان المبدع أو الأديب صاحب الفعالية الإبداعية يستطيع العودة ثانية من رحلة الخيال إلى واقع الحياة, وبحصيلة إبداعية فنية مميزة على شكل إنتاج أدبي أو فني أو غيرهما.(لتفصيل أكثر ينظر كتابنا /فلسفة الاغتراب في طبعتيه الأولى عن دار الشؤؤن الثقافية بغداد 2011 , والثانية دار الموسوعات العربية بيروت 2013.الفصل الخامس: الاغتراب والصوفية./والفصل السادس:الاغتراب في الوجودية الحديثة).
علي محمد اليوسف-الموصل
السيرة الذاتية للكاتب
علي محمد اليوسف مواليد مدينة الموصل 1944
عضو الاتحاد العام للأدباء والكتاب العراقيين .
عمل في السلك الدوبلوماسي في السفارة العراقية بلندن لمدة ثلاث سنوات ونصف .
عمل في التعليم لمدة 31عاما ,قبل إحالته على التقاعد عام 1995
نشر العديد من البحوث والمقالات في الصحف والمجلات العراقية والعربية مثل مجلة الآداب في بيروت / مجلة دراسات فلسفية / بيت الحكمة بغداد / مجلة مدارك العراقية تصدر عن مؤسسة المدارك الثقافية في بغداد ، نشر سلسلة مقالات سياسية وثقافية وفلسفية في جريدة الزمان .
مؤلفاته
سيسيولوجيا الاغتراب Alienation/قراءة نقدية منهجية في فلسفة الاغتراب / دار الشؤون الثقافية / بغداد2011,وصدر بطبعة ثانية عن دار الموسعات الثقافية في بيروت 2013.
استقصاءات في الفكر العربي والفلسفة / نصوص في الفلسفة والفكر/ دار دجلة في عمان 2014
العولمة بضوء نهاية التاريخ وصدام الحضارات / دار دجلة في عمان 2015
الحداثة : إشكالية التوصيل والتلقي / دار الشؤون الثقافية / بغداد,2013,
جهات أربع / مقاربة في وحدة النص / دار دجلة في عمان 2015
ميتافيزيقيا الموت والوجود/ دار الانتشار العربي في بيروت2014
مؤلفات أخرى مطبوعة وقيد الطبع
إشكالية الثقافي العربي/ مغايرة التجاوز والتجديد,دار جرير عمان 2015
مفاهيم واراء ممنوعة من الصرف/ دار غيداء /عمان 2014.


كل الحقوق محفوظة لموقع فلسفة 2017/2004

لا تعبر الآراء الواردة في موقع فلسفة إلا عن وجهة نظر كاتبيها